خطبة الجمعة بعنوان
هل أنت مؤمن باليوم الآخر؟
لتحميل الخطبة بصيغة بي دي إف اضغط هنا خطبة الجمعة
الحَمدُ للهِ الأعَزِّ الأكْرَم أحمدُهُ سبحانَهُ وأشكرُه على جَزِيلِ ما وَهَبَ، وعَظِيمِ ما أنعَم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، صَنَعَ فأَتْقَن، وشَرَعَ فأَحْكَم، وأشهَدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُ اللهِ ورَسولُه، هَدَى بإذنِ ربِّه للتي هِيَ أَقْوَم، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلَى آلهِ وصَحْبِهِ والتابِعينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسَانٍ وسَلَّم.. أمَّا بعد: فأُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى الله عزوجل، اتَّقُوا اللهَ رَحِمَكُمُ الله، فهِيَ خَيرُ زَادٍ في الدُّنيا والآخِرة، وبها النَّجَاةُ يومَ القِيامَة (يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ* إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
أما بعد،
فيا أيُّها المُسلِمون:
هل أنت مؤمن باليوم الآخر؟
هذا هو عنوان خطبتي اليوم، فأعيروني القلوب والاسماع، واسأل الله عزوجل على غرتها أن يجعلها بيضاء نقية، وأن يجعلها صنعة من حب لمن طب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
قَضِيَّةٌ كُبْرَى، أكَّدَها اللهُ تعَالى في كِتَابِه، وضَرَبَ لها الأمثَالَ والآيات، وأَمَرَ سُبحَانَهُ نَبِيَّهُ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهَا في ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِه، قالَ تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، وقالَ سُبحَانَه: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ)، وقالَ عَزَّ اسْمُه: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)..
الإيمَانُ باليَومِ الآخِر؛ رُكْنٌ مِنْ أَركَانِ الإيمان، وفي حَدِيثِ جِبريلَ المَشْهُور عليه السلام: (قال: فأَخْبِرْني عَنِ الإيمَان، قال: الإيمَانُ أنْ تُؤْمِنَ باللهِ ومَلَائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِه، واليَومِ الآخِر، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّه، قالَ: صَدَقْتَ) رواهُ مسلم.
جاءَ أُبَيّ بنُ خَلَف أو العَاصُ بنُ وَائلٍ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفي يَدِهِ عَظْمٌ رَمِيم، وهو يُفَتِّتُهُ في الهَوَاء، ويَقُول: يا مُحمَّد، أَتَزْعُمُ أنَّ اللهَ يَبْعَثُ هذَا؟ فقَال: (نعَمْ، يُمِيتُكَ اللهُ، ثم يَبْعَثُكَ، ثم يَحْشُرُكَ إلى النَّار) وأَنْزَلَ الله: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ* أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ* إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
*** علاج القلب:
مِنْ أَنْجَعِ أَدْوِيَةِ القَلْب، وأَعْظَمِ مَوَاعِظِ النَّفْس: تَذَكُّرُ اليَومِ الآخِرِ، وهَوْلِ المَطْلَعِ، وبَعْثَرَةِ القُبُور، ومَشْهَدِ البَعْثِ والنُّشُور، يَوْمٌ تَذُوبُ فيهِ بينَ العَالَمِينَ الفَوَارِق، وتَبِينُ فيهِ الحَقَائِق، يَوْمٌ يُعْرَضُ فيهِ العَبْدُ عَلَى رَبِّهِ ليسَ مَعَهُ أَحَد، يَقِفُ بِكُلِّ ضَعْفِهِ أمَامَ اللهِ عزوجل، حَيثُ لا تَخْفَى عَنْهُ يَوْمَئِذٍ خَافِيَة، والأَسْرَارُ في عِلْمِهِ سُبحَانَهُ ظَاهِرَةٌ عَلَانِيَة.
** آثار الإيمان باليوم الآخر:
عِبَادَ الله:
1- مَنْ آمَنَ باليَومِ الآخِرِ ولِقَاءِ رَبِّه: كَانَتْ أَعْمَالُهُ صَالِحَة، قالَ تعَالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا).
2- ومِنْ آثَارِ الإيمَانِ باليَومِ الآخِر: الإخْلَاصُ للهِ في الأعمَالِ والأقوَال، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
3- ومِنْ آثَارَهِ كَذَلِك: اتِّبَاعُ هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتَّأَسِّي به، والاقْتِدَاءِ بِسُنَّتِه، قالَ تعَالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا).
4- ويَمْتَدُّ أَثَرُ الإيمَانِ باليَومِ الآخِرِ لِيَشْمَلَ عِبَادَاتِ المُسْلِم، وأَعْظَمُهَا: مُنَاجَاةُ اللهِ وإقَامَةِ الصَّلَاة، قالَ تعَالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ).
