موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

النار : تحذير وانذار| خطبة الجمعة مكتوبة

 الحمدُ لله، الحمدُ للهِ تعالى في عَظَمَتِهِ ومَلَكُوتِهِ وكبريائِه، وتقدَّسَ في مَجْدِهِ وعِزَّتهِ وعَليَائِه، أحمدُه سبحانَهُ وأشكرُه، وأسألُه المزيدَ مِن فضلِه وآلائِه.

 وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً أرجُو بها الفوزَ يومَ لقائِه، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، أفضلُ رُسُله وخَاتَمُ أنبيائِه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه وأوليائِه، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.. أما بعد:

 فأُوصِيكُم ونفسي بتقوى اللهِ عز وجل: (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)، اتقوا يومًا الوقوفُ فيهِ طويل، والحِسابُ فيهِ ثقيل.. الجنةُ لا يَدخُلها إلَّا مَن يَرجُوها، والنارُ لا يَسْلَمُ منها إلَّا مَن يخافُها.. ومَن خَافَ أَدْلَج، ومَن أدلجَ بَلَغَ المَنزِل: (قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ* فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ* إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور:26-28].

أيها المسلمون: خَلْقٌ عَظِيمٌ مِن خَلْقِ الله؛ هيَ سِجْنُ الكَافِرين، ومَأْوَى الظالمين، وعقوبةُ العُصَاةِ والمُخَالِفين، وهيَ الخِزْيُ الأكبرُ والخُسْرَانُ المُبين.. هيَ الشَّرُّ الذي لا خيرَ فيه، والوِرْدُ الذي لا بُدَّ مِنه، (وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً) [مريم:71].. إنها النـــــــــارُ يا عبادَ الله!.

واللهِ ما أُنْذِرَ العِبَادُ بشيءٍ أَدْهَى منها: (فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى* لاَ يَصْلاهَا إِلاَّ الاْشْقَى* الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [الليل:14-16].

خَوَّفَ اللهُ بها ملائكَتَهُ المقرَّبين: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:29]، وقالَ لرسُولِه الكريم: (لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهً آَخَرَ فَتُلْقَى فِيْ جَهَنَمَ مَلُومًا مَدْحُورًا) [الإسراء:22]. وخَوَّفَ الرَّسولُ بها صحَابَتَهُ وأُمَّتَه؛ فقال: (أَنْذَرْتُكمُ النار.. أَنْذَرْتُكمُ النار!). هيَ شَرُّ دار، وعَذابُها شَرُّ عذَاب، حَرُّها شديد، وقَعْرُها بعيد؛ يَهْوِي الحَجَرُ مِن شَفِيرِها سبعينَ خريفـًا ما يُدْرِكُ قَعْرَها. 

لها صَوتٌ رَهِيب، قال تعالى: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان:12]، وقال تعالى: (تَكَادُ تَميَّزُ مِنَ الغَيْظِ) [الملك:8].

وعن أبي هريرة ( قال: قالَ رسولُ اللهِ (: (نَارُكُمْ هذهِ التي يُوقِدُ ابنُ آدمَ جُزْءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن نَارِ جَهَنَّم)، قالوا: واللهِ إنْ كانَتْ لَكَافِيَة، قال: (فإنها فُضِّلَتْ عليها بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزءاً كلُّها مِثلُ حَرِّهَا) رواه البخاري ومسلم.

(هذِهِ جَهَنَّمُ الّتي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ) [الرحمن:43] يَدخُلُونَها بأَشَدِّ خِطَاب، ثم تُوصَدُ عليهِمُ الأبواب.

 لا تَنْطَفِي نَارُها، ولا يَخبو أُوَارُها؛ (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء:97].

 وهم فيها مُقيَّدون: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ* فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) [غافر:71-72]، (وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:22-23].

طَعَامُهمُ الزَّقُومُ والضَّرِيع، لا يُسْمِنُ ولا يُغْني مِنْ جُوع. وشَرَابُهمُ الحَمِيمُ والغَسَّاق؛ وهو عُصَارَةُ أَهلِ النَّار، (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) [الكهف:29]، (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ) [محمد:15].

