موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

فضل العشر الأول من ذي الحجة | خطبة الجمعة مكتوبة

 إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً،(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ أَيَّامَ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، أَيَّامٌ مُبَارَكَاتٌ، خَصَّهَا اللهُ جَلَّ وَعَلَا بِخَصَائِصَ وَمَيَّزَهَا بِمِيزَاتٍ، إِنَّهَا أَيَّامٌ فَاضِلَةٌ، وَأَزْمِنَةٌ شَرِيفَةٌ، وَمَوْسِمٌ مِنْ مَوَاسِمِ الخَيْرِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.

وَعَلَى المُؤْمِنِ - عِبَادَ اللهِ - أَنْ يَقِفَ مَعَ خَصَائِصِ هَذِهِ الأَيَّامِ، لِيُقْبِلَ بِقَلْبِهِ وَنَفْسِهِ وَجَوَارِحِهِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَاغْتِنَامِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ المُبَارَكَةِ بِالقُرُبَاتِ.

مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ:

فَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأَيَّامِ: أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا اخْتَارَهَا وَاصْطَفَاهَا وَجَعَلَهَا أَفْضَلَ أَيَّامِ السَّنَةِ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الأَيَّامَ الأُوَلَ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ خَيْرَ الأَيَّامِ وَأَفْضَلَهَا.

وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأَيَّامِ وَفَضَائِلِهَا: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَقْسَمَ بِهَا تَشْرِيفًا لَهَا وَتَعْلِيَةً مِنْ شَأْنِهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ) [الفجر:1-3]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: المُرَادُ بِالعَشْرِ فِي الآيَةِ: العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ.

وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأَيَّامِ: أَنَّهَا خَيْرُ أَيَّامٍ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَمَا تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ مُتَقَرِّبٌ بِعِبَادَةٍ أَفْضَلَ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الشَّرِيفَةِ الفَاضِلَةِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأَبُو دَاوُدَ واللَّفْظُ لَهُ].

وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ العَشْرِ - عِبَادَ اللهِ -: أَنَّهَا أَيَّامٌ تَجْتَمِعُ فِيهَا أُمَّهَاتُ الطَّاعَاتِ مَا لَا تَجْتَمِعُ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ؛ فَفِي هَذِهِ العَشْرِ: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالحَجُّ وَالذَّبْحُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الطَّاعَاتِ الجَلِيلَةِ وَالعِبَادَاتِ العَظِيمَةِ، وَلَا يَتَأَتَّى اجْتِمَاعُ هَذِهِ الطَّاعَاتِ إِلَّا فِي هَذَا الوَقْتِ الشَّرِيفِ الفَاضِلِ.

وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَيْضاً: أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَهَا مَوْسِمًا لِحَجِّ بَيْتِهِ الحَرَامِ، وَجَعَلَ فِيهَا أَيَّامَهُ العِظَامَ؛ فَفِي هَذِهِ العَشْرِ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ اليَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ، وَفِيهِ يَصْعَدُ الحُجَّاجُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى، مُلَبِّينَ بِالحَجِّ، وَفِيهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ رُكْنُ الحَجِّ الأَكْبَرُ، وَفِيهَا يَوْمُ النَّحْرِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ كَمَا صَحَّ بِذَلِكَ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ قَالَ: «أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ رضي الله عنه وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:

هَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الخَصَائِصِ وَالفَضَائِلِ لِهَذَا المَوْسِمِ العَظِيمِ الفَاضِلِ، فَمَاذَا قَدَّمْنَا نَحْنُ المُؤْمِنِينَ؟ 

مَاذَا عَسَانَا أَنْ نُقَدِّمَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ؟ 

أَحَالُنَا مَعَ هَذِهِ الأَيَّامِ مُمَاثِلَةٌ لِحَالِنَا مَعَ أَيَّامِ السَّنَةِ؟

 أَأَدْرَكْنَا -عِبَادَ اللهِ- قِيمَةَ هَذِهِ الأَيَّامِ وَفَضْلَهَا وَمَكَانَتَهَا؟

 أَمْ أَنَّهَا وَبَقِيَّةَ أَيَّامِ السَّنَةِ سَوَاءٌ؟ هَلْ تَحَرَّكَتْ قُلُوبُنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ تَوْبَةً وَإِنَابَةً إِلَى اللهِ وَإِقْبَالًا عَلَى طَاعَتِهِ أَمْ هِيَ سَاكِنَةٌ؟.

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ تُجَّارِ الدُّنْيَا أَنْ لَا يُفَوِّتُوا المَوَاسِمَ العَظِيمَةَ، بَلْ يَسْتَعِدُّونَ لَهَا أَتَمَّ اسْتِعْدَادٍ بِجَلْبِ البَضَائِعِ وَإِحْضَارِ السِّلَعِ، وَبَذْلِ الأَوْقَاتِ وَبَذْلِ الجُهُودِ العَظِيمَةِ، وَهَذَا مَوْسِمٌ رَابِحٌ لِتِجَارَةِ الآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ، وَحُسْنِ الإِقْبَالِ عَلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا، فَمَا هِيَ حَالُنَا مَعَ هَذِهِ الأَيَّامِ؟.

