الْحَمْدُ للهِ مَا أَحْرَمَ مُحْرِمٌ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَدَخَلَ فِجَاجَ مَكَّةَ وَتِلْكَ الرَّحَبَاتِ، وَطِيفَ بِالْبَيْتِ وَضَجَّتِ الأَصْوَاتُ بِالدَّعَوَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ مُجْزِلُ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، وَغَافِرُ الْخَطَايَا وَالسَّـيِّئَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى الرِّضْوَانِ وَالْجَنَّاتِ، وَخَيْرُ مَنْ لَبَّى وَطَافَ وَسَعَى وَرَمَى الْجَمَرَاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ الطَّيِّبِينَ الثِّقَاتِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَزَيَّنُوا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّ حَيَاتَكُمْ مَحْدُودَةُ الآجَالِ، وَأَيَّامَكُمْ سَرِيعَةُ التَّقَضِّي وَالزَّوَالِ، وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَ فِيهَا مِنْ مَوْسِمٍ إِلَى مَوْسِمٍ وَمِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، يَقُولُ اللهُ سَبْحَانَهُ: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:77].
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ نُورَ اللهِ تَعَالَى وَهُدَاهُ: هُوَ فِي شَرْعِهِ وَدِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ، فَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، وَأَلْزَمَ بِهِ عِبَادَهُ، فَلاَ يَهْتَدِي بِهِ إِلاَّ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لاِتِّبَاعِهِ، وَأَعَانَهُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:16]، فَتَلِينُ قُلُوبُهُمْ بِآيَاتِهِ، وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ لأَحْكَامِهِ، وَتَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ مِنْ مَوَاعِظِهِ، فَتَرْجُو وَعْدَهُ وَتَخَافُ وَعِيدَهُ، بِخِلاَفِ مَنْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ بِهِ، وَصُمَّتْ آذَانُهُمْ عَنْ سَمَاعِهِ وَالتَّأَثُّرِ بِهِ، وَعَمِيَتْ أَبْصَارُهُمْ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِهِ، وَأُغْلِقَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَدَبُّرِهِ، أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر:22]، فَلاَ يَسْتَوِي مَنِ اسْتَضَاءَ بِنُورِ اللهِ تَعَالَى فَاتَّبَعَهُ مَعَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَرَفَضَهُ، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122]، فَيَا لَتَعَاسَةِ مَنْ حُرِمَ هَذَا النُّورَ؛ فَصَارَ لاَ يَبْرَحُ الْعِصْيَانَ وَالْفُجُورَ!، وَيَا لَسَعَادَةِ مَنْ تَدَثَّرَ بِهَذَا النُّورِ!، فَمُلِئَ قَلْبُهُ بِالاِنْشِرَاحِ وَالسُّرُورِ، وَاسْتَقَامَتْ جَوَارِحُهُ تَطْلُبُ ثَوَابَ الْوَهَّابِ الْغَفُورِ.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ:
فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْسِمِ تَعِيشُ أُمَّتُنَا حَالَةً قَاسِيَةً، وَمَرْحَلَةً خَطِيرَةً، فَإِنَّهُ آنَ الْوَقْتُ لِنَسْتَدْرِكَ جَازِمِينَ أَنَّهُ لاَ خُرُوجَ مِنْ هَذِهِ الْمَآزِقِ، إِلاَّ بِالتَّمَسُّكِ بِالثَّوَابِتِ، فَأَسَاسُ الْقُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ، وَرُكْنُ الأَمْنِ الْمَكِينُ، هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْوَحْيَيْنِ وَالْهَدْيَيْنِ، وَلِذَلِكَ أَعْلَنَ النَّبِيُّ فِي ذَلِكَ الْمَحْفِلِ الْعَظِيمِ؛ الَّذِي وَدَّعَ فِيهِ أُمَّتَهُ، فَقَالَ: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ]، وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي»، فَاسْتَمْسِكُوا بِهِمَا، وَاجْتَمِعُوا عَلَيْهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا مَصْدَرُ الْقُوَّةِ وَالْمَنَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].
أَيْنَ الَّـذِينَ بِهِمَّــــــةٍ بَلَغُــــوا بِنَا كَــــبِدَ السَّمَاءِ وَقُبَّـــةَ الْجَـوْزَاءِ؟
أَيْنَ الأُلَى اعْتَصَمُوا بِحَبْلِ إِلَهِهِمْ حَتَّى غَدَوْا كَالطَّوْدِ فِي النَّكْبَاءِ؟
أَيْنَ الأُلَى طَارُوا نُسُوراً فِي الْعُلاَ بِجَنَاحِ إِيمَـانٍ وَصِدْقِ فِـــــــدَاءِ؟!
أَيْنَ الَّذِينَ فُتُوحُهُمْ شَهِدَتْ لَهُمْ بِالرَّحَمْـةِ الْمُسْـدَاةِ لِلضُّعَفَاءِ؟!
