موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ | خطبة عيد الأضحى المبارك مكتوبة


الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً وَتَدْبِيراً، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ لَمْ يَزَلْ عَلِيّاً كَبِيراً، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْسَلَهُ رَبُّهُ مُبَشِّراً وَنَذِيراً، وَدَاعِياً بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.


أَمَّا بَعْدُ:


فَأُوصِيَكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ جَلَّ وَعَلاَ، فَلاَ قِيمَةَ لِلإِنْسَانِ تُذْكَرُ، وَلاَ سَعْيَ لَهُ يُشْكَرُ، دُونَ أَنْ يَلْتَحِفَ بِلِبَاسِ التَّقْوَى وَيَتَدَثَّرَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [الأعراف:26].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ:


اشْكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ وَآلاَئِهِ الْجَسِيمَةِ، حَيْثُ تَنْعَمُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ بِحُلُولِ عِيدِ الأَضْحَى، فَيَا لَهَا مِنْ لَحَظَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ، وَالأُمَّةُ تَسْتَشْعِرُ أَجْوَاءَ الرُّوحَانِيَّةِ، فَيَوْمُكُمْ هَذَا غُرَّةٌ فِي جَبِينِ الزَّمَانِ، وَابْتِسَامَةٌ فِي ثَغْرِ هَذَا الأَوَانِ، يَوْمٌ تُثْمِرُ فِيهِ أَغْصَانُ الْمَحَبَّةِ وَالإِحْسَانِ، وَتَتَحَاتُّ فِيهِ أَوْرَاقُ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، بِتَصَافُحِ الأَيْدِي وَتَآلُفِ الْقُلُوبِ، وَتَجْتَمِعُ الْخَلاَئِقُ تَدْعُو عَلاَّمَ الْغُيُوبِ، وَتَسْأَلُهُ رَفْعَ الدَّرَجَاتِ وَمَحْوَ السَّيِّئَاتِ، وَتَنَزُّلَ الْخَيْرَاتِ وَحُلُولَ الْبَرَكَاتِ، وَنَجَاحَ الطَّلَبَاتِ وَالرَّغَبَاتِ.


أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ:


كَانُ الأَمْسُ يَوْمَ الْمُبَاهَاةِ، يَدْنُو رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ عِبَادِهِ فِي عَرَفَةَ، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ  قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]، قَدِ اجْتَمَعَ الْعِبَادُ فِيهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، وَسَأَلُوا اللهَ بِكُلِّ لُغَةٍ وَصَوْتٍ، لِبَاسُهُمْ وَاحِدٌ، وَشِعَارُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَلْوَانُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، وَلُغَاتُهُمْ مُتَعَدِّدَةٌ؛ لَكِنَّ الْقُلُوبَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَمُعَظِّمَةٌ لِشَعَائِرِهِ جَلَّ وَعَلاَ.


أَكُفٌّ إِلَى اللهِ مُرْتَفِعَةٌ، وَنُفُوسٌ عَلَى بَابِهِ مُنْطَرِحَةٌ، وَأَلْسُنٌ بِالدُّعَاءِ لاَهِجَةٌ، وَوُجُوهٌ لَهُ خَاضِعَةٌ، وَعُيُونٌ دَامِعَةٌ، وَقُلُوبٌ خَاشِعَةٌ، فَسُبْحَانَ مَنْ أَحْصَى عَدَدَهَا! وَسُبْحَانَ مَنْ عَلِمَ لُغَاتِهَا! وَسُبْحَانَ مَنْ مَيَّزَ أَلْفَاظَهَا! وَسُبْحَانَ مَنْ قَضَى حَوَائِجَهَا! لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ صَوْتٌ، وَلاَ تُعْجِزُهُ حَاجَةٌ! فَهَنِيئاً لأَهْلِ الإِيمَانِ فِي مَوْسِمِهِمْ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


عِبَادَ اللهِ:


الْيَوْمُ يَوْمُ عِيدِ النَّحْرِ، أَكْبَرُ الْعِيدَيْنِ وَأَفْضَلُهُمَا، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا فِي الْمَشَاعِرِ أَمْ فِي سَائِرِ الأَمْصَارِ، فِي التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالنُّسُكِ، وَهُوَ إِرَاقَةُ دِمَاءِ الْقَرَابِينِ، فَأَهْلُ الْمَوْسِمِ يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ، وَيَتَحَلَّلُونَ مِنْ إِحْرَامِهِمْ، وَيَقْضُونَ تَفَثَهُمْ، وَيُوفُونَ نُذُورَهُمْ، وَيُقَرِّبُونَ قَرَابِينَهُمْ مِنَ الْهَدَايَا، ثُمَّ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَأَهْلُ الأَمْصَارِ يَصُومُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَتَكْبِيرِهِ وَالصَّلاَةِ لَهُ، ثُمَّ يَنْسِكُونَ وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ بِالضَّحَايَا؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ شُكْراً مِنْهُمْ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ.


