موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

لا تَيْأَسْ ولَا تَقْنَطْ فَأَنْتَ مُسْلِمٌ | خطبة الجمعة مكتوبة

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَكَمَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وَحَذَّرَ مِنَ يَأْسِ وَإِحْبَاطِ الْقَانِطِينَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْحَكِيمُ الْحَقُّ

الْمُبِينُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَثَّ الَأمَلَ وعَالَجَ اليَائِسِين اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عَلَيهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَأَصْحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

عبادَ اللهِ: مِنْ سُنَنِ اللهُ سُبْحَانَهُ أَن يَمتَحِنَ عِبَادَهُ بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والمَشَقَةِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا

مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾

لِذّا كَانَ بَلاءُ النَّبيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ شَديدًا ومِحنَتُهُم عَظيمةً لَقدْ أَرَادَ اللهُ لَهُم ذلك ليُمَحِّصَهم ويَرفَعَ دَرجَاتِهم في الآخِرةِ فَهُم قُدوَةُ الأُمَّةِ جَاءَ خَبَّابُ بنُ الأرَتِّ رَضيَ اللهُ عنه إلى النَّبيِّ ﷺ يَسْألْهُ النَّصْرَ والعِزَّ والمَنَعَةَ وَالفَرَجَ فقال: شَكَوْنَا إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ قُلْنَا له: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قالَ: كانَ الرَّجُلُ فِيمَن قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ له في الأرْضِ فيُجْعَلُ فِيهِ فيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُشَقُّ باثْنَتَيْنِ وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ ويُمْشَطُ بأَمْشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"

عبادَ اللهِ: إِنَّ أَسبَابَ الهُمُومِ وَالمُكَدِّرَاتِ فِي هَذهِ الحَيَاةِ كَثيرَةٌ مَا يَدعُو البَعضَ لليَأسِ وَالقُنُوطِ وَانقِطَاعِ الأَمَلِ مِنَ الفَرجِ بَعدَ الشِّدَّةِ وَزَوَالِ البَلاءِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإذا أذقنَا النَّاسَ رَحْمَة فرحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هُمْ يَقنَطُونَ﴾

فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُصَابُ بِاليَأسِ نَتِيجَةَ جَهلِهِ بِاللهِ تَعَالَى وَسُوءِ ظَنِّهِ بِسَعَةِ رَحمَتِهِ وَعَظِيمِ فَضلِهِ وَمِنهُم نَتِيجَةَ مُصَاحَبَتِهِ لليَائِسِينَ وَالقَانِطِينَ وَالمُقَنِّطِينَ أَو بِسَبَبِ قِلَّةَ صَبرِهِ وَتَحمُّلِهِ أو نَتِيجَةَ شِدةِ تَعلُقِهِ بالدُّنْيَا وَالرُكُونِ إليها فَهُوَ يَحزَنُ وَيَتَأسَفُ عَلى مَا فَاتَهُ مِنْهَا مِنْ جَاهٍ أو سُلطَانٍ أو أَولَادٍ أو مَالٍ أو عَافِيَةٍ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَسَّهُ الشَّرّ فَيَئُوسٌ قنُوطٌ﴾

 لِذا فَاليَأْسَ سَببٌ مِنْ أَسبَابِ الضَّلالِ وَالكُفرِ وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بالله تَعَالَى

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكَافِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقنَطُ مِن رَحمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالٌّون﴾ وَيُعَدُّ اليَأسُ مِنَ الكَبَائرِ

قِيل: يَا رَسُولَ اللهِ: مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللهِ وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله" لِذّا نَهَى الإِسلامُ عَنِ القُنُوطِ بِكُلِ أَشكَالِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَكُن مِنَ القَانِطِينَ﴾

 عبادَ اللهِ: لا يَيأَسْ مُذنِبٌ وَهوَ يَسمَعُ نِدَاءَ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وَيَقُولُ ﷺ: "لوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ ما طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ ولو يَعْلَمُ الكَافِرُ ما عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ ما قَنَطَ مِن جَنَّتِهِ أَحَدٌ"