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ:

وَيُشْرَعُ فِي أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ: التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ، وَهُوَ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ إِلَى آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) [الحج:28]، وَهِيَ أَيَّامُ العَشْرِ، وقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)[البقرة:203]، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ نُـبَيْشَةَ الهُذَلِيِّ ].

وَذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ أَيَّامَ العَشْرِ فَيُـكَبِّـرَانِ وَيُكَبِّـرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ فَيَكُونُ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ - لِغَيْرِ الحَاجِّ - إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ الإِجْمَاعُ كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

وَلِلتَّكْبِيرِ - عِبَادَ اللهِ - جُمْلَةٌ مِنَ الصِّيَغِ مِنْهَا: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ» وَهَذِهِ الصِّفَةُ ثَابِتَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، وَوَرَدَ أَيْضًا بِتَثْنِيَةِ التَّكْبِيرِ فِي البِدَايَةِ. وَمِنْهَا: مَا صَحَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الحَمْدُ» [رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ]، وَمِنْهَا: مَا ثَبَتَ عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ رضي الله عنه: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيراً» [رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحَّحَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ].

يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: «الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ بِانْتِهَازِ الفُرْصَةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ، فَمَا مِنْهَا عِوَضٌ وَلَا لَهَا قِيمَةٌ [تُمَاثِلُهَا]، المُبَادِرَةَ المُبَادِرَةَ بِالعَمَلِ، وَالعَجَلَ العَجَلَ قَبْلَ هُجُومِ الأَجَلِ، قَبْلَ أَنْ يَنْدَمَ المُفَرِّطُ عَلَى مَا فَعَلَ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ فَيَعْمَلَ صَالِحًا فَلَا يُجَابَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَبْلَ أَنْ يَحُولَ المَوْتُ بَيْنَ المُؤَمِّلِ وَبُلُوغِ الأَمَلِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ المَرْءُ مُرْتَهَناً فِي حُفْرَتِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ» انْتَهَى كَلَامُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

 اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الطَّائِعِينَ، وَجَنِّبْنَا دُرُوبَ الهَالِكِينَ. 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَلِيَّ العَظِيمَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

.....................

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَوَفَّقَنَا لِذِكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي أُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلِيقَتِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحَابَتِهِ، الَّذِينَ عَاشُوا عَلَى سُنَّتِهِ، وَمَاتُوا عَلَى مِلَّتِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا رَزَقَكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ كَمَا أَمَرَكُمْ؛ يَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ كَمَا وَعَدَكُمْ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ:

إِنَّ مِمَّا يُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِ فِي هَذِهِ العَشْرِ المُبَارَكَاتِ: الصَّدَقَاتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَبَذْلَ الإِحْسَانِ وَصِلَةَ الأَرْحَامِ وَالْبِرَّ بِأَبْوَابِهِ الوَاسِعَةِ، وَمَجَالَاتِهِ الشَّاسِعَةِ. وَمِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يُشْرَعُ لِلمُسْلِمِ العِنَايَةُ بِهَا فِي هَذِهِ العَشْرِ المُبَارَكَةِ أَيْضًا: أَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا بِالصِّيَامِ وَخُصُوصًا صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الحَاجِّ؛ فَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ، لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا مَحْرُومٌ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».

عِبَادَ اللهِ:

وَمِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَتَأَكَّدُ مَعْرِفَتُهَا فِي مُسْتَهَلِّ هَذِهِ الأَيَّامِ: مَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلْمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» [رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ].

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ إِذَا دَخَلَتِ العَشْرُ أَلَّا يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظَافِرِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ، وَهَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ، أَمَّا أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ وَمَنْ يُضَحِّي عَنْهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُهُمْ ذَلِكُمُ الحُكْمُ مَا لَمْ يُضَحُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مُوَكَّلًا بِذَبْحِ الأُضْحِيَةِ وَلَيْسَ هُوَ صَاحِبَهَا فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُهُ النَّهْيُ، وَيَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ مَا لَمْ يُضَحِّ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيُخْطِئُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ إِمْسَاكَ المُضَحِّي إِحْرَامٌ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ الطِّيبُ وَالجِمَاعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ عَلَى المُحْرِمِ، وَمَنْ أَخَذَ مِنَ المُضَحِّينَ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أُضْحِيَتَهُ؛ فَإِنَّ أُضْحِيَتَهُ مُجْزِئَةٌ، وَلَكِنْ يَفُوتُهُ أَجْرُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُوَفِّقَنَا جَمِيعاً لِاغْتِنَامِ الأَوْقَاتِ بِالطَّاعَاتِ، وَأَنْ تَحْمِيَنَا مِنْ فِعْلِ الْـمُنْكَرِ وَالسَّيِّئَاتِ، اللَّهُمَّ اهْدِنَا صِرَاطَكَ الْـمُسْتَقِيمَ، وَجَنِّبْنَا صِرَاطَ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْـمُسْلِمَاتِ، الْـمُوَحِّدِينَ وَالْـمُوَحِّدَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ؛ إِنَّكَ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ

فضل العشر الأول من ذي الحجة | خطبة الجمعة مكتوبة

عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي