إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونَستَعِينُه ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا ومِنْ سَيئاتِ أعمَالِنا، مَنْ يَهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.. أمَّا بعد: فأُوْصِي نَفْسِي وإيَّاكُم بتقوَى الله، اتَّقوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التقوَى؛ (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
أيُّها المُسلِمون: خَلَقَ اللهُ الموتَ والحيَاة؛ ابْتِلاءً لِعِبَادِه، قالَ تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). وخَلَقَ سُبحَانَهُ الخَلْقَ لِيَخْتَبِرَهُم: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ).
وهُمْ في الحيَاةِ يُكَابِدُونَ المَشَاقَّ، قالَ تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)، قالَ الحَسَنُ رحمه الله: "يُكَابِدُ مَضَايِقَ الدُّنيا وشَدَائِدَ الآخِرَة".
ابْتُلِيَ يَعقُوبُ ( فَفَقَدَ أحَبَّ أبْنَائِهِ إليه، ثم فَقَدَ آخَر، وبَكَى علَى فَقْدِهِما حتَّى جَفَّ دَمْعُه، وفَقَدَ بَصَرَه، (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، فبَثَّ شَكْوَاهُ وحُزْنَهُ إلى الله؛ فجَمَعَ لَهُ وَلَدَيْه، ورَفَعَهُ يُوسُفُ علَى عَرْشِه.
وأيوبُ ( طَالَ عَلَيهِ كَرْبُ المرَض، فمَا أَيِسَ مِنَ الله، وكانَ يَدْعُوه: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)؛ فَرَفَعَ اللهُ ضُرَّه، ووَهَبَ له أهلَهُ وضِعفَيْنِ مَعَهُم.
وزكريَّا ( وَهَنَ عَظْمُه، واشْتَعَلَ رأسُهُ شَيْبًا، وبَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتيًّا، وحُرِمَ الوَلَد، فدَعا رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا أنْ يَهَبَهُ وَلَدًا، فَرَزَقَهُ اللهُ يحيى، وأقَرَّ عَيْنَهُ بِصَلاحِه، وجَعَلَهُ نبيًّا رَسُولاً.
ونَبِيُّنا محمَّدٌ ( نشَأَ يَتِيمًا، ومَاتَ جَدُّه، ثم مَاتَ عَمُّهُ وزَوْجُهُ خَدِيجةُ في عَامٍ وَاحِدٍ، واشْتَدَّتْ عَليهِ الكُرُبَاتُ في حَيَاتِه؛ مِنْ أذَى قَوْمِهِ له، وسُمِّه، وسِحْرِه، والكَيْدِ به، ومَوْتِ أبنَائِه.. ولمَّا ثَقُلَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-، ومَرِضَ مَرَضَ الموت؛ جعلَ يتَغَشَّاه، فقالَتْ فاطمةُ رضيَ اللهُ عنها: وَاكَرْبَ أبَتَاه!. فقالَ لها: (ليسَ علَى أَبِيكِ كَرْبٌ بعدَ اليَوْم) أيْ: مِنْ كُرُوبِ الدُّنيا. رواه البخاري.
ولَئِنِ انْقَضَتْ مِحَنُ الدُّنيا بالمَوْت، فَسَيُلاقِي الخَلْقُ يومَ القيامةِ كَرْبًا أَشَدّ؛ قالَ (: (يَجْمَعُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وتَدْنُو الشَّمْسُ، فيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطِيقُونَ ومَا لا يَحْتَمِلُون) رواه مسلم.
فالإنسَانُ عبادَ الله؛ في بَلاءٍ وشِدَّةٍ حتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ في الجنَّة.. وبِرَحْمَةِ اللهِ وفَضْلِهِ شَرَعَ سُبحَانَهُ أسبَابًا لِزَوَالِ الخُطُوبِ؛ فتَوْحِيدُ اللهِ؛ أسْرَعُ مُخَلِّصٍ للكُرُوب، وقد فَزِعَ إلى ذلكَ يونسُ ( فَنُجِّيَ مِنَ الغَمِّ؛ قالَ النبيُّ (: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ: لا إلهَ إلَّا أنتَ سُبحَانَكَ إني كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين؛ مَا دَعَا بها مَكْرُوبٌ سَبْعَ مَرَّاتٍ إلَّا فَرَّجَ اللهُ كَرْبَه) رواه أبوداود.
والتَّوَكُّلُ علَى اللهِ يَكْشِفُ ما نَزَل، قالَ سُبحَانَه: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ).
والتَّضَرُّعُ إلى اللهِ بالدُّعَاءِ؛ سَبَبُ تَغَيُّرِ الحَال، قالَ سُبحَانَه: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ).
والصَّلاةُ مُزِيلَةٌ لِلهُمُوم، كَاشِفَةٌ للغُمُوم، وهيَ العَوْنُ عِندَ حُلُولِ المَصَائبِ، قالَ سُبحَانَه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ).
والاسْتِغْفَارُ سَبَبُ تَفْرِيجِ الخُطُوبِ؛ لأنَّ الذُّنُوبَ هيَ مُوْجِبُ الكُرُوب، قالَ سُبحَانَه: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
وذِكْرُ اللهِ أَنِيسُ المَكْرُوبِين، قال جَلَّ شَأْنُه: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ).
باركَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيم، ونفعني وإيَّاكُم بما فيهِ مِنَ الآيَاتِ والذِّكرِ الحكيم.. واستغفروا الله، إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية/
الحمدُ للهِ على إحسَانِه، والشُّكر لهُ على تَوفيقِهِ وامتنَانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانِه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أَمَّا بَعْدُ عِبادَ الله: وحُسْنُ الظَّنِّ باللهِ وَاجِبٌ، والتَّفَاؤُلُ بِزَوَالِ مَا نَزَلَ مِنَ المَصَائبِ؛ مِنْ حُسْنِ المُعتَقَد: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
ومَنْ فَرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ ولم يَشْكُرْ نِعمَةَ اللهِ علَى زَوَالِ الكُرْبَةِ؛ فقَدْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِمَكْرِهِ وعُقُوبَتِه، قالَ سُبحَانَه: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا).
والمؤمِنُ إذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإذا أَذْنَبَ اسْتَغْفَر، وإذا أُنْعِمَ عَليهِ شَكَرَ.
ألَا فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعْلَمُوا أنَّ الصَّبْرَ أَجْرُهُ عندَ الله بِلا حِسَاب، وأنَّ اخْتِيَارَ اللهِ لِعَبْدِهِ أرحَمُ مِنِ اخْتِيَارِ العَبْدِ لِنَفْسِه، وأنَّ اللهَ بِرَحْمَتِهِ يَخْتَبِرُ عِبَادَه، لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعمَلُون، ويُجَازِيهِمْ لِقَاءَ الصِّبرِ إحْسَانًا ورَحْمَة، وأنَّ الحيَاةَ البَاقِيَةَ هيَ الدَّارُ الآخِرَة: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
ثم صلُّوا وسلِّمُوا -رحمكم الله- على محمد بن عبد الله كما أمركم اللهُ بذلك في كتابِه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطاهرين، وصحبه الميامين، والخلفاء الأربعة الراشدين الأئمة المهديين: أبى بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأَذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم واحمِ حوزةَ الدين..
اللهم أصلح قلوبنا، واشرح صُدورَنا، ويسِّر أمورَنا، وأصلح نياتنا
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
.png)