يَتَمَنَّوْنَ الموتَ والهَلاك، ولكِنْ لا مَفَرَّ ولا فِكَاك؛ (وَنَادَوْاْ يا مَـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـاكِثُونَ* لَقَدْ جِئْنَـاكُم بِالْحَقّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَـارِهُونَ) [الزخرف:77-78]. 

(كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَـاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ) [النساء:56].

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ جَاءَ التَّحْذِيرُ مِنَ النَّارِ وَالْإِنْذَارُ مِنْهَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾، فَمَا أُنْذِرَ الْعِبَادُ بِشَيْء قَطُّ أَدْهَا مِنْهَا، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ! أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ! حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ، لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا، قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ». [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].

وَلِذَا كَانَ مِنَ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 16]، و﴿ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان: 65]، فَالْخَوْفُ مِنَ النَّارِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي عَقْلِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، حَتَّى يَتَّقِيَهَا؛ فَالنَّارُ مُخِيفَةٌ فَأَهْلُهَا فِي بُكَاءٍ دَائِمٍ لَا يَنْقَطِعُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ﴾، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ﴾ [فاطر: 37].

عِبَادَ اللهِ! بَعْدَ أَنْ يَيْأَسَ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، حَيْثُ يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾، وَيَأْتِي عَلَيْهِم الرَّدُّ: ﴿ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾، يَنْتَقِلُونَ إِلَى أُمْنِيَةٍ أُخْرَى، وَهُنَاكَ يُوَجِّهُونَ خِطَابَهُمْ إِلَى مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ: ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ [الزخرف: 77، 78]، وَبَعْدَ أَنْ يَئِسُوا مِنَ الْمَطْلَبَيْنِ، يَلْجَئُونَ إِلَى مَطْلَبٍ ثَالِثٍ، وَهُنَاكَ يُوَجِّهُونَ النِّدَاءَ إِلَى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [غافر: 51، 52]، فَالنَّارُ جِدًّا مُخِيفَةٌ وَأَهْوَالُهَا مُرِيعَةٌ.

أَتَرْقُدُ يَا مَغْرُورُ وَالنَّارُ تُوقَدُ *** فَلَا حَرُّهُا يُطْفَا وَلَا الْجَمْرُ يُخْمَدُ

فَجَهَنَّمُ - عِبَادَ اللهِ! - عَمِيقَةٌ وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟»، قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ! قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الْآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا»، فَهِيَ عَمِيقَةٌ وَعَرِيضَةٌ يُحَاوِلُ سُكَّنُهَا الْخُرُوجَ مِنْهَا، وَلَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ.

 قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، وَأَمَّا عَنْ حَرِّهَا؛ فَحَدِّثْ وَلَا حَرَجَ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾، أَمَّا شَرَابُهُمْ؛ فكَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ [الأنعام: 70]، وَقَالَ - تَعَالَى-: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ [إبراهيم: 17]، وَمَعَ أَنَّهُ فِي النَّارِ يَتَلَقَّوْنَ أَصْنَافَ الْعَذَابِ وَزِيَادَةً فِي النَّكَال، كَمَا قَالَ – تَعَالَى -: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [المزمل: 12، 13]، وَمَعَ ذَلِكَ يُسَلْسَلُونَ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، قَالَ -تَعَالَى-: ﴿ جَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، وَيُسْحَبُونَ فِي السَّلَاسِلِ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ إذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴾، وَمَعْنى الْغُلِّ: أَنْ تُغَلَّ الْيَدُ إِلَى الْعُنُقِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴾، وَأَمَّا الطَّعَامُ؛ فَكَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴾، فَطَعَامُهُمُ الزَّقُّومُ، وَقَدْ مُلِئَتِ النَّارُ بِالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ أَعْنَاقِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ؛ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا، أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُوكَفَةِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ؛ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً»، وَالحَدِيثُ فِي النَّارِ وَمَا فِيهَا يَطُولُ، وَلَكِنْ عَلَيْنَا أَن نُنْقِذَ أَنْفُسَنَا مِنْهَا، وَقَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ شَرِّهَا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ أَعْظَمُ مُنْجٍ مِنَ النَّارِ، وَكَذَلِكَ الْبُكَاءُ مِنْ خَشْيَتِهِ، وَمُرَاقَبَتُهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَكَذَلِكَ التَّعَوُّذُ مِنْهَا، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 191]، وَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا يَسْأَلُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ اللهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثًا، إِلَّا قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللهُمَّ أَدْخِلْهُ. وَلَا اسْتَجَارَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ اللهَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثًا، إِلَّا قَالَتِ النَّارُ: اللهُمَّ أَجِرْهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ].