5- الإيمَانُ باليَومِ الآخِر؛ يُنَقِّي النَّفْسَ مِنَ الشُّح، ويَدْفَعُهَا للبَذْلِ والعَطَاءِ والإنْفَاق، قالَ تعَالى: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
6- المؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِر؛ يَأْلَفُ ويُؤْلَف، يَأْمَنُ جَارُهُ بَوائِقَه، يُكْرِمُ ضَيْفَه، يَصِلُ رَحِمَه، يُوَقِّرُ الكَبِير، ويَرْحَمُ الضَّعِيف، رَوَى البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيرًا أو لِيَصْمُت)، وقالَ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَه) رواه البخاري.
وإذَا تَنَازَعَ المُسْلِمُون، وتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ، وضَعُفَتْ وِحْدَتُهُم، فَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ أَبْرَزُهَا: ضَعْفُ الإيمَانِ باليَومِ الآخِر، قالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).
بارَكَ اللهُ لي ولكُم في القُرآنِ والسُّنة، ونفعنا بما فيهما مِنَ الآياتِ والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية/
الحمدُ للهِ وحدَه، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى مَنْ لا نبيَّ بعده.. أما بعدُ:
فعَقِيدَةُ الإيمَانِ باليَومِ الآخِر؛ تُوْرِثُ الطّمَأْنِينَةَ لِقَلْبٍ أَقْبَلَ عَلَى الله.. ومَا اسْتَحَقَّ المُؤمِنونَ شَرَفَ الوَصْفِ بالإيمَانِ؛ إلَّا لمَّا آمَنُوا باللهِ ولِقَائِه، يُؤمِنُونَ بِيَوْمٍ يَلْقَوْنَ فيهِ ربَّهُمْ، لا يَحْزُنُهُمْ فيهِ الفَزَعُ الأَكْبَر، وتَتَلَقَّاهُمُ الملائكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنْتُمْ تُوْعَدُنَ.
ومِنْ أعظَمِ مَشَاهِدِ اليَومِ الآخِر:
القِصَاصُ والحِسَابُ وأدَاءُ الحُقُوق، وهذَا يَبُثُّ في الحيَاةَ أمَلا، ويَبْعَثُ في المُسْلِمِ تَفَاؤلا؛ بأنَّ المَظْلُومَ سَيُنْصَر، والظَّالِمَ سَيُدْحَر، والفَقِيرَ سَيُعَوَّض، والمُبْتَلَى سَيُكْرَم، وسَيَجِدُ المَحْرُومُ خَزَائِنَ الحَسَنَاتِ لَهُ مُدَّخَرَة، فَهُنَاكَ الجَزَاءُ الأَوْفَى..
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ)، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ* وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
ألَا فاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، وأَعِدُّوا العُدَّةَ لِيَوْمِ العَرْضِ والحِسَاب، وقِرَاءَةِ الكِتَاب، وجَوَازِ الصِّرَاط، وإثْقَالِ المِيزَان؛ فالسَّاعَةُ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا، لا تَأْتِيكُمْ إلَّا بَغْتَة، ولا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا اللهُ جَلَّ جَلَالُه.
اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم؛ اجْعَلْنَا يومَ الفَزَعِ الأكبرِ مِنَ الآمِنين، ولِحَوْضِ نَبِيِّكَ مِنَ الوَارِدِين، وممَّنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ باليَمِين، وارْزُقْنَا الفِردَوسَ الأعلَى مِنَ الجنَّةِ يا أرحمَ الرَّاحمين.
ثم صلُّوا وسَلِّموا رحمكمُ الله؛ على خَيرِ خَلقِ الله، محمَّدِ بن عبدالله، اللهم صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه، وعلى آلِ بيتِهِ الطيبينَ الطاهرين، وعلى أزواجهِ أمهَاتِ المؤمنين، وارضَ اللهُمَّ عنِ الخُلفاءِ الأربعةِ الراشدين، وعنِ الصحابَةِ أجمعين، والتابعينَ ومَنْ تبعهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وارضَ اللهم عنَّا معهم بعفوك وإحسانِك يا أكرمَ الأكرمين.
اللهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصُرْ عبادَك المؤمنين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا، وسائرَ بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاةَ أمورنا.
اللَّهُمَّ أصلح قلوبَنا، واشرح صدورنا، ويسِّر أمورَنا، واقض حاجاتنا، وأصلح نياتنا وذرياتنا، وانصُر جُنُودَنا، يا رب العالمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
سبحان ربّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمد لله رب العالمين.
.png)