لتحميل الخطبة بصيغة بي دي اف اضغط على هذا الرابط
الْحَمْدُ للهِ؛ (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص:68]، وَيُفَضِّلُ مَا يُرِيدُ بِحِكْمَةٍ وَاقْتِدَارٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، دَلَّ عَلَى أَسْبَابِ الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ، وَأَعْبَدُ الْخَلْقِ للهِ فِي السِّرِّ وَالْجِهَارِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَخْيَارِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِخَيْرِ الزَّادِ، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة:197].
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى، وَدَلاَئِلِ رُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِفَاتِ جَلاَلِهِ وَكَمَالِهِ: تَخْصِيصَ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ بِمَزَايَا وَفَضَائِلَ، وَهُوَ الْقَائِلُ سُبْحَانَهُ: )وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ( [القصص:68]، فَقَدْ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ عَظِيمَةً، وَأَيَّاماً فَاضِلَةً؛ لِتَكُونَ مَغْنَماً لِلطَّائِعِينَ، وَمَيْدَاناً لِتَنَافُسِ الْمُتَنَافِسِينَ، فَهَا هِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ تَحِلُّ عَلَيْنَا، أَيَّامٌ مُبَارَكَاتٌ، وَذَخَائِرُ نَفِيسَاتٌ، وَسُوَيْعَاتٌ جَلِيلاَتٌ، تُضَاعَفُ فِيهَا الأَعْمَالُ، وَتَزْدَادُ فِيهَا الدَّرَجَاتُ، وَيَعْظُمُ فِيهَا الثَّوَابُ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَمَا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاسِمِ الْفَاضِلَةِ مَوْسِمٌ إِلاَّ وَللهِ تَعَالَى فِيهِ وَظِيفَةٌ مِنْ وَظَائِفِ طَاعَاتِهِ، يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيْهِ، وَللهِ فِيهِ لَطِيفَةٌ مِنْ لَطَائِفِ نَفَحَاتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَعُودُ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الشُّهُورِ وَالأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَتَقَرَّبَ فِيهَا إِلَى مَوْلاَهُ بِمَا فِيهَا مِنْ وَظَائِفِ الطَّاعَاتِ، فَعَسَى أَنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ مِنْ تِلْكَ النَّفَحَاتِ، فَيَسْعَدَ بِهَا سَعَادَةً يَأْمَنُ بِهَا مِنَ النَّارِ وَمَا فِيهَا مِنَ اللَّفَحَاتِ».
فَأَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً، فَإِنَّكُمْ عَلَى أَبْوَابِ عَشْرٍ مُبَارَكَةٍ، أَقْسَمَ اللهُ بِهَا فَقَالَ: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ) [الفجر:1-2]، فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ بِالْعَشْرِ الأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهِيَ الأَيَّامُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» - يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ » [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ].
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: وَفِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَعْمَالٌ فَاضِلَةٌ، لاَ يَنْبَغِي التَّفْرِيطُ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ: الصِّيَامُ، فَهُوَ مِنْ جَلاَئِلِ الأَعْمَالِ، فَيُسَنُّ لِلْمُسْلِمِ صِيَامُ هَذِهِ التِّسْعِ الْمُبَارَكَةِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ»، وَقَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي صِيَامِهَا: «إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ اسْتِحْبَاباً شَدِيداً؛ لاَسِيَّمَا التَّاسِعُ مِنْهَا؛ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ».
وَمِنْهَا: إِظْهَارُ التَّكْبِيرِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَنَازِلِ وَالطُّرُقَاتِ، يَجْهَرُ بِهِ الرِّجَالُ، وَتُسِرُّ بِهِ النِّسَاءُ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقاً بِصِيغَةِ الْجَزْمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، وَصِيغَتُهُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ. وَيَصِحُّ التَّكْبِيرُ بِصِيَغٍ أُخْرَى.
وَالتَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ صَارَ مِنَ السُّنَنِ الْمَهْجُورَةِ؛ لاَسِيَّمَا أَوَّلُ الْعَشْرِ، فَلاَ تَكَادُ تَسْمَعُهُ إِلاَّ مِنَ الْقَلِيلِ، فَيَنْبَغِي الْجَهْرُ بِهِ فِي مَوَاضِعِهِ إِحْيَاءً لِلسُّنَّةِ، وَتَذْكِيراً لِلْغَافِلِينَ.
وَمِنْ هَذِهِ الأَعْمَالِ: أَدَاءُ الْحَجِّ؛ حَيْثُ فَرَضَهُ اللهُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ، وَجَعَلَهُ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلاَمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى:(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97]، وَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ تَأْخِيرِ الْحَجِّ مَعَ الاِسْتِطَاعَةِ أَشَدَّ تَحْذِيرٍ، فَقَالَ: «تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» [أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ]، وَقَالَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ مَاتَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً» وَصَحَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ.
أَفَبَعْدَ هَذَا يَبْقَى مُسْلِمٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تَارِكاً لِلْحَجِّ الْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ؟! كَيْفَ يَلْقَى اللهَ وَقَدْ تَرَكَ رُكْناً مِنْ أَرْكَانِ دِينِهِ؟! وَمَنْ يَضْمَنُ لَهُ الْبَقَاءَ إِلَى السَّنَةِ الْقَادِمَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ؟! أَلاَ تَرَوْنَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَأْتُونَ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَةٍ، قَدْ تَرَكُوا الأَهْلَ وَالأَوْطَانَ، وَعَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِمَخَاطِرِ الطُّرُقِ وَالأَسْفَارِ؛ لِيَصِلُوا إِلَى بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ فَقْرٍ وَحَاجَةٍ؟! فَمَا بَالُكَ أَيُّهَا الْمُتَهَاوِنُ؟!.
عِبَادَ اللهِ: وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ: ذَبْحُ الأَضَاحِي؛ تَقَرُّباً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاسْتِنَاناً بِهَدْيِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِحْسَاناً إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَتَحَبُّباً لِلأَصْدِقَاءِ وَالْجِيرَانِ وَالأَقْرَبِينَ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ؛ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وَعَنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ» [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ].
وَالْعَجُّ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ – وَالثَّجُّ: سَيَلاَنُ دِمَاءِ الْهَدْيِ وَالأَضَاحِي.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرَتِهِ شَيْئاً؛ فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ؛ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]، وَالْحِكْمَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ -كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ- رَحِمَهُ اللهُ: تَوْفِيرُ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ لِيَأْخُذَهُ مَعَ الأُضْحِيَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الأُضْحِيَةِ عِنْدَ اللهِ وَمِنْ كَمَالِ التَّعَبُّدِ بِهَا.
وَمِنْهَا: عُمُومُ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَاعْمُرْ هَذِهِ الأَيَّامَ بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى؛ مِنْ صَلاَةٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَذِكْرٍ وَدُعَاءٍ، وَصَدَقَةٍ وَصِلَةٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَأَبْوَابُ الْخَيْرِ مُشْرَعَةٌ؛ فَذَاكَ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:60-61].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْهُدَى وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الأُمَّةِ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ.
الْخُطْبة الثّانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهِ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأتْبَاعِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ: تَجْدِيدَ التَّوْبَةِ إِلَى اللهِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي جَمِيعِ الأَزْمَانِ، مُتَأَكِّدَةٌ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لِلْمُسْلِمِ تَوْبَةٌ نَصُوحٌ مَعَ أَعَمَالٍ صَالِحَةٍ فِي زَمَانٍ فَاضِلٍ؛ فَذَاكَ عُنْوَانُ الْفَلاَحِ؛ (فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) [القصص:67].
إِنَّ التَّوْبَةَ إِلَى اللهِ شَرَفٌ لِلْعَبْدِ وَكَرَامَةٌ، فَبِهَا يَسْعَدُ وَيَغْنَمُ، وَبِهَا يَفْرَحُ وَيَرْبَحُ، وَإِنَّهَا لَبَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَةِ، تُنَالُ بِهَا الْحَسَنَاتُ، وَتُحَطُّ بِهَا السَّيِّئَاتُ، وَيَتَنَزَّلُ بِهَا الرِّزْقُ، وَيَدُومُ الْحَظُّ وَالتَّوْفِيقُ، وَيَزُولُ الشَّقَاءُ وَالْحُزْنُ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ؛ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ؛ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].
فَسَارِعْ -أَخِي- إِلَى طَاعَةِ رَبِّكَ بِالتَّوْبَةِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَكَثْرَةِ خِصَالِ الْخَيْرِ، عَلَّ اللهَ أَنْ يَخْتِمَ لَكَ بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة:112].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ.
.png)