فَاسْتَعِيذُوا - يَا عِبَادَ اللهِ! - مِنَ النَّارِ.

واتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واتَّقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرَة، لا يَستوي أصحَابُ النَّارِ وأصحابُ الجنَّة، أصحابُ الجنَّةِ همُ الفائزون، ولن يَلِجَ النارَ رَجُلٌ بكَى مِن خَشْيَةِ الله، وعَينانِ لا تَمَسُّهُمَا النار: عَينٌ بَكَتْ مِن خَشْيَةِ الله، وعَينٌ باتَتْ تَحْرُسُ في سَبيلِ الله.

 ومَنْ صَامَ يومًا في سبيلِ الله زَحْزَحَهُ اللهُ عنِ النَّارِ سبعينَ خريفـًا.

تعوَّذوا باللهِ مِنَ النَّار، واسْأَلوهُ النَّجَاةَ منها؛ فهذا دَأْبُ الصَّالحينَ الذَّاكِرين: (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:16]، (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً* إنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) [الفرقان:66-67].

نفعنا الله بهَدْيِ كتابِه، وأجَارَنا مِن خِزْيهِ وعَذَابِه.. واستغفروا الله، إنَّه كان غفَّارا.

---------------

 أَيُّهَا المُسلِمُونَ: فإنَّ مِنْ أسْبَابِ دُخُولِ النَّار: تَرْكُ الصَّلاة، ومَا حَذَّرَ اللهُ مِنهُ في قولِه: (مَا سَلَكَكُم في سَقَرَ* قَالُوا لم نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ* وَلم نَكُ نُطعِمُ المِسكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ* حَتى أَتَانَا اليَقِينُ) [المدثر:43-47]. 

ومِنَ الأسبابِ كذلك: أكلُ المَالِ الحَرَام، قالَ (: (إنَّ رِجَالاً يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَة) رواهُ البخاري.

ومِنْ أعظَمِ حَسَراتِ أهلِ النَّار: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) [الأحزاب:66].

ألَا فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، قُوْا أنفُسَكُم وأهلِيكُم نارًا وَقودُها الناسُ والحِجَارة، اتَّقوا النارَ واتَّقوا صفاتِ أهلِها وأعمالَهم وأخلاقَهُم.. واعلَمُوا أنَّ غَمْسَةً وَاحِدةً في النَّارِ تُنْسِي الإنسانَ كُلَّ نَعيمِ الدُّنيا ولَذائذِها وشَهَواتِها؛ ففي الحديثِ عن أنسِ بنِ مالكٍ ( قال: قالَ رسولُ اللهِ (: (يُؤْتَى بأَنْعَمِ أَهلِ الدُّنيا مِنْ أَهلِ النَّارِ يومَ القِيامَة، فيُصْبَغُ في النَّارِ صَبْغَةً ثم يُقَال: يا ابنَ آدم؛ هَل رأيتَ خَيرًا قَطّ؟ هل مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قَطّ؟ فيقول: لا واللهِ يا رب) الحديث.. رواه مسلم.

فاللهم أجرنا من عذاب النار، اللهم أجرنا من عذاب النار، اللهم أجرنا من عذاب النار.. يا مُعيذَ من استعاذَ به: نعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، ونسألك يا رحمنُ رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين..  

اللهم ادفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

النار : تحذير وانذار| خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي