وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ." يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" أَمَّا بَعْدُ:
عباد الله: يقول الله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ).
يا لله .. كم تتقاصر الكلمات في وصف عظمة البر الرحيم، الرؤوف الكريم.
يريد أن يتوب لأجلنا نحن، لمصلحتنا ونجاتنا، وسعادتنا وخلاصنا.
تأمل معي … ذنب تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال منه هدا، حين زعم عبدة الصليب أن لله ولد، ومع هذا فتح لهم باب التوبة وحضهم عليها ورغبهم فيها، فناداهم (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرون والله غفور رحيم).
وتأمل أيضاً خبر أصحاب الأخدود، وشناعة طغيان الذين أجرموا حين عذبوا المؤمنين، ونقموا منهم، وكل ذنبهم أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد، فعذبوهم وحرقوهم، وفتنوهم وأبادوهم، وبعد هذا كله لم يُغْلِقْ الله باب التوبة عنهم، (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ).
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، ولذلكَ لمَّا ذكرَ تَعَالَى أخبثَ أهلِ النَّارِ ، وأسفلَهُمْ منزلةً، قالَ: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا)، ولأنَّه يحبُ التَّوبةَ قالَ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، ولذلكَ يَنزلُ كلَّ ليلةٍ ليسمعَ أنينَ التَّائبينَ، ويُجيبَ دُعاءَ الدَّاعينَ، ويغفرُ لعبادِه المُستغفرينَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)، لا إلهَ إلا اللهُ .. ينزلُ سُبحانَه كلَّ ليلةٍ ليَعرُضَ علينا التَّوبةَ والمغفرةَ، فمنْ تابَ تابَ اللهُ عليه، ومن استغفرَ غفرَ اللهُ له.
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، والله يا ابن آدم، وعد من الله، ومن أوفى بعهده من الله، لو بلغتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السماءِ، ثم استَغْفَرتَ الله لغفرها لك ولا يبالي.
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، يفرح بتوبة النادمين، وندم التائبين، أشد من فرح ذلك الرجل الذي كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فَانْفَلَتتْ منه، وعليها طعامُه وشرابهُ فَأَيسَ منها»، فأتَى شَجرة فاضطَجَع في ظِلِّها قد أيسَ من راحلته فبينا هو كذلك، إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخِطامِها، ثم قال من شِدَّة الفرح: «اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ، أخطأ من شدة الفرح.
ليس فرح وحسب، بل يعقبها محبة منه سبحانه لمن تاب، (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).
كم تمر بالإنسان من أهواء، وكم تلفه من شهوات، وكم تعتريه من غفلات، وربما ضلالات، ولكنها كلها تطيش وتتلاشى مع لحظة ندم، وساعة استغفار، للملك الجبار، لأن الله يريد أن يتوب عليكم.
شيخ كبير هرم، قد تجعد وجهه، واحدودب ظهره، وسقط حاجباه على عينيه، تجره رجلاه، نحو النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أسلمتَ؟” قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات”. فقال: يا رسول الله، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فقال: “وغَدرَاتك وفَجَراتك”. فَوَلّى الرجل وهو يهلل ويكبر، حتى غاب صوته وسواده.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ [إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفَعَنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله تعالى لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه.أَمَّا بَعْدُ،
عباد الله، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)،ولذلكَ ختمَ الأسبوعَ بساعةٍ،لا يَسألُه عبدٌ مسلمٌ شيئاً إلا أجابَ دُعاهُ،ومن أعظمِ الدُّعاءِ هو التَّوبةُ من الذُّنوبِ،ورجاءُ المغفرةِ من علَّامِ الغُيوبِ،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ،فَقَالَ:(فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ،وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي،يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا،إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ)وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا،قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ،قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَقُلْتُ لَهُ:فَأَخْبِرْنِي بِها،فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ:هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ:كَيْفَ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فأخبرني عن مكانِكَ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجُمعةِ، وعن دُعائكَ، هل تُريدُ ما يُريدُه اللهُ تعالى لكَ، فهو سُبحانَه يُريدُ أن يتوبَ عليكَ.
عبادَ الله، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين.
اللهم انصر جنودنا المرابطين على ثغورنا وحدودنا، اللهم احفظ رجال أمننا واجزهم خيرَ الجزاء وأوفاه يا رب العالمين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا، مجيب الدعوات.
.png)