موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

المخرج من الفتن في سورة الكهف | خطبة الجمعة مكتوبة

 إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71]. 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَهَذِهِ السُّورَةُ إِنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنَ الدُّرُوسِ وَالْعِبَرِ لِمَنْ قَرَأَهَا بِتَدَبُّرٍ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا فِيهَا بَيَانُ الْفِتَنِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الْإِنْسَانُ، وَبَيَانُ طَرِيقِ النَّجَاةِ مِنْهَا.

فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَرْبَعَ فِتَنٍ عَظِيمَةٍ: فِتْنَةَ الدِّينِ، وَفِتْنَةَ الْمَالِ، وَفِتْنَةَ الْعِلْمِ، وَفِتْنَةَ الْمُلْكِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا لِلْقِصَصِ فَقَطْ، بَلْ بَيَّنَ مَعَهَا كَيْفَ تَكُونُ النَّجَاةُ مِنْهَا.

وَسَنَذْكُرُ هَذِهِ الْفِتَنَ، وَنُبَيِّنُ مَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ النَّجَاةِ.

1- فتنة الدين:

وَأَوَّلُ الْفِتَنِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِتْنَةُ الدِّينِ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْفِتْنَةَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فِي قَوْمٍ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الشِّرْكُ، وَفِيهِمْ سُلْطَانٌ يُرِيدُ إِكْرَاهَ النَّاسِ عَلَى الْبَاطِلِ، فَثَبَتُوا وَاعْلَنُوا التَّوْحِيدِ فَقَالُوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا﴾، وَبَيَّنُوا خُطُورَةَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْإِكْرَاهِ فَقَالُوا: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾، فَلَمَّا تَيَقَّنُوا ذَلِكَ، وَخَافُوا عَلَى دِينِهِمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِظْهَارِهِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، اعْتَزَلُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، وَأَوَوْا إِلَى الْكَهْفِ، فَحَفِظَهُمُ اللَّهُ وَثَبَّتَهُمْ وَرَبَطَ عَلَى قُلُوبِهِمْ.

وَتَدُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ النَّجَاةَ مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ تَكُونُ بِأَنْ يَبْتَعِدَ الْإِنْسَانُ عَنْ مَوَاطِنِ الْفِتْنَةِ، كَمَا اعْتَزَلَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ قَوْمَهُمْ، وَتَكُونُ بِالصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً يُثَبِّتُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدى﴾، وَتَكُونُ بِاللُّجُوءِ إِلَى اللَّهِ وَالِاعْتِصَامِ بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ، فَكَانَتْ لَهُمُ النَّجَاةُ وَالثَّبَاتُ. 

2- فتنة المال:

وَأَمَّا الْفِتْنَةُ الثَّانِيَةُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فَهِيَ فِتْنَةُ الْمَالِ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْفِتْنَةَ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ، حِينَ آتَاهُ اللَّهُ جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ، وَجَعَلَ لَهُ فِيهِمَا مِنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، فَنَظَرَ إِلَى مَا عِنْدَهُ فَاغْتَرَّ، وَنَسِيَ الْمُنْعِمَ، وَقَالَ: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾، ثُمَّ تَمَادَى فِي غُرُورِهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، فَجَمَعَ بَيْنَ الِاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَإِنْكَارِ الْآخِرَةِ.

وَتَدُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ النَّجَاةَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ تَكُونُ بِرَدِّ النِّعْمَةِ إِلَى اللَّهِ وَنِسْبَتِهَا إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، وَتَكُونُ بِتَذَكُّرِ أَصْلِ الْخَلْقِ وَضَعْفِ الْإِنْسَانِ كَمَا نَاصَحَهُ صَاحِبُهُ وَذَكَّرَهُ بِرَبِّهِ وَبِأَصْلِ خَلْقِهِ فَقَالَ: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، وَقَالَ لَهُ مُقَرِّرًا التَّوْحِيدَ: ﴿لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، وَتَكُونُ بِتَذَكُّرِ زَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾ فَمَنْ عَرَفَ النِّعْمَةَ وَنَسَبَهَا إِلَى مُنْعِمِهَا، وَتَذَكَّرَ ضَعْفَهُ وَأَصْلَهُ، وَأَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَبِالْآخِرَةِ، سَلِمَ مِنْ فِتْنَتِهَا، وَمَنْ اغْتَرَّ بِمَا عِنْدَهُ هَلَكَ كَمَا هَلَكَ صَاحِبُ الْجَنَّتَيْنِ.

3- فتنة العلم : 

وَأَمَّا الْفِتْنَةُ الثَّالِثَةُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فَهِيَ فِتْنَةُ الْعِلْمِ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْفِتْنَةَ فِي قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ، وَمُوسَى هُوَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ، لَمْ يَتَكَبَّرْ وَلَمْ يَقُلْ أَنَا نَبِيٌّ، بَلْ تَوَاضَعَ وَخَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَقَالَ: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾، ثُمَّ لَمَّا لَقِيَ الْعَبْدَ الصَّالِحَ تَلَطَّفَ فِي الطَّلَبِ وَقَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فَجَاءَ بِصِيغَةِ التَّبَعِيَّةِ وَالتَّعَلُّمِ، مَعَ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ مَعَهُ صَبْرًا فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فَقَبِلَ مُوسَى وَقَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، فَكَانَتِ الْقِصَّةُ كُلُّهَا تَدُورُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: التَّوَاضُعِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ.

وَتَدُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ النَّجَاةَ مِنْ فِتْنَةِ الْعِلْمِ تَكُونُ بِالتَّوَاضُعِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يُنَالُ بِالْكِبْرِ، وَلَا يُدْرِكُهُ مَنْ رَأَى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أَنْ يَتَوَاضَعَ وَيَذْهَبَ لِمَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ، فَلَا يُنَالُ بِالْعَجَلَةِ وَلَا بِالِاعْتِرَاضِ، بَلْ بِالتَّحَمُّلِ وَالتَّدَرُّجِ، فَمَنْ تَوَاضَعَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَصَبَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَكَبَّرْ وَلَمْ يَسْتَعْجِلْ، نَالَ الْعِلْمَ وَسَلِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَمَنْ طَلَبَهُ بِالْكِبْرِ أَوْ بِغَيْرِ صَبْرٍ حُرِمَهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ.

4- فتنة الملك والسلطان:

وَأَمَّا الْفِتْنَةُ الرَّابِعَةُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فَهِيَ فِتْنَةُ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الْفِتْنَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، حِينَ مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَسَارَ فِي الْأَرْضِ مُتَّبِعًا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ، حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، فَوَجَدَ قَوْمًا، وَجُعِلَ لَهُ فِيهِمْ سُلْطَانٌ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمُحْسِنِ وَحَكَمَ فِيهِمْ بِالْعَدْلِ فقَالَ: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابا نُّكرا * وَأَمَّا من ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أَمۡرِنَا​​ يُسرا ﴾، ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، فَوَجَدَ قَوْمًا يَشْكُونَ إِلَيْهِ فَسَادَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْفَسَادَ، فَأَعَانَهُمْ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَقَالَ: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾، فَبَنَى السَّدَّ، وَدَفَعَ عَنْهُمُ الْفِتْنَةَ، فَكَانَ تَمْكِينُهُ فِي الْأَرْضِ سَبَبًا فِي إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ، لَا فِي التَّجَبُّرِ وَالطُّغْيَانِ.

وَتَدُلُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ النَّجَاةَ مِنْ فِتْنَةِ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ تَكُونُ بِالْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ وَتَرْكِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَتَكُونُ بِاسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ فِي نَفْعِ النَّاسِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ، وَتَكُونُ بِرَدِّ الْفَضْلِ إِلَى اللَّهِ وَعَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِالْمُلْكِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، فَمَنْ عَدَلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَتَوَاضَعَ لِرَبِّهِ، وَاسْتَعْمَلَ مَا آتَاهُ اللَّهُ فِي الْخَيْرِ، سَلِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ، وَمَنْ طَغَى وَتَجَبَّرَ هَلَكَ بِسُلْطَانِهِ.


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ على إحْسَانِه، والشُّكْرُ لهُ على تَوفِيقِهِ واْمتِنانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ، لَهُ تعظيمًا لِشأْنِه، وأَشْهَدُ أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه الدَّاعِي إِلى رِضْوَانِهِ، صلِّى اللهُ عليه وعلى آلِه وَأصحابِه وَإِخْوَانِهِ وسلِّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. 

أما بعد: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْفِتَنَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، مِنْ فِتْنَةِ الدِّينِ، وَفِتْنَةِ الْمَالِ، وَفِتْنَةِ الْعِلْمِ، وَفِتْنَةِ الْمُلْكِ، قَدِ اجْتَمَعَتْ كُلُّهَا فِي أَعْظَمِ فِتْنَةٍ تَمُرُّ عَلَى النَّاسِ، وَهِيَ فِتْنَةُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَفِيهَا فِتْنَةُ الدِّينِ حِينَ يَدْعُو إِلَى الْكُفْرِ، وَفِيهَا فِتْنَةُ الْمَالِ حِينَ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، وَفِيهَا فِتْنَةُ الْعِلْمِ بِمَا يُلْقِيهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا فِتْنَةُ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ بِمَا يُعْطَى مِنَ التَّمْكِينِ وَالْقُدْرَةِ.

وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ بِالْعِصْمَةِ مِنْ هَذِهِ الْفِتْنَةِ بِمَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْكَهْفِ»، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلم وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ».

فَسُورَةُ الْكَهْفِ لَيْسَتْ قِرَاءَةً تُتْلَى فَقَطْ، بَلْ هِيَ حِصْنٌ مِنَ الْفِتَنِ، فَعَلَيْكُمْ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ قِرَاءَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا، فَإِنَّهَا نُورٌ فِي زَمَنِ الظُّلُمَاتِ، وَعِصْمَةٌ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ.

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ. 

المخرج من الفتن في سورة الكهف | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي