دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ إِلَى التَّرَاحُمِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الرَّحْمَةَ مِنْ أَعْظَمِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ، الْغَفُورُ الْوَدُودُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْحَمُ النَّاسِ بِالنَّاسِ، وَأَلْيَنُهُمْ قَلْبًا، وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ نُورُ الْقُلُوبِ، وَحَيَاةُ الْأَرْوَاحِ، وَسَبَبُ النَّجَاةِ يَوْمَ يَقِفُ الْعِبَادُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،
إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ رَحْمَةٍ، وَشَرِيعَةُ مَوَدَّةٍ، وَمِنْهَاجُ تَرَاحُمٍ وَتَعَاطُفٍ، جَاءَ لِيَنْزِعَ الْقَسْوَةَ مِنَ الْقُلُوبِ، وَلِيَغْرِسَ فِيهَا الرِّقَّةَ وَالرَّأْفَةَ وَالْإِحْسَانَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
فَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى التَّرَاحُمِ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْقَسْوَةُ، وَتَفَكَّكَتْ فِيهِ الْعَلَائِقُ، وَغَلَبَتِ الْمَادِّيَّةُ، وَجَفَّتْ كَثِيرٌ مِنَ الْقُلُوبِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْإِيمَانِ: رَحْمَةَ الْعَبْدِ بِالْخَلْقِ، فَالْقَلْبُ الرَّحِيمُ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
فَيَا لَهَا مِنْ بُشْرَى عَظِيمَةٍ! رَحْمَةٌ مِنَ الْعَبْدِ لِلْخَلْقِ، تُوجِبُ لَهُ رَحْمَةَ الْخَالِقِ!
1- التَّرَاحُمُ بَيْنَ أَهْلِ الْبَيْتِ:
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،
إِنَّ أَوَّلَ مَيْدَانٍ يَظْهَرُ فِيهِ التَّرَاحُمُ: الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ، فَالزَّوْجُ يَرْحَمُ زَوْجَتَهُ، وَالزَّوْجَةُ تُرَاعِي زَوْجَهَا، وَالْوَالِدَانِ يَحْنُوانِ عَلَى أَوْلَادِهِمَا، وَالْأَبْنَاءُ يَبَرُّونَ آبَاءَهُمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ! لَمْ يَقُلْ: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ أَمْوَالًا وَلَا مَصَالِحَ، بَلْ قَالَ: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْحَمَ النَّاسِ بِأَهْلِهِ، فَكَانَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيُدَاعِبُ الصِّبْيَانَ، وَيُحْسِنُ إِلَى نِسَائِهِ.
وَلَمَّا رَأَى الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ قَالَ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَالَ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَأَيْنَ الرَّحْمَةُ فِي بُيُوتٍ ارْتَفَعَ فِيهَا الصُّرَاخُ؟! وَأَيْنَ الرَّحْمَةُ فِي قُلُوبٍ قَسَتْ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالزَّوْجَاتِ وَالضُّعَفَاءِ؟!
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الرُّجُولَةَ فِي الْغِلْظَةِ، وَأَنَّ الْقُوَّةَ فِي الْقَسْوَةِ، وَاللَّهِ مَا هَذَا مِنْ خُلُقِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ.
الرَّجُلُ الْحَقُّ مَنْ كَانَ رَحِيمًا بِأَهْلِهِ، مُتَوَاضِعًا لِأَوْلَادِهِ، لَيِّنًا فِي مُعَامَلَتِهِ.
فَيَا مَنْ ضَيَّقْتَ عَلَى زَوْجَتِكَ، اتَّقِ اللَّهَ.
وَيَا مَنْ قَسَوْتَ عَلَى أَوْلَادِكَ، اتَّقِ اللَّهَ.
وَيَا مَنْ رَفَعْتَ صَوْتَكَ عَلَى أُمِّكَ وَأَبِيكَ، اتَّقِ اللَّهَ.
فَإِنَّ الرَّحْمَةَ فِي الْبَيْتِ سَبَبُ السَّعَادَةِ وَالْبَرَكَةِ.
2- التَّرَاحُمُ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ:
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ التَّرَاحُمِ: الرِّفْقَ بِالْفُقَرَاءِ، وَمُوَاسَاةَ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِطْعَامَ الْجَائِعِينَ، وَكَفَالَةَ الْأَيَامَى وَالْمَسَاكِينِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
اللَّهُ أَكْبَرُ! خُطُوَاتٌ تَمْشِيهَا لِقَضَاءِ حَاجَةِ فَقِيرٍ، تُكْتَبُ لَكَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
مَا أَجْمَلَ أَنْ يَمْسَحَ الْمُسْلِمُ دَمْعَةَ يَتِيمٍ، أَوْ يُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى قَلْبِ أَرْمَلَةٍ، أَوْ يُطْعِمَ جَائِعًا يَبِيتُ وَهُوَ يَتَلَوَّى مِنَ الْأَلَمِ!
إِنَّ فِي الْمُجْتَمَعِ قُلُوبًا مُنْكَسِرَةً، وَنُفُوسًا مُثْقَلَةً، وَبُيُوتًا لَا يَعْلَمُ بِحَالِهَا إِلَّا اللَّهُ.
فَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا.
رُبَّ لُقْمَةٍ أَدْخَلَتْ صَاحِبَهَا الْجَنَّةَ.
وَرُبَّ دِرْهَمٍ صَغِيرٍ سَبَقَ جِبَالًا مِنَ الْأَعْمَالِ.
وَإِيَّاكُمْ وَقَسْوَةَ الْقُلُوبِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا قَسَا بَعُدَ عَنِ اللَّهِ.
3- التَّرَاحُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ:
عِبَادَ اللَّهِ،
إِنَّ الْإِسْلَامَ أَرَادَ لِلْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ جَسَدًا وَاحِدًا، يَشْعُرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَأَيْنَ هٰذَا التَّرَاحُمُ الْيَوْمَ؟!
أَيْنَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِ إِخْوَانِهِ؟!
أَيْنَ مَنْ يَزُورُ الْمَرِيضَ؟!
أَيْنَ مَنْ يُوَاسِي الْمَكْرُوبَ؟!
أَيْنَ مَنْ يَقْضِي حَاجَةَ أَخِيهِ؟!
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ أَخَاهُ إِلَّا إِذَا احْتَاجَ مِنْهُ مَصْلَحَةً.
وَبَعْضَهُمْ لَا يَرَى النَّاسَ إِلَّا بِعَيْنِ الْمَنْفَعَةِ.
أَيْنَ الْقُلُوبُ الرَّحِيمَةُ؟!
أَيْنَ الْأَرْوَاحُ الْمُشْفِقَةُ؟!
إِنَّ الْمُسْلِمَ الصَّادِقَ يَفْرَحُ لِفَرَحِ أَخِيهِ، وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِ، وَيَدْعُو لَهُ فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَمَنْ أَرَادَ كَمَالَ الْإِيمَانِ، فَلْيَمْلَأْ قَلْبَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ.
4- الرَّحْمَةُ بِالضُّعَفَاءِ وَالْخَدَمِ وَالْعُمَّالِ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ مِنْ عَظَمَةِ هٰذَا الدِّينِ أَنَّهُ أَمَرَ بِالرَّحْمَةِ حَتَّى مَعَ الضُّعَفَاءِ وَالْخَدَمِ وَالْعُمَّالِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَتَكَبَّرُ عَلَى خَادِمٍ، وَلَا يُهِينُ ضَعِيفًا.
وَقَالَ ﷺ: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الضُّعَفَاءِ.
اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْعُمَّالِ.
اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْخَدَمِ.
لَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ.
وَلَا تَظْلِمُوهُمْ فِي الْأُجُورِ.
وَلَا تُهِينُوهُمْ بِالْكَلِمَاتِ الْجَارِحَةِ.
فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ.
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: الرَّحْمَةُ بِالْحَيَوَانِ
عِبَادَ اللَّهِ،
لَمْ تَقْتَصِرْ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِنْسَانِ فَقَطْ، بَلْ شَمِلَتِ الْحَيَوَانَ أَيْضًا.
فَقَدْ أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَقَى كَلْبًا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَخْبَرَنَا أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا.
فَإِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِالْحَيَوَانِ تُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَكَيْفَ بِالرَّحْمَةِ بِالْإِنْسَانِ؟!
إِنَّهُ دِينٌ عَظِيمٌ، دِينٌ يَغْرِسُ الرِّقَّةَ فِي الْقُلُوبِ، وَيُنَفِّرُ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ.
وَقْفَاتٌ إِيمَانِيَّةٌ مَعَ خُلُقِ التَّرَاحُمِ:
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
إِنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ يَرْجُو بِهَا الْعَبْدُ وَجْهَ اللَّهِ.
الرَّحِيمُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ.
وَالْقَاسِي يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ.
وَمَا نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبٍ إِلَّا كَانَ ذٰلِكَ مِنْ شَقَاوَتِهِ.
فَفَتِّشُوا عَنْ قُلُوبِكُمْ.
هَلْ تَبْكُونَ لِبُكَاءِ الْيَتَامَى؟
هَلْ تَرِقُّ قُلُوبُكُمْ لِلْمَسَاكِينِ؟
هَلْ تَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَكُمْ؟
هَلْ تُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ؟
إِنَّ الرَّحْمَةَ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ.
