الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِلإِسْلاَمِ، وَشَرَعَ لَنَا مَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ عَلَى الدَّوَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَبَيَّنَ لَنَا الْحَلاَلَ وَالْحَرَامَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ _ إِخْوَتِي فِي اللهِ _ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالرُّجُوعِ لِلْمَوْلَى فِي كُلِّ حِينٍ، وَخَاصَّةً وَقْتَ الْفِتَنِ، فَالْمُتَمَسِّكُ بِالتَّقْوَى عِنْدَ نُزُولِ الْمُدْلَهِمَّاتِ كَرَاكِبِ قَارِبِ نَجَاةٍ، فَهُوَ أَقْوَى حَالاً، وَأَحْسَنُ مَآلاً ، وَاللهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الأنفال : 29 ] .
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّهُ قَدْ أَشْرَقَ عَلَيْنَا صَبَاحُ يَوْمٍ أَزْهَرَ، هُوَ يَوْمُ الْعِيدِ الأَكْبَرِ، فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ عِيدٌ يَتَكَرَّرُ، يُذْكَرُ اللهُ تَعَالَى فِيهِ، وَيُحْمَدُ وَيُشْكَرُ، وَالأَضَاحِي فِيهِ تُذْبَحُ وَتُنْحَرُ، هَذِهِ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ، فَاعْمَلُوا بِهَا، وَالْتَزِمُوا أَوَامِرَهُ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِيدَ مَوْسِمٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَتَرْكِ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ، وَالاِلْتِجَاءِ إِلَى ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَشُكْرِهِ عَلَى نِعَمِهِ، وَسُؤَالِهِ الزِّيَادَةَ وَالتَّمَامَ. فَطُوبَى لِعَبْدٍ اغْتَنَمَ مَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، الَّتِي تُقَرِّبُهُ إِلَى رَبِّهِ وَتَرْفَعُ دَرَجَتَهُ فِي الْجَنَّاتِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَهُوَ عِيدُ الأَضْحَى وَالنَّحْرِ، يَقْضِي الْحُجَّاجُ فِيهِ كَثِيراً مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ: يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ، وَيَنْحَرُونَ الْهَدْيَ، وَيَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَوْنَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ، وَيَذْبَحُ النَّاسُ فِيهِ ضَحَايَاهُمْ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهِيَ سُنَّةُ الْخَلِيلَيْنِ : إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا.
إِخْوَةَ الْعَقِيدَةِ:
إِنَّ مِنَ النَّصَائِحِ الْغَالِيَةِ الرَّشِيدَةِ، وَالْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ السَّدِيدَةِ، مَا جَاءَ فِي خُطْبَتِهِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، ذَلِكَ الْيَوْمُ الْمُبَارَكُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [ المائدة : 3 ]. فَمَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ النَّصَائِحِ أَفْلَحَ وَنَجَحَ، وَكَانَتِ السَّعَادَةُ حَلِيفَهُ.
أَلاَ وَإِنَّ مِنْ نَصَائِحِهِ قَوْلَهُ: «أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِر ]، فَالإِسْلاَمُ وَالْجَاهِلِيَّةُ نَقِيضَانِ لاَ يَجْتَمِعَانِ، وَذَلِكَ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ المائدة : 50 ]، وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [ الأحزاب : 33 ].فَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْجَاهِلِيَّةِ،وَالسَّعْيِ خَلْفَ سَرَابِهَا الْمَوْهُومِ، فَأَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ خَطِيرٌ وَلاَ يُضَعِّفُ الإِسْلاَمَ فِي قُلُوبِ أَهْلِهِ أَكْثَرُ مِنِ انْتِشَارِ الْجَاهِلِيَّةِ،وَضَيَاعِ الإِسْلاَمِ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ...فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْمَلُوا بِشَرِيعَةِ اللهِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ؛ خَاصَّةً فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْمُغْرِيَاتُ، وَقَلَّتْ فِيهِ الرَّادِعَاتُ، وَفِي ذَلِكَ رِفْعَتُهُمْ وَعُلُوُّ شَأْنِهِمْ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَنْ تَقُومَ لَهُمْ قَائِمَةٌ . وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ سِيَادَةَ الْعَقْلِ ، وَبُلُوغَ النَّاسِ فِي التَّقَدُّمِ الْعِلْمِيِّ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِتَنْحِيَةِ الإِيمَانِ بِاللهِ ، وَفَصْلِهِ عَنْ وَاقِعِ الْحَيَاةِ : فَقَدْ ظَنَّ شَطَطًا، وَخَلَطَ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ خَلْطًا؛ فَالإِسْلاَمُ قَدْ وَفَّقَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي التَّعَامُلِ؛ قَالَ تَعَالَى: وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [ القصص : 77 ].
