سلامة الصدر
العُنْصُرُ الأَوَّلُ: مَعْنَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَمَكَانَتُهَا فِي الْإِسْلَامِ
الحمدُ للهِ الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَيُقَلِّبُ القُلُوبَ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيُزَكِّي مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَأَخْلَصَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ لِلْجَوَارِحِ، وَطَهَارَةَ الْبَاطِنِ لِلْقُلُوبِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ؛ كَانَ أَسْلَمَ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَعْظَمَهُمْ عَفْوًا، وَأَنْقَاهُمْ قَلْبًا.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يُؤْتِيهَا اللَّهُ الْعَبْدَ: أَنْ يَنْزِعَ مِنْ قَلْبِهِ الْغِلَّ، وَيُطَهِّرَهُ مِنَ الْحَسَدِ، وَيُخْرِجَ مِنْهُ الْحِقْدَ وَالضَّغِينَةَ، فَيُصْبِحُ يَعِيشُ وَقَلْبُهُ نَقِيٌّ، وَصَدْرُهُ سَلِيمٌ، وَنَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةٌ.
وَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَدْخُلُونَ فِي خُصُومَاتٍ لَا لِسَبَبٍ إِلَّا أَنَّ الصُّدُورَ امْتَلَأَتْ، وَمَا أَكْثَرَ بُيُوتًا تَفَرَّقَتْ، وَإِخْوَةً تَقَاطَعُوا، وَشُرَكَاءَ تَنَازَعُوا، وَجِيرَانًا تَدَابَرُوا؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ لَمْ تُنَقَّ مِنْ أَدْرَانِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
سَلَامَةُ الصَّدْرِ لَيْسَتْ ضَعْفًا، وَلَا غَفْلَةً، وَلَا تَرْكًا لِلْحَقِّ؛ بَلْ هِيَ قُوَّةٌ إِيمَانِيَّةٌ يَمْلِكُ بِهَا الْعَبْدُ نَفْسَهُ، فَلَا يَحْمِلُهُ غَضَبٌ عَلَى ظُلْمٍ، وَلَا يَدْفَعُهُ حَسَدٌ إِلَى اعْتِرَاضٍ عَلَى قِسْمَةِ اللَّهِ، وَلَا يبِيتُ وَفِي قَلْبِهِ شَرٌّ لِمُسْلِمٍ.
إِنَّهَا قَلْبٌ يُحِبُّ لِلنَّاسِ الْخَيْرَ، وَيَفْرَحُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَيَسامح مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، وَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ النَّجَاةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨–٨٩].
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ.
وَقَالَ تَعَالَى وَاصِفًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ؛ لَمْ يَقُولُوا: أَعْطِنَا أَمْوَالًا، وَلَا زِدْنَا جَاهًا، بَلْ سَأَلُوا أَنْ تُطَهَّرَ قُلُوبُهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا صَلَحَ صَلَحَتِ الْحَيَاةُ كُلُّهَا.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩).
فَمَا أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى مُرَاجَعَةِ قُلُوبِنَا قَبْلَ أَلْسِنَتِنَا، وَتَطْهِيرِ سَرَائِرِنَا قَبْلَ تَجْمِيلِ ظَوَاهِرِنَا، وَأَنْ يَسْأَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَفْسَهُ: هَلْ أَبِيتُ وَفِي قَلْبِي غِلٌّ؟ هَلْ أَتَأَلَّمُ لِنِعْمَةِ غَيْرِي؟ هَلْ أَفْرَحُ بِخَطَإِ أَخِي؟ هَلْ أُخْفِي ضَغِينَةً لِمُسْلِمٍ؟
فَإِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ بَدَايَةُ إِصْلَاحِ الْفَرْدِ، وَإِذَا صَلُحَتِ الْقُلُوبُ رَقِيَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ.
العُنْصُرُ الثَّانِي: فَضْلُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَعِظَمُ مَنْزِلَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِذَا كَانَتِ الْأَعْمَالُ تَرْتَفِعُ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ هِيَ مَحَلُّ النَّظَرِ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ فِي الظَّاهِرِ بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ وَالصُّوَرِ، فَإِنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَ اللَّهِ أَدَقُّ وَأَعْلَى.