وَالمُتَأمِلُ فِي سِيرَتِهِ ﷺ يَجِدُ مَا يُدهِشُهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ وَفِي أَشَدِّ الأَزَمَاتِ لَا تُسمَعُ مِنهُ كَلِمَةَ يَأسٍ أَو قُنُوطٍ يَرْوي أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه لَمَّا اقتَرَبَ المُشرِكونَ مِن الغارِ قُلتُ للنَّبيِّ ﷺ: لو أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا فَقَالَ: "ما ظَنُّكَ يا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا"

 عبادَ اللهِ: هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنَ الوَسَائِلِ المُعِينَةِ عَلى التَّخَلُصِ مِنَ اليَأْسِ وَالقُنُوطِ  كمَعرِفَةِ اللهِ تَعَالَى بَأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَعلُقُ القَلبُ بِهِ والثِّقَةُ بِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَكُم وَعَسَى أَن تُحِبٌّوا شَيئاً وَهُوَ شَرُّ لَكُم وَاللَّهُ يَعلَمُ وَأَنتُم لا تَعلَمُونَ﴾

وَمِمَا يُعِينُ عَلَى التَّخَلُصِ من القُنُوطِ حُسْنُ الظَنِّ باللهِ ورَجَاءُ رَحمَتِهِ فلا يَيئَسْ مَكروبٌ أو مُبتَلى مِنَ الفَرَجِ فَفَضلُ اللهِ عَظِيمٌ والأَملُ فِي رَحمَتِهِ كَبِيرٌ يقولُ ﷺ: "قال الله عزَّ وجلَّ أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي.. "

وَمِمَا يُعِينُ كَذَلِكَ الصَّبرُ مَعَ تَمَامِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ

قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

فَسِمَةُ المُسلِمِ الشُّكرُ وَالثَّنَاءُ فِي أَيامِ الرَّخَاءِ وَالصَّبْرُ وَالدُّعَاءُ فِي أَيَّامِ الشِّدّةِ وَالبَلَاءِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ لَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن تَمَنِّي المَوتِ بِسَببِ البَلَاءِ فَقَالَ:" لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوْتَ مِن ضُرٍّ أصابَهُ فإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أحْيِنِي ما كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي"

عبادَ اللهِ: وَمِمَا يُعِينُ عَلَى التَّخَلُصِ من اليَأسِ التَأسِي بَأَنبِيَاءِ اللهِ ورُسُلِه والصَّالِحِينَ ففي سِيَرهِم أَروَعُ الأَمثِلَةِ فِي الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ وَعَدَمِ اليَأسِ وَالقُنُوطِ

 وَمِمَا يُعِينُ عَلَى التَّخَلُصِ من القُنُوطِ الزُّهدُ فِي الدُّنيَا فَاللهُ يُعطي الدُّنيا مَنْ يحبُّ ومَنْ لا يحبُّ ولا يُعطي الإيمانَ إلا مَنْ يحبُّ وَالمَرءُ لَن يَأخُذَ أَكثَرَ مِمَا قُدرَ لَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

وَمِمَا يُعِينُ عَلَى ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِيَقِينٍ وَإِلحَاحٍ قال ﷺ: "لاَ يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الاِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: "يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ"

عبادَ اللهِ: مَنْ لَعِبَ بِهِ الشَّيْطَانُ وَأَوْقَعَهُ في اليَأْسِ وَالقُنُوطِ فَعَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الاسْتِغْفَارِ لِقَوْلِهِ ﷺ: "منْ لَزِم الاسْتِغْفَار جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجَاً ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجَاً وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ"

وَأَنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ القَائِلِ: "إِذَاً تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ"

وَلْيُكْثِرْ مِنْ دُعَاءِ سَيِّدِنَا يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مُتَفَائِلِينَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ اليَائِسِينَ القَانِطِينَ

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ


لا تَيْأَسْ ولَا تَقْنَطْ فَأَنْتَ مُسْلِمٌ | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي