الخُطْبَةُ الأُوْلَى
إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَستَغفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، ونَعَوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وسَيّئَاتِ أعمالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأَشهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَه؛ وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أمَّا بَعْدُ: إنَّه بَابٌ عَظِيمٌ، مَنْ دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِيْن! ومَنْ أُغْلِقَ في وَجْهِهِ، كانَ مِنَ الهالِكِيْن؛ إنَّه بابُ الجَنَّة!
فَتَعالَوا بِنَا نَطْرُقُ هذا البابَ، ونَتَعَرَّف على أَسبَابِ دُخُولِه؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِفَتْحِهِ، والدُّخُولِ إلى دارِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّة!
ومِنْ فَضْلِ اللهِ تعالى: أنْ جَعَلَ الجَنَّةَ أَبوَابًا مُتَعَدِّدَة؛ قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وفُتِحَتْ أَبوَابُهَا﴾؛ قال ﷺ: (في الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبوَابٍ).
ومِنْ عَظَمَةِ الجَنَّةِ وفَخَامَتِهَا: أنَّ أبوابَها عَظِيمَةٌ وَاسِعَة، مَهِيْبَةٌ فَاخِرَة!
قال ﷺ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ: كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وحِمْيَر!). أَيْ: كما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعَاء. والمِصْرَاعَان: هُمَا جَانِبَا الباب.
والمُسَارَعَةُ إلى الخَيرَات؛ وَسِيْلَةٌ إلى أَبوَابِ الجَنَّات! (فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الصَّلاَةِ: دُعِيَ مِنْ بَابِ الصلاَةِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الجِهَادِ: دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الصِيَامِ: دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَيَّانِ، ومَنْ كَانَ مِنْ أَهلِ الصَّدَقَةِ: دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ).
والبَابُ الأَيمَنُ مِن أَبوَابِ الجَنَّة: خَاصٌّ لِـمَنْ يَدخُلُونَها مِنْ غَيرِ حِسَابٍ ولا عِقَاب!؛ فَفِي الحديثِ: (يَا مُحَمَّدُ: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ -مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ- مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبوَابِ الجَنَّةِ).
وأَصحَابُ الهِمَمِ العَالِيَةِ، لا يَرْضَوْنَ إلَّا بالدُّخُولِ مِنْ أبوابِ الجنَّةِ الثمانية!
سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِدِّيقِ رضي الله عنه النَبِيَّ ﷺ: (هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبوَابِ كُلِّهَا؟)، فقال ﷺ: (نَعَمْ، وأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ).
ومَنْ زَاحَمَ اليومَ في الطَّاعَات؛ زَاحَمَ غَدًا على أَبوابِ الجَنَّات! قال عُتْبَةُ بنُ غَزوانَ رضي الله عنه: (مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ: مَسِيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً! ولَيَأْتِيَنَّ عَلَيهَا يَومٌ وهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ!).
وكَلِمَةُ التوحيدِ: هِيَ مِفتَاحُ بَابِ الجَنَّة! قال ﷺ: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وابْنُ أَمَتِهِ، وكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنْهُ، وأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأَنَّ النَّارَ حَقٌّ= أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ). قِيلَ لِوَهْبِ بنِ مُنَبِّه: (أَلَيْسَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟)، قال: (بَلَى، ولَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ). وأَسْنَانُه: هِيَ الأعمال.
وأَبوابُ الجَنَّةِ لا تُفْتَحُ لأَحَدٍ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ النَبِيِّ ﷺ؛ فَلَوْ أَتَى النَّاسُ مِنْ كُلِّ طَرِيق، واسْتَفْتَحُوا مِنْ كُلِّ باب؛ لَـمَا فُتِحَ لَهُمْ؛ حتى يَكُونُوا خَلْفَهُ مِنَ الدَّاخِلِيْن، وعلى مِنْهَاجِهِ مِنَ السَّالِكِين! قال ﷺ: (آتي بابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فأسْتفْتِحُ، فيَقولُ الخازِنُ: مَن أنْتَ؟ فأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فيَقولُ: بكَ أُمِرْتُ لا أفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَك!).
