إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنّ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.. أما بعدُ أيُّها المسلمون الصائمون:
فوصِيَّةُ اللهِ للأولين والآخِرينَ تقوَاه، (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131]. والتقوَى ثمرةُ الصومِ العُظمى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183].
أيها المسلمون: ها هو الشهرُ الكريمُ تتصَرَّمُ أيامُه، ويَنْحَلُّ عِقدُه ونظامُه، قد آذَنَ بالارتِحال، ولم يبقَ منهُ إلَّا بِضعُ ليال.. وهكذا هي الأيامُ تَفْنَى، والأعمارُ تُطوَى، ولا يبقَى إلا وجهُ ذي العزَّةِ والجَلال. فاغتنِموا -رحمكمُ الله- هذهِ الليالي والأيَّام، وبادِروا بصَالحِ الأعمالِ قبلَ حُلولِ الآجال.
ولقد كانَ نبيُّكم محمدٌ -صلى الله عليه وآله وسلم- يجتهِدُ في العَشْرِ الأخيرةِ من رمضان ما لا يجتهِدُ في غيرها، وإذا دخلَتِ العَشْرُ أيقظَ أهلَه، وأحيَا ليلَه، وجَدَّ وشَدَّ المِئزَر.
عباد الله: وإنَّ مِن لُطْفِ اللهِ عزَّ وجل: أنْ خَصَّ خواتيمَ الشَّهرِ بأعمالٍ جَليلة، وأجورٍ جَزيلة، مِن أهمِّها وأَظْهرِها: ما خَصَّها بهِ مِن عِظَمِ الرَّجاءِ في ليلةِ القدر، فتَحَرِّيها مِنْ أَجَلِّ الأعمالِ في هذهِ الليالي؛ لما عُلِمَ مِن فَضلِها وشَرَفِها، وعظيمِ قَدْرِها ومَنزِلَتِها، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ* سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [القدر: 2- 5].
ولهذا كانَ نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم ثم الصَّالِحونَ مِن بَعْدِه، يَخُصُّونَ هذه الليالي بمزيدٍ من الاجتِهاد، يَرجُونَ أجرَها، ويتحرَّونَ فضلَها، قال عليه الصلاة والسلام: (مَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه).
أيها المسلمون: اسْتَعِيذُوا باللهِ أنْ تَمُرَّ بكم مواسِمُ الخيراتِ وسَاعاتُ النَّفَحاتِ ثم لا تزدادوا هُدى.. وحَذَارِ أنْ يكونَ أحدُنا ممّن طبَعَ اللهُ على قَلبِه وسَمْعِه وجعلَ على بَصَرِه غِشَاوة! فمَن يَهديهِ مِن بَعْدِ الله؟!.
عبادَ الله: لقد بَقِيَ مِن هذا الشَّهرِ أيَّامٌ مُباركاتٌ، وليالٍ فاضلاتٌ، وساعاتٌ غالياتٌ، بَقِيَتْ مِنَحٌ وهِبَات، وأجورٌ وأُعطِيَات، ونحن نتعامَلُ مَعَ رَبٍّ رَحِيمٍ، وإلهٍ كَرِيمٍ.. ولو لم يَبْقَ في هذا الشَّهرِ المُبارَكِ إلاَّ دقيقةٌ واحدةٌ؛ فيا تُرى.. ما الَّذي يَصرِفُنا عنِ اغتنامِها؟!
ويا تُرى.. هل تَعودُ علينا أيامُه أو لا تَعُود؟! ومَن هو المقبولُ منّا ومن هو المردُود؟!.
فأحسِنُوا الخِتامَ، خَتَمَ اللهُ لنا ولكم بالحُسنى، وأَلِحُّوا على اللهِ بالدعاء فإنه يُحبُّ المُلِحِّين.
تضرَّعُوا لله وارجُوه، وتملَّقُوا بين يدَيه سبحانه واستغفِرُوه، اطلُبُوا خيرَي الدنيا والآخرةِ لأنفُسِكم ولأهلِيكم وقرابَتِكم، وللمُسلمين.
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ: (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَستَجِيبُوا لي وَليُؤمِنُوا بي لَعَلَّهُم يَرشُدُونَ) [البقرة:185-186].
أقول ما تسمعون، وأستغفِر اللهَ لي ولَكم ولجميعِ المسلِمين من كلّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرّحيم.
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى واليقين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ أيُّهَا المُسلِمُونَ: إنَّ لكم في خِتَامِ شَهرِكُم عِبَاداتٍ جَلِيلَةً، تَعملُونَ بها شُكرًا لِرَبِّكُم، فتَزدَادُونَ منهُ قُربًا، ويَمنَحُكُم وُدًّا وحُبًّا.
مِن ذلك: زكاةُ الفِطر، وهيَ صَاعٌ مِن قُوتِكُم، على الصَّغيرِ والكبيرِ، والذَّكرِ والأُنثَى، والغنيِّ والفَقِير، شَرَعَهَا اللهُ تعالى تَكمِيلاً للصِّيَام، وشُكرًا لهُ على إكمَالِ العِدَّة، وطُهْرَةً للصَّائمِ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَث، ومُوَاسَاةً للفُقراءِ والمسَاكِين، وإغناءً لهم عن ذُلِّ الحاجَةِ والسُّؤالِ يومَ العِيد..
ووقتُ إخرَاجِها مِن ثُبُوتِ خَبَرِ العِيدِ إلى صلاةِ العِيد، ويجوزُ إخرَاجُهَا قبلَ العِيدِ بِيَومٍ أو يومَين، فَأَخرِجُوها مِن طَيِّبِ قُوتِكُم، وابذُلُوها طَيِّبَةً بها نُفُوسُكُم.
ومِمَّا شُرِعَ لكم في خِتَامِ الشَّهرِ: التَّكبِيرُ ليلةَ العِيدِ إلى صلاةِ العِيد، كما قالَ َتعالى: (وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ) [البقرة:185].
ومِمَّا شُرِعَ لكم في خِتَامِ شَهرِكُم: صَلاةُ العِيدِ، أَمَرَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الرِّجالَ والنِّساء، بل حَتَّى العَوَاتِقُ وذَوَاتُ الخُدُورِ والحُيَّضُ، أُمِرنَ بِشُهُودِهَا لِيَشهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المُسلِمِين.
فَهَنِيئًا لِمَنِ احتَسَبَ صِيَامَهُ وقِيَامَه، وعَمَّرَ بالطَّاعَاتِ لَيَالِيَهُ وأيَّامَه، وتابَ توبةً نَصُوحًا يُكَفِّرُ اللهُ بها ذُنُوبَهُ وآثامَه، ذاكَ -واللهِ!- هُوَ الذي يَحِقُّ لهُ الفَرَحُ بالعِيد، والسُّرُورُ بِلِبْسِ الجَدِيد، فاللهم وَفِّقنا لِمَا وَفَّقتَ إليهِ عِبادَك الصَّالحين، واغفِرْ لنا ولِوَالدِينا ولجميعِ المُسلِمين.
عباد الله: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمَاً) [الأحزاب:56] فَصَلُّوا وسلِّموا على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين.
اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليما كثيراً.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم اصرِف عنهم الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن، اللهم وحِّد كلمتَهم على الحق، واكفهم كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا ممن صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا، اللهم وأعد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة، وأمة الإسلام في عزّ وقوة، يا رب العالمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.