الخُطْبَةُ الأُولَى
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" أَمَّا بَعْدُ:
عبادَ اللهِ: خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَجَعَلَ هَذِهِ الدَّارَ حَرْثًا لِلْآخِرَةِ، وَمَيْدَانًا لِلتَّنَافُسِ فِي طَاعَتِهِ؛ وَنَدَبَ إِلَى الْمُبَادَرَةِ لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى نَيْلِ الْقُرُبَاتِ.
وَالْمُسَارَعَةُ فِي الْخَيْرَاتِ مِنْ أَكْبَرِ مَا يُمدَحُ بِهِ الْمَرْءُ؛ لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْحِرْصِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَقَدْ سَارَعَ الْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ؛ قَالَ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) [طه: 84].
وَنَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ؛ فَقَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا -أَيْ مِنْ ذَهَبِ الصَّدَقَةِ- فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ" رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ مِنْ صِفَاتِ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [آلِ عِمْرَانَ: 114].
وَأَمَرَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَجَنَّتِهِ فَقَالَ: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 133]، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا فَقَالَ: (سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الْحَدِيدِ: 21].
المُسَارعَةُ فِي الخَيرَاتِ هِي مِن صِفَاتِ مَن يَخشَونَ اللهَ حَقَّ خَشيَتِهِ، فَهُم يَتَنَافَسُونَ فِي طَاعَتِهِ، ويَتَسَابَقُونَ إلى مَرضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ، كَمَا أَخَبَرَ اللهُ تَعَالى عَنهُم بِقَولِهِ: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، وعَلى رَأسِ هَؤلاءِ الصِّدِّيقِ أَبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، واسمَعُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُو يَسأَلُ أَصحَابَهُ يَومَاً فَيقُولُ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: (فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ).
ولَقَد حَاولَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَنَافَسَتَهُ مَرَتِينِ: وَذَلِكَ عِندَمَا كَانَ مَعَ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعَ عَبدَ اللهِ بنِ مَسعُودٍ يَدعُو فِي المَسجِدِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ)، قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ لَأَغْدُوَنَّ إِلَيْهِ فَلَأُبَشِّرَنَّهُ، قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ لِأُبَشِّرَهُ فَوَجَدْتُ أَبَا بَكْرٍ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَبَشَّرَهُ، وَأَمَا الثَّانِيةُ فَعِندَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِنصفِ مَالِهِ، وإذا بأَبِي بَكرٍ يَأتي بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
وَيَسْعَوْنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَلَّا يَزِيدَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي الْعِبَادَةِ؛ أَتَى فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: "ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ -أَيِ الْأَغْنِيَاءُ- بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ". فَقَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟". قَالُوا: "يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ؛ وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
اللهمَّ نَسأَلُكَ فِعلَ الخَيراتِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
اَلْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لَشَانِهِ، وأشهدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلّى الله عَليْهِ وَعَلى آلِهِ وأصْحَابِهِ وأعْوانِهِ وسَلّم تَسْلِيماً كثيراً أمَّا بعدُ:
عبادَ اللهِ، لَقَد أَوصَانَا نَبيُّنَا عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وَهُوَ الشَّفِيقُ بِأُمَّتِهِ بِالمُسَارَعَةِ إلى الخَيراتِ، قَبلَ أَن تَأَتي الفِتَنُ المُظلِمَاتُ، فَقَالَ: (بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا)، فَأَصحَابُ العَمَلِ الصَّالحِ فِي أَيَّامِ الرَّخَاءِ، هُم أَصحَابُ النَّجَاةِ حِينَ يَشتَدُّ البَلاءُ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: (تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)، وَكَمَا قَالَ سُبحَانَهُ لِيُونُسَ عَلَيهِ السَّلامُ: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وَمَنْ تَيَسَّرَتْ لَهُ الْقُرْبَةُ وَالطَّاعَةُ فَلْيُسَارِعْ إِلَيْهَا، وَلْيُسَابِقْ إِلَيْهَا وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلَّا يَسْبِقَكَ إِلَى اللهِ أَحَدٌ فَافْعَلْ. وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَعْمَالٍ لَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي ثَوَابِهَا لَتَسَابَقُوا إِلَيْهَا؛ فَقَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا؛ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ -أَيِ التَّبْكِيرِ إِلَى الصَّلَاةِ- لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ؛ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ -أَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ- لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا -أَيْ لَمَشَوْا إِلَيْهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ-" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَنْ سَابَقَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْخَيْرَاتِ وَسَبَقَ؛ كَانَ فِي الْآخِرَةِ سَابِقًا إِلَى دُخُولِ الْجَنَّاتِ؛ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[الْوَاقِعَةِ: 10-12].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]
اللهم صل على محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وارض اللهم عن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ والْمُسْلِمِينَ وَأَذِّلَ الشِّرْكَ والْمُشْرِكِينَ وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الأَمْنَ وَالأَمَانَ وَالاسْتِقْرَارَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ بِسُوءٍ فَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ تَدْمِيرًا عَلَيْهِ، وَرُدَّ كَيْدَهُ إِلَى نَفْسِهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَيَسِّرْ أُمُورَنَا، وَبَلِّغْنَا فِيمَا يُرْضِيكَ آمَالَنَا، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا، وَارْحَمْهُم كَمَا رَبَّوْنَا صِغَارًا.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