قَدْ يَقُومُ رَجُلَانِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، وَيَصُومَانِ يَوْمًا وَاحِدًا، وَيَقْرَآنِ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْرًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَلْبُهُ نَقِيٌّ، وَذَاكَ قَلْبُهُ مُمْتَلِئٌ بِالْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَسُوءِ الظَّنِّ.
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ خُلُقًا ثَانَوِيًّا، بَلْ هِيَ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَرِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ:
«كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ».
قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟
قَالَ:
«هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ».
رواه ابن ماجه (٤٢١٦)، وصححه الألباني.
فَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ:
لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: أَكْثَرُهُمْ صِيَامًا، وَلَا أَطْوَلُهُمْ قِيَامًا، وَلَا أَكْثَرُهُمْ مَالًا، وَلَا أَعْظَمُهُمْ مَنْصِبًا؛ بَلْ جَعَلَ فَضْلَ الْعَبْدِ فِي نَقَاءِ دَاخِلِهِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا رَوَاهُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ:
«يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَتَعَجَّبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَتَتَبَّعَ عَمَلَهُ، فَلَمْ يَرَهُ كَثِيرَ صِيَامٍ وَلَا قِيَامٍ.
فَلَمَّا سَأَلَهُ قَالَ:
«غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ».
رواه أحمد (١٢٦٩٧)، وصححه شعيب الأرناؤوط.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو:
«هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ».
أَيْ: هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الَّتِي رَفَعَتْكَ.
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ:
لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ أَنْ يُؤْذِيَكَ النَّاسُ؛ فَهَذِهِ سُنَّةُ الْحَيَاةِ، وَلَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنْ يَسْكُنَ الْأَذَى فِي قَلْبِكَ سِنِينَ.
لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةُ أَنْ يُخْطِئَ فِيكَ أَحَدٌ؛ وَلَكِنَّ الْمُصِيبَةَ أَنْ تَحْمِلَهُ مَعَكَ فِي صَدْرِكَ كُلَّ يَوْمٍ.
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ أَتْعَبَهُ الْحِقْدُ أَكْثَرَ مِمَّا أَتْعَبَهُ خَصْمُهُ.
وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا لَا لِقِلَّةِ مَالٍ، وَلَا لِكَثْرَةِ بَلَاءٍ، وَلَكِنْ لِأَنَّ قَلْبَهُ امْتَلَأَ بِمَا لَا يَنْفَعُ.
فَاسْأَلُوا اللَّهَ قُلُوبًا سَلِيمَةً؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ عَطَايَا اللَّهِ لِعِبَادِهِ.
العُنْصُرُ الثَّالِثُ: كَيْفَ نَصِلُ إِلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ؟
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُقَالُ، وَلَا أُمْنِيَّةً تُتَمَنَّى، وَلَا خُلُقًا يُكْتَسَبُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ بَلْ هِيَ مُجَاهَدَةٌ وَتَرْبِيَةٌ وَتَزْكِيَةٌ، وَمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَعَانَهُ اللَّهُ وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُفْسِدُ الْقُلُوبَ: أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ يُحَاسِبُ النَّاسَ وَلَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، وَيُفَتِّشُ فِي عُيُوبِهِمْ وَلَا يُفَتِّشُ فِي عَيْبِ قَلْبِهِ.
فَإِلَيْكُمْ طَرِيقَ الْوُصُول إلى سلامة الصدر :
أَوَّلًا: كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ
فَالْقُلُوبُ بِيَدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَمْلِكُ تَطْهِيرَهَا إِلَّا هُوَ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
فَكَانَ مِنْ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ تَنْقِيَةَ الصُّدُورِ قَبْلَ سَعَةِ الرِّزْقِ.
وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ:
«اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا».
رواه مسلم (٢٧٢٢).
ثَانِيًا: تَذَكُّرُ أَنَّ الْأَرْزَاقَ وَالْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ
كَثِيرٌ مِنَ الْحَسَدِ يَنْشَأُ مِنِ اعْتِرَاضِ النَّفْسِ عَلَى قِسْمَةِ اللَّهِ.
فَيَرَى نِعْمَةَ أَخِيهِ فَيَضِيقُ، وَيَرَى رِفْعَتَهُ فَيَحْزَنُ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِ الْحَالِ: لِمَاذَا أُعْطِيَ هُوَ وَلَمْ أُعْطَ أَنَا؟
وَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُقَسِّمُ.
قَالَ تَعَالَى:
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢].
فَمَنْ رَضِيَ بِقِسْمَةِ اللَّهِ هَدَأَ قَلْبُهُ وَاسْتَرَاحَ.
ثَالِثًا: الْعَفْوُ وَالتَّغَافُلُ وَتَرْكُ الِانْتِقَامِ لِلنَّفْسِ
فَإِنَّ أَثْقَلَ مَا يُتْعِبُ الْقَلْبَ: أَنْ يَعِيشَ يُحْصِي أَخْطَاءَ النَّاسِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢].
وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: يَا رَبِّ عَفَوْتُ عَنْ عِبَادِكَ فَاعْفُ عَنِّي.
رَابِعًا: الدُّعَاءُ لِمَنْ فِي الْقَلْبِ عَلَيْهِ شَيْءٌ
إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ ضِيقًا مِنْ أَحَدٍ فَلَا تَدْعُ عَلَيْهِ، بَلِ ادْعُ لَهُ.
قُلْ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْهُ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ.
فَإِنَّ النَّفْسَ لَا تَجْتَمِعُ فِيهَا كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَصِدْقُ الْحِقْدِ.
خَامِسًا: تَذَكُّرُ سُرْعَةِ زَوَالِ الدُّنْيَا
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
مَا الَّذِي يَحْمِلُنَا عَلَى أَنْ نَلْقَى اللَّهَ وَفِي قُلُوبِنَا خُصُومَاتٌ قَدِيمَةٌ؟
إِلَى مَتَى نَحْمِلُ أَوْزَارَ الْأَحْقَادِ؟
إِلَى مَتَى نُؤَخِّرُ الْعَفْوَ؟
غَدًا تُطْوَى الصَّحَائِفُ، وَتُوضَعُ الْجَنَائِزُ، وَيُهَالُ التُّرَابُ، وَيَبْقَى الْقَلْبُ بِمَا فِيهِ.
فَطُوبَى لِمَنْ لَقِيَ اللَّهَ وَقَلْبُهُ سَلِيمٌ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَرْتَاحُ بِالْعَفْوِ لَيْسَ الْمَعْفُوَّ عَنْهُ، بَلِ الْعَافِي نَفْسُهُ.
فَاجْتَهِدُوا فِي تَنْقِيَةِ صُدُورِكُمْ؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ النَّقِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَبْنِي الْأُسَرَ، وَتُصْلِحُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَتَصْنَعُ الْأُمَمَ.
العُنْصُرُ الرَّابِعُ: أَثَرُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ فِي رُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ وَبِنَاءِ الْأُمَمِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَأْتِ لِيُصْلِحَ الْفَرْدَ وَحْدَهُ، بَلْ جَاءَ لِيُقِيمَ مُجْتَمَعًا مُتَرَاحِمًا، وَأُمَّةً مُتَآخِيَةً، وَحَيَاةً يَسُودُهَا الْأَمْنُ وَالْمَوَدَّةُ.
وَمَا مِنْ مُجْتَمَعٍ ارْتَفَعَ إِلَّا وَرَاءَهُ قُلُوبٌ سَلِيمَةٌ، وَلَا مِنْ مُجْتَمَعٍ تَفَكَّكَ إِلَّا وَرَاءَهُ صُدُورٌ امْتَلَأَتْ بِالْأَحْقَادِ وَالْحَسَدِ وَالتَّنَافُسِ الْمَذْمُومِ.
إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لَيْسَتْ عِبَادَةً فَرْدِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَشْرُوعُ إِصْلَاحٍ مُجْتَمَعِيٍّ كَبِيرٍ.
أَوَّلًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ تُورِثُ الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ
فَالْقُلُوبُ إِذَا صَفَتْ اجْتَمَعَتْ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ قَوِيَتْ، وَإِذَا قَوِيَتْ نَهَضَتْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا».
متفق عليه: البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩).
فَإِذَا غَابَ الْحَسَدُ حَلَّتِ الْمَحَبَّةُ، وَإِذَا زَالَ الْغِلُّ قَوِيَتِ الرَّوَابِطُ.
ثَانِيًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ تُحَقِّقُ الِاسْتِقْرَارَ الْأُسَرِيَّ
كَمْ مِنْ بَيْتٍ هَدَمَهُ الْحِقْدُ!
وَكَمْ مِنْ أَخَوَيْنِ تَقَاطَعَا عَلَى مِيرَاثٍ!
وَكَمْ مِنْ زَوْجَيْنِ فَشِلَتْ حَيَاتُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْفَظُ أَخْطَاءَ الْآخَرِ وَلَا يَعْرِفُ الْعَفْوَ.
إِنَّ الْبُيُوتَ لَا تَسْتَمِرُّ بِالْعَدْلِ فَقَطْ، بَلْ بِالتَّجَاوُزِ وَالْإِحْسَانِ وَسَعَةِ الصَّدْرِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ثَالِثًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ تُنْهِضُ الْعَمَلَ وَالْإِنْتَاجَ
فِي الْبِيئَاتِ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا الْحَسَدُ تَقِلُّ الْبَرَكَةُ، وَتُهْدَرُ الطَّاقَاتُ فِي الصِّرَاعَاتِ.
أَمَّا إِذَا فَرِحَ كُلُّ وَاحِدٍ بِنَجَاحِ أَخِيهِ، وَأَعَانَهُ عَلَى الْخَيْرِ؛ ارْتَفَعَ الْإِنْتَاجُ وَتَقَدَّمَ الْمُجْتَمَعُ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
متفق عليه:
الخطبة الثانية
رَابِعًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ فِي حِفْظِ وَحْدَةِ الْأُمَّةِ
إِنَّ الْأُمَمَ لَا تُهْزَمُ أَوَّلًا بِقِلَّةِ الْعَدَدِ، وَلَكِنْ تُهْزَمُ حِينَ تَتَفَرَّقُ قُلُوبُهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْمُجْتَمَعَ لَا يَرْتَقِي بِالْمَبَانِي وَحْدَهَا، وَلَا بِالْأَرْقَامِ وَالْمَشْرُوعَاتِ فَقَطْ؛ بَلْ يَرْتَقِي حِينَ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَرَى نِعْمَةَ أَخِيهِ فَيَدْعُو لَهُ، وَأَنْ يَقْدِرَ عَلَى الِانْتِقَامِ فَيَعْفُو، وَأَنْ يُسَاءَ إِلَيْهِ فَلَا يُسِيءَ.
فَإِذَا صَلُحَتِ الصُّدُورُ صَلُحَتِ الْبُيُوتُ، وَإِذَا صَلُحَتِ الْبُيُوتُ صَلُحَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَإِذَا صَلُحَتِ الْمُجْتَمَعَاتُ قَوِيَتِ الْأُمَّةُ وَارْتَقَتْ.
الدُّعَاءُ
اللَّهُمَّ إِنَّا وَقَفْنَا بِبَابِكَ، وَأَلْقَيْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى أَعْتَابِك، وَمَا لَنَا رَبٌّ سِوَاكَ، وَلَا مَلْجَأَ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ.
اللَّهُمَّ انْزِعْ مِنْ صُدُورِنَا الْغِلَّ وَالْحَسَدَ وَالْحِقْدَ وَالضَّغِينَةَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَبِيتُونَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ شَرٌّ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حُزْنٌ فَفَرِّجْ هَمَّهُ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ كَسْرٌ فَاجْبُرْهُ، وَمَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَوَسِّعْ عَلَيْهِ مِنْ رَحْمَتِكَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا.
اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا دَيْنًا إِلَّا قَضَيْتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيْتَهُ، وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عَافَيْتَهُ، وَلَا مَيِّتًا إِلَّا رَحِمْتَهُ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاخْتِمْ لَنَا بِخَيْرٍ، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجْعَلِ الْجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَ حِفْظًا يُلِيقُ بِجَلَالِكَ، وَاجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً سَخَاءً رَخَاءً، وَادْفَعْ عَنْهَا الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ فِي أَهْلِهَا وَجُنُودِهَا وَأَرْزَاقِهَا وَأَمْنِهَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ جَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَارْفَعْ عَنْهُمُ الْفِتَنَ وَالْبَلَاءَ وَالْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ.
اللَّهُمَّ انْصُرِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ عِبَادِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاكْشِفِ الْكُرْبَ عَنِ الْمَكْرُوبِينَ، وَارْحَمِ الْمَوْتَى، وَاشْفِ الْمَرْضَى، وَارْدُدِ الْغَائِبِينَ، وَأَصْلِحِ الشَّبَابَ وَالذُّرِّيَّاتِ.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّد
.png)