إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوْا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوْا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مسلمون﴾.
أَيُّهَا النَّاسُ: أَحْسِنُوا خِتَامَ شَهْرِكُمْ بِخَيرِ أَعْمَالِكُمْ، وَالْاسْتِمْرَارِ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الاسْتِغْفَارِ؛ فِإِنَّهُ مُرَقِعٌ لِـمَا تَخَرَّقَ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاحْمَدُوا اللهَ وَاشْكُرُوهُ عَلَى رَحْمَتِهِ بِكُمْ وَفَضْلِهِ عَلَيكُمْ؛ إِذْ إِنَّا فِي رَمَضَانَ وَنَحْنُ صَائِمُونَ قَائِمُونَ، قَدْ حُرِمَ هَذِهِ الَّلَذَّةَ العَظِيمَةَ كَثِيرٌ مِنَ الْبَشَرِ مِمَّنْ كَفَرُوا بِاللَّهِ، فَلَمْ يَعْرِفُوا رَمَضَانَ، وَلَمْ يَعِيشُوا لَذَّةَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَالْقُرْآنِ، وَحُرِمُوا فَرْحَةَ الْغُرُوبِ فِي كُلِّ يَومٍ مِنْ رَمَضَانَ، «وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ»، وَقَدْ ذُقْنَا الْفَرْحَةَ الْأُوْلَى، وَنَرْجُو مِنَ اللهِ الثَانِيَةَ.
فَلْنَحْمَدِ الَّذِيِ أَفْرَحَنَا بِينَمَا تَعِسَ غَيْرُنَا، وَلْنَشْكُرْ مَنْ هَدَانَا وَعَلَّمَنَا.
وَفِي رَمَضَانَ وَنَحْنُ نَنْعَمُ بِالْحُرِّيَةِ، وَالرَّوَاحِ وَالْمَجِيءِ، وَالسَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ، ابْتُلِيَ كَثِيرٌ مِنْ إِخْوَانِنِا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِالسَّجْنِ وَالْأَسْرِ وَالْاعْتِقَالِ، فَصَامُوا فُرَادَى، وَأَفْطَرُوا فُرَادَى، بَعِيدًا عَنْ أَهْلِيهِمْ وَأَحْبَابِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ حُبِسُوا فِي دُيُونِهِمْ، فَلْنَشْكُرِ اللهَ حِينَ عَافَانَا مِنَ الْبَلَاءِ، فُصُمْنَا أَحْرَارًا، وُقُمْنَا أَحْرَارًا، وَأَمْضَيْنَا رَمَضَانَ أَحْرَارًا.
وَفِي رَمَضَانَ وَنَحْنُ نَنْعَمُ بِالْأَمْنِ وَالْاسْتِقْرَارِ فِي بُيُوتِنَا، وَالْاجْتِمَاعِ بَأَهْلِنَا وَأَوْلَادِنَا، عَاشَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَاجِئِينَ فِي غَيرِ بُلْدَانِهِمْ، مُشَرَّدِينَ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِمْ، قَضَوْا رَمَضَانَ فِي مُخَيَّمَاتٍ يَلُفُّهَا الْبُؤْسُ وَالْحِرْمَانُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهَا ضَرُورَاتِ الْعَيْشِ الْكَرِيمِ، مَعَ مَا يُعَانُونَهُ مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ وَفَقْدِ الْأَحِبَّةِ.
خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ، وَفَرَجَ لَهُمْ، وَأَعَادَهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَكَبَتَ أَعْدَاءَهُمْ بِقُوَّتِهِ وَعِزَّتِهِ.
وَفِي رَمَضَانَ حِينَ مَتَّعَنَا اللهُ بِأَجْسَادِنَا، وَأَكْمَلَ صِحَّتَنَا، كَانَتِ الْمَشَافِي وَالْمَصَّحَاتِ تَغُصُّ بِبَشَرٍ يَئِنُّونَ مِنْ آلَامِهِمْ، وُيُعَالِجُونَ أَمْرَاضَهُمْ، قَدْ أَلْهَاهُمْ مَا هُمْ فِيهِ عَنِ الْفَرَحِ بِرَمَضَانَ وَمَظَاهِرِهِ، وَحُرِمُوا إِقَامَةَ شَعَائِرِهِ، فَلَمْ يُحِسُّوا بَطَعْمِهِ وَلَذَّتِهِ.
شَفَى اللهُ مَرْضَى الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَأَدَامَ عَلَينَا الصِّحَةَ وَالْعَافِيَةَ.
وَفِي رَمَضَانَ وَفِي لَحَظَاتِ الْغُرُوبِ، وَنَحْنُ كُلَّ يَومٍ نَنْتَظِرُ الْأَذَانَ، وَمَوَائِدُنَا تُبْسَطُ وَتُمْلَأُ مِنْ خَيْرِ اللهِ وَرِزْقِهِ، فَمَا تَدْرِيِ نَفْسٌ مَاذَا تَأْكُلُ وَمَاذَا تَتْرُكُ، فَتَبْتَلُّ الْعُرُوقُ بِالشَّرَابِ الطَّيِّبِ، وَتَمْتَلِئُ الْبُطُونُ بِالطَّعَامِ الطَّيِّبِ، بَيْنَمَا يُفْطِرُ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا أَفْطَرُوا، وَيَأْكُلُونَ وَمَا أَكَلُوا، لَا يَجِدُونَ مَا يُفْطِرُونَ عَلَيهِ إِلَّا بُلْغَةً مِنْ عَيْشٍ تَفْصِلُ الصِّيَامَ عَنِ الْفِطْرِ.
وَفِي بُيُوتِ الْفُقَرَاءِ الْمُتَعَفِّفِينَ أَسْرَارٌ لَا يَكْشِفُونَهَا لِلنَّاسِ، وَفِيهَا هُمُومٌ وَغُمُومٌ لَا يَبُثُّونَها لِغَيرِ اللهِ، فَتَفَقَّدُوهُمْ وَأَعِينُوهُمْ.
فَرَّجَ اللهُ هَمَّهُمْ، وَنَفَّسَ كَرْبَهُمْ، وَأَذْهَبَ غَمَّهُمْ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْابْتِلَاءَاتِ تُوجِبُ عَلَينَا شُكْرَ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ وَعَافِيَتِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَخِتَامِ الشَّهْرِ بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ؛ وَذَلِكَ بِالْاسْتِمْرَارِ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَدَمِ قَطْعِهَا بَعْدَ رَمَضَانَ، وَالْبُعْدِ عَنِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ.
وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ رَبَّكُمْ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الدَّاعِيِ إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لَنَا فِي خِتَامِ شَهْرِنَا هَذَا زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أُرْزٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ طَعَامِ الْآدَمِيِّيِنَ.
طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَالرَّفَثِ وَالْقَوْلِ الْفَاحِشِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ. فَتَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ يَجِدُ مَا يَزِيدُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ، فَيُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ مَؤُنَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَالزَّوْجَةِ وَالوَلَدِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجُوهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ إِنِ اسْتَطَاعُوْا؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِهَا.
وَوَقْتُ وُجُوْبِهَا: مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ.
وَتُخْرَجُ صَبَاحَ يَومِ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاِة وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَومٍ أَوْ يَومَينِ، وَمِقْدَارُهَا: صَاعٌ عَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ، وَالصَّاعُ يُسَاوِي الْيَدَينِ الْمُمْتَلِئَتَينِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَهُوَ مَا يُعَادِلُ ثَلَاثَةَ كِيْلُوَاتٍ تَنْقُصُ قَلِيْلًا.
هَذَا وَصَلَّوْا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ بَعَثَهُ اللَّهُ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، فَقَدْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ قَوْلًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا رَخَاءً سَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِيْنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ يَا غَفُورُ يَا رَحِيمُ، اللَّهُم فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُومِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَفِّسْ كَرْبَهُمْ، وَعَافِ مُبْتَلَاهُمْ، وَاقْضِ الدَّينَ عَنِ الْمَدِيِنِينَ مِنْهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَارْحَمْ مَوتَاهُمْ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ وَقَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ فَازَ بِثَوَابِ لَيلَةِ الْقَدْرِ وَقَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبَّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.