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ وَالإِيمَانِ:
إِنَّ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الإِيمَانِ: تَأَدُّبَهُمْ بِآدَابِ السُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ، وَظُهُورَهُمْ بِمَظْهَرِ الاِئْتِلاَفِ وَالتَّرَاحُمِ، وَتَجْسِيدَهُمْ رُوحَ الأُخُوَّةِ وَالتَّلاَحُمِ، لاَ تُفَرْقُهُمْ أَحْقَادٌ، وَلاَ يَحِيقُ بِهِمْ مَكْرُ ذَوِي الْفَسَادِ، يَصِفُ هَذَا الْمُجْتَمَعَ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ].
فَحَذَارِ -إِخْوَةَ الْعَقْلِ وَالإِنْصَافِ- أَنْ تُمَزِّقُوا جَسَدَ الأُمَّةِ بِالنِّزَاعِ وَالْفُرْقَةِ وَالاِخْتِلاَفِ، فَتَكُونُوا ضِعَافاً خَوَّارِينَ، وَغَرَضاً لِلطَّامِعِينَ، عَالِجُوا قَضَايَاكُمْ بِالْهُدُوءِ وَالرِّفْقِ وَاللِّينِ، فَهِيَ زِينَةُ أَخْلاَقِ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَنْ جَرِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ»، وَعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ؛ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» [أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ].
فَتَجَمَّلُوا -عِبَادَ اللهِ- فِي الْعِيدِ بِثَوْبِ الْوَحْدَةِ، وَتَدَثَّرُوا بِدِثَارِ الشَّهَامَةِ وَالنَّخْوَةِ، وَاحْفَظُوا أَمْنَ الْوَطَنِ بِالْحِوَارِ وَرَزِينِ الْكَلِمَةِ، فِي بُعْدٍ عَنِ الْفَوْضَى وَالْقَسْوَةِ.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْكِرَامُ:
إِنَّ الْعِيدَ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ لِلْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَرَمْزٌ لِلْبَهْجَةِ وَالْحُبُورِ، وَأَرْضٌ خِصْبَةٌ لِلتَّلاَحُمِ وَالتَّرَاحُمِ، وَمَوْسِمٌ لِلْعَفْوِ وَالتَّسَامُحِ، وَنَبْذِ الْخِلاَفَاتِ وَالتَّصَالُحِ.
وَإِنَّنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ بِأَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى تَعَاضُدِ الْجُهُودِ، وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ، وَتَكَاتُفِ الْقُوَى، مَعَ تَصَافُحِ الأَيْدِي وَتَصْفِيَةِ الْقُلُوبِ؛ لِدَحْرِ الْفِتْنَةِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي تُطِلُّ بِرَأْسِهَا؛ لِتَفُتَّ مِنْ عَضُدِنَا، وَتُخَرِّبَ نَسِيجَنَا، وَتَنَالَ مِنْ وَحْدَتِنَا.
وَإِنَّ مِنْ صَمِيمِ دِينِنَا – يَا عِبَادَ اللهِ – أَنْ نَتَعَاوَنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَنْ نَتَنَاهَى عَنِ الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَأَنْ نَتَلاَحَمَ وَنَتَرَاحَمَ، وَأَنْ نَتَّحِدَ بِالْحَقِّ وَلاَ تُفَرِّقَنَا الأَهْوَاءُ وَالْعَصَبِيَّاتُ، وَلاَ الْمَصَالِحُ الشَّخْصِيَّةُ وَفَسَادُ النِّيَّاتِ، أَلَمْ يَقُلِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ؟! [الأنبياء:92]. أَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ : «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ؛ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»؟! [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا]. وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:
طُوبَى لِشَعْبٍ غَدَا بِالْحَقِّ مُعْتَصِماً وَحَبَّذَا أُمَّةٌ قَدْ أَنْشَأَتْ رَحِمَا
تَحْمِي الدِّيَارَ وَتَرْعَى الدِّينَ رَابِطَةً يَداً تَذُودُ وَقَلْباً وَاحِداً وَفَـــمَا
أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ:
اتَّقِي اللهَ تَعَالَى فِي نَفْسِكِ، وَارْقُبِي رَسُولَ اللهِ فِي أُمَّتِهِ، إِنَّ الأُمَّةَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْكِ؛ فِي تَرْبِيَةِ نَشْءٍ صَالِحٍ مُؤْمِنٍ بِاللهِ، مُسْتَمْسِكٍ بِدِينِهِ، مُعْتَزٍّ بِأُمَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي زَمَنٍ كَثُرَ فِيهِ الصَّادُّونَ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى، الْمُنْتَكِسُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «.....وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا»، فَهَلْ تُقَدِّرِينَ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ حَقَّ قَدْرِهَا؟!.