ومَنْ طَهَّرَ بَدَنَهُ بِالوُضُوء، وقَلْبَه بـالتَوحيدِ؛ فُتِحَتْ لَهُ أَبوابُ الجَنَّة! قال ﷺ: (ما مِنكُم مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأُ فيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يقولُ: "أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُ اللهِ ورَسولُهُ"؛ إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّها شاءَ).
ومَنْ طَهَّرَ قَلْبَهُ: مِنَ الحَسَدِ والبَغضَاء، والغِلِّ والشَّحْنَاء؛ فُتِحَتْ لَهُ أَبوَابُ الرَّاحَةِ في الدُّنيا، وأَبوابُ الجَنَّةِ في الآخِرَة! قال ﷺ: (تُفْتَحُ أَبوابُ الجَنَّةِ يَومَ الإثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ؛ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَخِيهِ شَحْناءُ! فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).
والوَالِدَانِ: أَحَدُ أَبوَابِ الجِنَان! قال ﷺ: (الوالِدُ أَوسَطُ أَبوَابِ الجنَّةِ؛ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذلك البابَ أَوِ احفَظْه).
وإِذَا صَلَّتِ المَرأَةُ خَمْسَهَا، وصَامَتْ شَهْرَهَا، وحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: (اُدْخُلِي الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ!).
ومِنْ أَبوابِ الجَنَّةِ: الصَّبْرُ على فَقْدِ الوَلَدِ، وفِلْذَةِ الكَبِد! قال ﷺ -لِرَجُلٍ فَقَدَ وَلَدَه-: (أَمَا يَسُرُّكَ أَلَّا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبوَابِ الجَنَّةِ؛ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟!).
وفي شَهرِ رمضانَ: تُفْتَحُ أَبوابُ الجِنَان؛ لِيَتَسَابَقَ إِلَيْهَا عِبَادُ الرَّحمن! قال ﷺ: (إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: فُتِّحَتْ أَبوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبوَابُ جَهَنَّمَ).
أَقُوْلُ قَولِي هذا، وأَستَغفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمدُ للهِ على إِحسَانِه، والشُّكرُ لَهُ على تَوفِيقِهِ وامتِنَانِه، وأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ إذا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، لم تُغْلَقْ أَبوابُها؛ لأَنَّهُم في أَمَانٍ تَامٍّ، فَلَيْسَ في الجَنَّةِ خَوْفٌ يُوْجِبُ أَنْ تُغْلَقَ لأَجْلِهِ الأبواب: كما يُوْجَدُ في الدُّنيا! قال ﷻ: ﴿وإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَـحُسْنَ مَآبٍ* جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ﴾.
والطَّرِيقُ إلى بَابِ الجَنَّةِ: مَحْفُوفٌ بالمَكَارِه! ولَكِنْ مَنْ صَبَرَ ظَفَر، وسَلِمَ مِنَ الخَطَر، وصَارَ مَآلَهُ إلى دَارِ السَّلَام، وتَتَلَقَّاهُ المَلَائِكَةُ الكِرَام! قال تعالى-عن أَهلِ الجَنَّةِ-: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
************
* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ والمُسلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكِين، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين: أَبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَلِيّ؛ وعَنِ الصَّحَابَةِ والتابعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إلى يومِ الدِّين.
* اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبِين، واقْضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِين، واشْفِ مَرضَى المسلمين.
* اللَّهُمَّ أَنتَ اللهُ لا إِلَهَ إلَّا أَنتَ، أَنتَ الغَنِيُّ ونَحنُ الفُقَراء؛ أَنزِل عَلَينَا الغَيثَ، ولا تَجعَلْنَا مِنَ القَانِطِين.
* عِبَادَ الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسَانِ وإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
* فَاذكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ﴿ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.