عِبَادَ اللهِ:
وَإِنَّ مِنْ وَصَايَاهُ الْعَظِيمَةِ ، بَيَانَ عَظِيمِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ، وَالأَمْوَالِ الْمَعْصُومَةِ، فَلاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يُصِيبَ دَمًا حَرَامًا،وَلاَ أَنْ يَسْتَبِيحَ مَالاً مَعْصُومًا، وَإِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ أَنْ يُصِيبَ دَمًا حَرَامًا، وَحَرِيٌّ بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الأَوَامِرِ وَيَجْتَنِبُوا تِيكَ النَّوَاهِيَ فِي زَمَنٍ لاَ يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟. وَإِنَّ مِنْ عَظِيمِ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةِ الْوَصِيَّةَ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، وَالتَّذْكِيرَ بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَمِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ السَّعِيدَةِ أَنْ يَعْرِفَ الزَّوْجَانِ حُقُوقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآخَرِ، فَمَنْ أَدَّى الْحُقُوقَ أَرْضَى الرَّحْمَنَ ، وَسَدَّ السَّبِيلَ عَلَى الشَّيْطَانِ ، وَسَعِدَ الزَّوْجَانِ، وَمَا أَحْسَنَ ، وَمَا أَعْذَبَ تِلْكَ الأَلْفَاظَ النَّبَوِيَّةَ !: «فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ » [ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ]. فَفِيهَا التَّذْكِيرُ بِالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ، وَإِذَا حَفِظَتِ الْمَرْأَةُ فَرْجَهَا، وَصَلَّتْ خَمْسَهَا, وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، دَخَلَتْ جَنَّةَ رَبِّهَا. وَمِنَ الْوَصَايَا النَّبَوِيَّةِ؛ التَّحْذِيرُ مِنْ مُوهِنِ الدِّينِ وَمُضْعِفِهِ، وَمُهْلِكِ الاقْتِصَادِ وَمُنْهِكِهِ، وَقَاطِعِ أَوَاصِرِ الأُخُوَّةِ وَمُدَمِّرِهَا:أَلاَ وَهُوَ الرِّبَا، ذَلِكَ الْجُرْمُ الْخَطِيرُ، الَّذِي يَكْفِيهِ قُبْحًا أَنْ يَقُولَ اللهُ لأَصْحَابِهِ الْمُرَابِينَ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ البقرة:279 ].
إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
لاَ يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَصُومَ يَوْمَ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَلَوْ كَانَ نَاذِرًا؛ فَعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: «هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ نُسُكَكُمْ» يَعْنِي: (عِيدَ الأَضْحَى ) [ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ]. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَاجُّ الَّذِي لَـمْ يَجِدِ الْهَدْيَ أَوْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ ؛فَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالاَ: « لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ اَلتَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ اَلْهَدْيَ » [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ].
أَقُولُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْكَرِيمَ التَّوَّابَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ الْغَفَّارُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ وَاقْتَفَى.
أَمَّا بَعْدُ :
فِإنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ قَدْ أَمَرَ بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ جَمِيعاً، قَرِيبِهِمْ وَبَعِيدِهِمْ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»[رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ].
وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ، وَتَرْكِ الظُّلْمِ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [الأنعام : 152]. ، وَنَهَى عَنِ الْعُدْوَانِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بَالْبَاطِلِ، وَأَمَرَ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْبَشَرِ، ذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ، صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلاَّ بِالتَّقْوَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
يقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر:1-3 ].
إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِيهِ يَتَقَرَّبُ الْمُسْلِمُونَ لِرَبِّهِمْ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وَالأَضَاحِي، مُمْتَثِلِينَ أَمْرَ رَبِّهِمْ ،وَمُتَّبِعِينَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ؛ فَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ أَضْحًى إِلَى الْبَقِيعِ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَاعْلَمُوا أَنَّ الأُضْحِيَةَ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ إِحْيَاءِ السُّنَّةِ، وَرَجَاءِ الثَّوَابِ وَالْمِنَّةِ ، وَمَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِرَاقَةِ دَمٍ، وَهَذِهِ الأَضَاحِي سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَنَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ،وَإِنَّمَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ تَطْهِيرَ قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ، مِنْ مَحَبَّةِ مَا سِوَاهُ، فَلَمَّا بَاشَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ الاخْتِبَارَ، وَتَحَقَّقَتِ الْغَايَةُ مِنَ الرُّؤْيَا، جَاءَتْهُ الْبُشْرَى الرَّبَّانِيَّةُ، لِتُنْهِيَ هَذَا الامْتِحَانَ الْعَظِيمَ؛ فَفَدَى اللهُ تَعَالَى إِسْمَاعِيلَ بِذِبْحٍ عَظِيمِ الْقَدْرِ. وَمَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ النَّحْرِ فِي عِيدِ الأَضْحَى،وَلِتَعْرِفَ الأُمَّةُ مَنْزِلَةَ أَبِيهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. وَإِنَّهَا لَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، يُكْرَهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا أَنْ يَتْرُكَهَا, بَلْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: « مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ].
فَضَحُّوا - أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ - عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَعَنْ أَهْلِيكُمْ ، مَتَقَرِّبِينَ بِذَلِكَ إِلَى رَبِّكُمْ ، مَتَّبِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ حَيْثُ ضَحَّى عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. وَإِذَا كَانَ أَحَدٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالأُضْحِيَةِ عَنْ وَالِدَيْهِ فَلاَ يَحْرِمْ نَفْسَهُ وَذُرِّيَّتَهَ وَأَهْلَهُ مِنْهَا، وَفَضْلُ اللهِ وَاسِعٌ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يُشْرِكَ الْمُضَحِّي فِي الأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَنْ شَاءَ مِنَ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. أَمَّا الْوَصِيَّةُ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهَا عَلَى نَصِّ الْمُوصِي سَوَاءٌ أُضْحِيَةً كَانَتْ أَمْ غَيْرَهَا، وَلاَ تُجْزِئُ الأَضَاحِي إِلاَّ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ: الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَتُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَالإِبِلُ وَالْبَقَرُ عَنْ سَبْعَةٍ .
أَلاَ وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ، الَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَتَقَبَّلِ اللهُ مِنَّا صَالِحَ الأَعْمَالِ ، اللَّهُمَّ أَنتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ الْغَنِيُّ، وَنحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ حَجَّ الحَاجِّينَ وسَعْيَ السَّاعِينَ، اللَّهُمَّ وَآتِهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، اللَّهُمَّ طَهِّرْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَأَرْجِعْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا اليَوْمِ مِمَّنْ غُفِرَ ذَنْبُهُ، وَسُتِرَ عَيْبُهُ، وَحَسُنَ سَعْيُهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمينَ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.