الضفدع في الماء المغلي!
أيقونة حكائية في أدبيات التنمية البشرية والخطاب التحفيزي..
ذلك الضفدع المسكين الذي يقفز فزعا لينجو بحياته إذا وضع بماء يغلي بينما حين وضعوه في ماء بارد وسخنوه ببطء؛ استسلم للدفء وتأقلم حتى مات مسلوقاً دون أن يقفز أو يحاول النجاة..
القصة تُساق دائماً للتحذير من "الاعتياد" ومخاطر منطقة الراحة..
لكن الحقيقة التي لن يخبرك بها الكثيرون أن هذه القصة علمياً "وهمية"، بل ومغلوطة تماماً!
الضفدع الحقيقي ليس بهذا الغباء.
صحيح أنه من ذوات الدم البارد الذين لديهم قدرة على التكيف مع المتغيرات المحيطة، لكنه لا يخون غريزته، ولا يكذب على جهازه العصبي.
بمجرد أن تصل الحرارة لحد الخطر، لن يسترخي، ولن يبرر لنفسه قائلاً: "الدفء لطيف، لنتريث قليلاً".. بل سيقفز فوراً لينجو.
الضفدع -ببساطة- أذكى من أن يتأقلم مع هلاكه.
والحقيقة أن "الإنسان" هو الكائن الوحيد الذي يفعل ما نُسب زوراً للضفدع!
نحن من نملك قدرة مرعبة على التكيف مع الجحيم طالما جاءنا بالتدريج.
أغلب الناس للأسف لن يقفزوا..
سيتعلّم أغلبهم كيف يتعايش.
وسيُقنع نفسه أن ما كان يرفضه أمس
صار “واقعًا”… وأن ما كان يوجعه
صار “محتملًا”…وأن ما كان يوقظه
صار “طبيعيًا”.
سوف يُدرّب نفسه على العيش في ما يهلكه..
علم النفس يسميها ظاهرة "التعود" (Habituation)..
حين يتوقف الدماغ عن إطلاق إنذار الخطر، لا لأن الخطر زال، بل لأنه صار "مألوفاً".
الإنسان لا يسقط في قاع البئر فجأة؛ لو حدث ذلك لصرخت فطرته.
هو يسقط بأسلوب "التسخين البطيء"..
نظرة عابرة لا تخيف.. ثم كلمة لينة.. ثم تهاون في صغائر.. ثم اعتياد للذنب.. في صغائر.. ثم اعتياد للذنب.. ثم تبرير له..وربما استحلال واجتراء!
وهنا تتجلى دقة التحذير القرآني:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
تأمل.. "خطوات"
لا "قفزات".
الشيطان هنا أقرب لخبير نفسي عتيق، وهو أمكر من أن يلقيك في "ماء الخطيئة المغلي" فجأة، لأن فطرتك ستنتفض وتقفز.
يدرك أن "الصدمة" توقظ الضمير، فيلجأ للتخدير الموضعي عبر التدرج.
يستدرجك للمنكر سنتيمتراً بعد سنتيمتر، حتى تجد نفسك في قلب الماء المغلي، وقد شُلّت إرادتك عن القفز، ليس لأنك لا تستطيع، بل لأنك قد "ألِفت" الحرارة.
وأخطر ما قد يصيبك ليس المعصية نفسها، ولكن إلفها!
أن تتصالح مع الغفلة، وتتعايش مع التقصير، وتقنع نفسك كما يردد من حولك: الماء دافئ والجميع يسبح...
لا تصدقهم..
هم لا يسبحون، هم يُطبخون ببطء!
والمصيبة ليست في أن الماء يغلي، بل في أن جهازك العصبي توقف عن الصراخ.
إن أخطر مراحل المرض هي تلك التي يختفي فيها الألم فجأة، لا لأنك شُفيت، بل لأن الأعصاب قد ماتت!
تحسس حرارة قلبك الآن..
فإذا وجدت أن وخز الضمير قد اختفى، وأن قشعريرة المعصية قد صارت دفئاً تستلذه.. فاعلم أنك في المرحلة الأخيرة من الغليان وأن هذا الدفء اللذيذ الذي تشعر به ليس "سلاماً نفسياً"..
هو "تخدير ما قبل الذبح".
لا تنتظر أكثر، فحينها لن تملك طاقة تكفي للقفز، بل ستكون مجرد "لحم" نضج وصار جاهزا لمائدة الشيطان.
غادر الإناء فوراً..فقد مضى وقت التأقلم وحان وقت القفز من الإناء..
و النجاة.
#رسائل
الدكتور محمد علي يوسف