اللَّهُمَّ لَيِّنْ قُلُوبَنَا.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ نُفُوسَنَا مِنَ الْقَسْوَةِ وَالْغِلْظَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هٰذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنَ الْأَرْضِ أَقْوَاتَ الْعِبَادِ، وَفَجَّرَ الْأَنْهَارَ، وَأَنْزَلَ الْأَمْطَارَ، وَبَارَكَ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الزَّكَاةَ طُهْرَةً لِلْأَمْوَالِ، وَسَبَبًا لِلْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَدَّى الْأَمَانَةَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،
اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ التَّرَاحُمِ وَالْإِحْسَانِ: إِخْرَاجَ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَدَاءَ حَقِّ اللَّهِ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
فَسَمَّاهُ اللَّهُ حَقًّا، لَيْسَ تَفَضُّلًا وَلَا مِنَّةً، بَلْ هُوَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،
إِنَّ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ».
فَالزَّرْعُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنَ الْمَطَرِ وَالْأَنْهَارِ وَمِيَاهِ السَّمَاءِ فِيهِ الْعُشْرُ؛ أَيْ عَشَرَةٌ فِي الْمِائَةِ.
وَأَمَّا مَا يُسْقَى بِالْآلَاتِ وَالْمَاكِينَاتِ وَالتَّكْلِفَةِ وَالْمَشَقَّةِ، فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ؛ أَيْ خَمْسَةٌ فِي الْمِائَةِ.
عِبَادَ اللَّهِ،
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ مِمَّا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ النَّمَاءُ وَالِاسْتِغْلَالُ، مِنَ الْحُبُوبِ وَالْخُضْرَوَاتِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ حَقِّ اللَّهِ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْخَلَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ.
فَيَا مَنْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي زَرْعِهِ، وَبَارَكَ لَهُ فِي حَصَادِهِ، لَا تَنْسَ حَقَّ اللَّهِ، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، بَلْ بِطَاعَةِ ذِي الْجَلَالِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ مِنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ: الْأَقَارِبُ الْفُقَرَاءُ.
فَابْدَأْ بِأَخِيكَ الْمُحْتَاجِ، وَأُخْتِكَ الْمُعْسِرَةِ، وَعَمِّكَ الْفَقِيرِ، وَخَالِكَ الْمِسْكِينِ.
فَإِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ».
فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ حَصَادُكَ رَحْمَةً لِأَهْلِ بَيْتِكَ، وَبَرَكَةً عَلَى أَقَارِبِكَ، وَسَبَبًا فِي إِغْنَاءِ الْمُحْتَاجِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ،
إِيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ بِالزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِمَحْقِ الْبَرَكَةِ وَنُزُولِ الْعُقُوبَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾.
وروى ابن ماجه بإسناد حسنه الألباني...» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا».
اللَّهُ أَكْبَرُ!
الذُّنُوبُ تَحْجِبُ الْأَمْطَارَ.
وَالْبُخْلُ يُذْهِبُ الْبَرَكَاتِ.
وَمَنْعُ الزَّكَاةِ سَبَبٌ لِلْقَحْطِ وَالضِّيقِ.
فَكَمْ مِنْ زَارِعٍ حُرِمَ بَرَكَةَ زَرْعِهِ لَمَّا بَخِلَ بِحَقِّ رَبِّهِ.
وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي زَرْعِهِ وَوَلَدِهِ وَعُمْرِهِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،
إِنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ نَقْصًا لِلْمَالِ، بَلْ هِيَ زِيَادَةٌ وَبَرَكَةٌ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَمَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ.
وَمَنْ جَادَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، جَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ.
فَيَا أَهْلَ الزُّرُوعِ وَالْحُصُولَاتِ،
يَا مَنْ امْتَلَأَتْ مَخَازِنُكُمْ، وَتَعِبْتُمْ فِي أَرْضِكُمْ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي حَقِّ الْفُقَرَاءِ.
لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، بَلِ انْظُرُوا إِلَى مَا يُدَّخَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ.
فَرُبَّ حَبَّةٍ أَخْرَجْتَهَا فِي الدُّنْيَا، وَجَدْتَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبَالًا مِنَ الْحَسَنَاتِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُؤَدِّينَ لِلزَّكَاةِ، الْقَائِمِينَ بِحُقُوقِكَ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا وَزُرُوعِنَا وَأَمْوَالِنَا.
اللَّهُمَّ أَغْنِ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِينَ، وَارْحَمِ الضُّعَفَاءَ وَالْمَسَاكِينَ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
.png)