أَخَوَاتِي الْمُسْلِمَاتِ:
إِنَّ أَعْدَاءَ الإِسْلاَمِ يَسْعَوْنَ إِلَى تَجْيِيشِ النِّسَاءِ، وَمَلْءِ قُلُوبِهِنَّ ضِغْناً عَلَى أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، وَمُعَادَاةِ دِينِهِ، وَرَفْضِ شَرِيعَتِهِ، وَإِبْدَالِ مَنَاهِجَ أُخْرَى بِهَا؛ لِتَسْتَرْجِلَ الْمَرْأَةُ، وَتُعْلِنَ اسْتِقْلاَلَهَا عَنِ الرَّجُلِ، وَتَعِيشَ مَعَهُ فِي صِرَاعٍ دَائِمٍ، تَكُونُ هِيَ وَأَوْلاَدُهَا ضَحِيَّتَهُ الأُولَى، فَنَعُوذُ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ قُلُوبٍ فُتِنَتْ عَنِ الْحَقِّ، وَتَمَرَّدَتْ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَعَلَى شَرِيعَتِهِ الْمُحْكَمَةِ، فَإِيَّاكِ إِيَّاكِ أَنْ تُخْدَعِي بِأَقْوَالِهِمْ، وَلاَ تَغْتَرِّي بِكِتَابَاتِهِمْ، وَادْرَئِي بِقَلَمِكِ وَلِسَانِكِ عَنْ دِينِكِ وَحِجَابِكِ وَعَفَافِكِ عُدْوَانَ الْمُعْتَدِينَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، حَفِظَكِ اللهُ تَعَالَى بِحِفْظِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْكِ سِتْرَهُ، وَأَعَانَكِ عَلَى أَمْرِ دِينِكِ وَدُنْيَاكِ.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمُسْلِمُونَ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَأَدُّوا مَا عَلَيْكُمْ مِنْ وَاجِبَاتٍ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً، وَأَحْسِنُوا تَرْبِيَةَ أَوْلاَدِكُمْ، عِنْدَهَا تَحْسُنُ أَحْوَالُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَتَضْمَحِلُّ الأَخْطَاءُ وَالْمُخَالَفَاتُ، لاَسِيَّمَا مِنَ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلاَ
إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَـــــهُ أُمّاً تَخَلَّتْ أَوْ أَباً مَشْغُولاَ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكمْ فِي الْقُرْآنِ، وَنفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الْمَنَّانُ.
الخطبةُ الثّانية
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَهَّلَ لِعِبَادِهِ طَرِيقَ الْعِبَادَةِ وَيَسَّرَ، وَجَعَلَ لَهُمْ عِيداً يَعُودُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَتَكَرَّرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهِ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ الأَكْبَرُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ فِي الْمَحْشَرِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْمُسْتَقَرِّ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَعَظِّمُوهُ سُبْحَانَهُ فِي عِيدِكُمْ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِأَضَاحِيكُمْ، وَأَدْخِلُوا الْفَرَحَ وَالسُّرُورَ عَلَى ذَوِيكُمْ، وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَحَلَّ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ، وَاجْتَنِبُوا مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج: 30].
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
عِبَادَ اللهِ:
إِنَّ الأُضْحِيَةَ مَشْرُوعَةٌ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهَا يُشَارِكُ أَهْلُ الْبُلْدَانِ حُجَّاجَ بَيْتِ اللهِ فِي بَعْضِ شَعَائِرِ الْحَجِّ؛ فَالْحُجَّاجُ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ بِذَبْحِ الْهَدَايَا، وَأَهْلُ الْبُلْدَانِ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِذَبْحِ الضَّحَايَا، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ، فَضَحُّوا -عِبَادَ اللهِ- عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ تَعَبُّدًا لِلَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِهِ .
وَلاَ تُذْبَحُ الأَضَاحِي إِلاَّ بَعْدَ انْتِهَاءِ صَلاَةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهَا؛ وَلاَ يُجْزِئُ الذَّبْحُ قَبْلَ تَمَامِ صَلاَةِ الْعِيدِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ»، هَذَا وَاذْبَحُوا ضَحَايَاكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ إِنْ أَحْسَنْتُمُ الذَّبْحَ، وَقُولُوا: بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، فَإِنْ لَمْ تُحْسِنُوا الذَّبْحَ فَاحْضُرُوهُ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لَكُمْ وَأَبْلَغُ فِي تَعْظِيمِ اللهِ وَالْعِنَايَةِ بِشَعَائِرِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [الحج:34].
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى رَسُولِ الْهُدَى، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنِ الآلِ وَالصَّحْبِ الْكِرَامِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ حَجَّ الحَاجِّينَ وسَعْيَ السَّاعِينَ، اللَّهُمَّ وَآتِهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، اللَّهُمَّ طَهِّرْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَأَرْجِعْهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ، وَرُدَّهُمْ إِلَى أَهْلِيهِمْ سَالِمِينَ غَانِمِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا وَمِنْهُمْ صَالِحَ الأَعْمَالِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا اليَوْمِ مِمَّنْ غُفِرَ ذَنْبُهُ، وَسُتِرَ عَيْبُهُ، وَحَسُنَ سَعْيُهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِناتِ، اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمينَ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.