فَصَلاَةُ الْعِيدِ، وَالنَّحْرُ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ الَّتِي فِي عِيدِ الْفِطْرِ؛ وَلِهَذَا أُمِرَ النَّبِيُّ  أَنْ يَجْعَلَ شُكْرَهُ لِرَبِّهِ عَلَى إِعْطَائِهِ الْكَوْثَرَ أَنْ يُصَلِّيَ لِرَبِّهِ وَيَنْحَرَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:1-2]، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:  قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162]، وَقَدِ امْتَثَلَ النَّبِيُّ  أَمْرَ رَبِّهِ  جَلَّ جَلاَلُهُ، وَسُنَّةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَكَانَتْ سُنَّةً جَارِيَةً، وَشِرْعَةً سَارِيَةً، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ  قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ  بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ».


وَلْيَحْذَرْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ الْعُيُوبَ الَّتِي تَمْنَعُ الإِجْزَاءَ؛ فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «أَرْبَعٌ لاَ تُجْزِئُ فِي الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لاَ تُنْقِي» [أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ]، وَلاَ يُجْزِئُ مِنَ الإِبِلِ إِلاَّ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ، وَلاَ مِنَ الْبَقَرِ إِلاَّ مَا لَهُ سَنَتَانِ، وَلاَ مِنَ الْمَعْزِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ، وَلاَ مِنَ الضَّأْنِ إِلاَّ مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى، وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عَلَى جَانِبِهَا الأَيْسَرِ مُوَجَّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِهَا: بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَلَكَ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُوَزِّعَهَا أَثْلاَثاً: فَيَأْكُلَ ثُلُثاً، وَيُهْدِيَ ثُلُثاً، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ.


وَوَقْتُ الذَّبْحِ يَبْدَأُ مِنَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلاَةِ الْعِيدِ وَيَمْتدُّ إِلَى غُرُوبِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ هِيَ ثَلاَثَةُ الأَيَّامِ الَّتِي تَلِي يَوْمَ الْعِيدِ، وَمِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَسَّرَ لَهُمْ فِي الأَضَاحِي، فَتُجْزِئُ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ عَنِ الرَّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.


فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَلاَ تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ ثَوَابَ اللهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ، فَقَدْ أَعْطَاكُمُ الْكَثِيرَ وَأَمَرَكُمْ بِالْقَلِيلِ، ضَحُّوا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، فَفَضْلُ اللهِ وَاسِعٌ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


إِخْوَةَ الإِيمَانِ:


نَحْنُ أُمَّةٌ شَرَّفَهَا اللهُ بِهَذَا الدِّينِ، فَلاَ نَرْضَى بِغَيْرِهِ بَدِيلاً؛ إِذْ أَنَّهُ لاَ دِينَ غَيْرُ الإِسْلاَمِ الْحَقِّ جَامِعاً لِلْقُلُوبِ، وَمُوَحِّداً لِلدُّرُوبِ، وَمُنْقِذاً مِنَ الْفِتَنِ وَالْخُطُوبِ، إِنَّ هَذَا الدِّينَ مِنَ السُّمُوِّ وَالشُّمُولِ وَالْكَمَالِ بِحَيْثُ تَتَضَاءَلُ أَمَامَهُ النَّعْرَاتُ الطَّائِفِيَّةُ، وَالدَّعَوَاتُ الْعُنْصُرِيَّةُ، وَالشِّعَارَاتُ الْقَبَلِيَّةُ، وَالاِنْتِمَاءَاتُ الْحِزْبِيَّةُ، الَّتِي عَانَتْ مِنْهَا الأُمَّةُ مَا عَانَتْ حَتَّى طَوَّحَتْ بِهَا فِي سَرَادِيبِ الْغِوَايَةِ، وَمُسْتَنْقَعَاتِ الضَّلاَلَةِ. لَقَدْ جَرَّبَتِ الأُمَّةُ طَوِيلاً مَنَاهِجَ، وَمَذَاهِبَ، وَمَسَالِكَ، وَمَشَارِبَ؛ فَلَمْ تَجِدْ فِيهَا جَمْعَ الْكَلِمَةِ، وَلاَ تَوْحِيدَ الصُّفُوفِ، وَلاَ اسْتِعَادَةَ الأَمْجَادِ، وَلاَ النَّصْرَ عَلَى الأَعْدَاءِ، بَلْ كَانَتْ طَرِيقاً إِلَى التَّمَزُّقِ وَالدَّمَارِ، وَالشَّقَاءِ وَالْبَوَارِ.


لاَ بُدَّ أَنْ تَسْتَيَقِنَ الأُمَّةُ جَمِيعاً أَنَّهُ لاَ طَرِيقَ إِلاَّ دِينُ اللهِ، وَلاَ شَرْعَ إِلاَّ شَرْعُ اللهِ، وَلاَ نَهْجَ إِلاَّ نَهْجُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ، وَدِينُ اللهِ مَحْفُوظٌ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ  وَفَهْمِ الأَثْبَاتِ الأُمَنَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ:


إِنَّ تَقْلِيبَ صَفَحَاتِ وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ يُعْطِي صُورَةً مَأْسَاوِيَّةً لِمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَقْطَارِ، فَقَلَّمَا تَسْلَمُ بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جُرْحٍ نَازِفٍ، لَكِنَّ ظَنَّنَا بِاللهِ حَسَنٌ وَجَمِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا تَمْحِيصاً، وَابْتِلاَءً، وَرِفْعَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:140-142]، وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ].


بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْعِيدِ، وَثَبَّتَنِي وَإِيَّاكُمْ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ الرَّشِيدِ، وَأَلْحَقَنَا جَمِيعاً بِكُلِّ بَرٍّ سَعِيدٍ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.


الْخطبة الثّانية


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا  بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى جَزِيلِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ عَظِيمُ الأَسْمَاءِ وَجَلِيلُ الصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُ الْبَرِيَّاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَأَصْحَابِهِ الثِّقَاتِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ.


أَمَّا بَعْدُ:


فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:


اشْكُرُوا اللهَ رَبَّكُمْ فِي يَوْمِ عِيدِكُمْ، وَبَرَّوا وَالِدِيكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَحْسِنُوا إِلَى جِيرَانِكُمْ، وَاعْطِفُوا عَلَى صِغَارِكُمْ، وَأَدْخِلُوا السُّرُورَ عَلَى أَهْلِكُمْ فِي حُدُودِ الأَدَبِ وَالْمُبَاحِ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، فَالْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ مُجْتَمَعٌ مُتَرَاحِمٌ مُتَعَاوِنٌ، تَنَاصَحُوا بِالْمَعْرُوفِ وَالْحِكْمَةِ، وَتَدَثَّرُوا بِدِثَارِ اللِّينِ وَالرَّحْمَةِ، فِي بُعْدٍ عَنِ الْقَسْوَةِ وَالشِّدَّةِ، لِينُوا لإِخْوَانِكُمْ، وَاعْرِفُوا قَدْرَ كُبَرَائِكُمْ، وَلاَ يَنْزَغَنَّ الشَّيْطَانُ بَيْنَكُمْ، فَعَنْ جَابِرٍ  قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ:


اتَّقِي اللهَ تَعَالَى فِي نَفْسِكِ، وَفِي حِجَابِكِ وَعَفَافِكِ، وَلاَ تَكُونِي فِتْنَةً لِغَيْرِكِ؛ فَإِنَّ الأُنُوثَةَ وَالْجَمَالَ نِعْمَةٌ وَفِتْنَةٌ، فَإِنْ أَخْفَتْهُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ عَنْ زَوْجِهَا وَمَحَارِمِهَا كَانَ نِعْمَةً عَلَيْهَا، وَإِنْ أَبْدَتْهُ لِغَيْرِهِمْ كَانَ نِقْمَةً عَلَيْهَا، وَمَنْ تَقْدِرُ مِنْكُنَّ عَلَى حَمْلِ آثَامِ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَهِيَ لاَ تَعْرِفُهُمْ حِينَ تُبْدِي شَيْئاً مِنْ مَفَاتِنِهَا لَهُمْ؟!!.


كُونِي -أَيَّتُهَا الْكَرِيمَةُ- كَمَا كَانَتْ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ، وَكَمَا كَانَتْ خِيَارُ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ: طُهْراً وَعَفَافاً وَاسْتِقَامَةً عَلَى الدِّينِ، وَطَلَباً لِمَرْضَاةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34].


اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.


أَعَادَ اللهُ هَذَا الْعِيدَ عَلَى الأُمَّةِ جَمْعَاءَ بِالْيُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ وَالأَمَانِ، وَتَقَبَّلَ اللهُ تَعَالَى مِنَّا وَمِنْكُمْ وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ صَالِحَ الأَعْمَالِ.


اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ حَجَّ الحَاجِّينَ وسَعْيَ السَّاعِينَ، اللَّهُمَّ وَآتِهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، اللَّهُمَّ طَهِّرْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَأَرْجِعْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ. 


اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا اليَوْمِ مِمَّنْ غُفِرَ ذَنْبُهُ، وَسُتِرَ عَيْبُهُ، وَحَسُنَ سَعْيُهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمينَ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي