فيلم (أصحاب ولا أعز)، وتراكمية العقل الجمعي
____________________
لم يكن هذا الفيلم الذي حقق خطوات واسعة نحو السينما الغربية ومحاكاتها متجاوزا لحدود الثقافات، والذي أثار جدلا واسعا في الأوساط.. أقول: لم يكن فيلما عابرا عاديا أثار جدلا أو زوبعة في فنجان، بل هو ناتج طبيعي لحِسبة تراكمية بنائية على مرور سنوات طويلة.
ولكي نفهم المسألة بصورة أوضح لابد وأن نتجاوز سطح الظاهرة لنناقش الجذور الإدراكية (التراكمية و التدريجية) التي تم البناء عليها بهدف تشكيل العقل الجمعي.
فمن مظاهر التدريج أو تلك النماذج التدريجية دور "الشاذ" في صناعة السينما المصرية الذي جسَّده يوسف شعبان في ''حمام الملاطيلى'' أو خالد الصاوى في ''عمارة يعقوبيان'' أو فيلم ''أسرار عائلية'' الذي صدر بعد ثورة يناير بعامين ليُكلل مسيرة القضية الشائكة للشواذ جنسيا ''المثليين''.
إلا أنه ثمة فرق كبير وفارق في الأدوار القديمة إلى ما قبل الثورات تقريبا، إذ لم تكن الأفلام القديمة تُحسّن صورة الشواذ بشكل موضوعي، بل كان الشاذ يظهر بصورة الشخص السيئ وغير الطبيعي، أما مع التطور في السنوات الأخيرة - وبعد الثورة- أصبح الشاذ شخصًا لديه حقوق إنسانية يجب أن تُحترم وتلبي رغباته!
وفي كل الأحوال، تطور العقل الجَمعي كان تدريجيا، وكذا التطور الخاص بالعلاقة بين الجنسين، ففي الدراما القديمة كانت فكرة العلاقة بين الجنسين موجودة وبقوة، بل الأفلام كانت قائمة على ذلك، لكن لم يكن هناك ثقافة تقبُل الأهل لهذا العشيق أو مباركة هذا الفعل، إلى أن تدرج الأمر شيئا فشيئا إلى وجود عشيق وعلاقة جنسية كاملة بمعرفة الأب - كما في (أصحاب ولا أعز).. لينصح الأب ابنته بألا تقيم معه علاقة جنسية إلا مع الواقي الذكري. والأم أقنعته بأن يتركها وحريتها.
كانت هذه التراكمية عبر السنين بهدف تمرير هذه الأفكار بالتدريج في العقل الجمعي.
وبالطبع كان من العسير أن يبدؤوا بهذا الفيلم المسمى (أصحاب ولا أعز) في السينما المصرية بشكل مباشر وجاد وصريح ، فوجدوا أن شبكة نيتفلكس ملاذاً آمنا ومعقولا، حتى إذا تمت مهاجمة الفيلم = تذرعوا بأن (نتفليكس) ليست شبكة مصرية، فيُخفف هذا من حدة الهجمات.
إن الذي يتحكم في العقل الجمعي ليس غبياً ولا عشوائيا كما يتصور البعض، بل يسير وفق خطة غاية في الدقة، فهم يعلمون أن الفيلم سوف يُنتقد حتماً، كما أن المثلية والترويج لها انتُقدت، وهم يعلمون ذلك جيداً، لكن الهدف الأسمى من طرح تلك الأفكار = النظر الى المدى الطويل، فمجرد طرح النظرية أولاً سوف يُيسر بعد ذلك فكرة تُقبلها ولو بالتدريج.
وذلك عن طريق مبدأ (فرض سلطان العادة على المألوف ) فكلما تم سماع فكرة معينة تصبح مع الوقت فكرة عادية قد ألفها الناس.
المشكلة الرئيسية ليست في السينما تحديدا، فهي إحدى إفرازات عصر العولمة الذي ظل يتبلور عقودا طويلة بعد عصر الإمبريالية الغربية ، والمشكلة هنا تكمن في العقل الجمعي أو فيما يعرف بالثقافة العامة لدى الشعوب العربية التي تم تشكيلها في العقود الأخيرة تبعا للغزو الفكري والعلمنة الشاملة.
وتبقى العلمانية الشاملة كما يعرفها العبقري دكتور (عبد الوهاب المسيري) : ليست مجرد فصل الدين أو الكهنوت أو هذه القيمة أو تلك عن الدولة أو حتى الحياة العامة، وإنما هي فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية (المتجذرة في نفوس البشر الأسوياء) المتجاوزة لقوانين الحركة والحواس عن العالم، أي عن كل من : الإنسان والطبيعة باعتبارها فلسفة مادية يستوي فيها الإنسان والطبيعة، = ليصبح الكل مجرد مادة محضة نافعة نسبية لا قداسة فيها.
وهنا تُقاس المنفعة الشخصية ب(المتعة) المتحققة تبعا لمركزية الإنسان، المركزية هنا هي مركزية المصلحة، فهم لا يرون الإنسان مركزا للكون - فهو أتفه من ذلك في نظرهم وفي نظر الداروينية- لكن يرون مركزية الإنسان من جهة المنفعة والمتعة المتحققة بعيدا عن أي مفاهيم رسالية أو أخلاقية.
_____
= و بطبيعة الحال (صناعة السينما) لم تكن بمعزل عن تلك التصورات المتجاوزة لحدود الأُطر الأخلاقية سواء كانت دينية أو فطرية (المُستقاة من العادات والتقاليد الشرقية)
وكانت مهمة النخبة القضاء على القيّم الشرقية "الكلاسيكية" على المدى الطويل، فالتدريج كان يلعب دورا هاما آخر عشرين عاما في صناعة السينما، وذلك عن طريق ما يلي:
١). القضاء على الأفكار الشرقية التي كانت لاتزال عالقة في بعض مسلسلات التسعينيات وإحلالها بظهور منتجين آخرين مثل السبكي وغيره بهدف إفساد الذوق العام. وهذه من أهم المحاور التي لعبوا عليها في الفترة السابقة.
٢). تشويه الدراما التقليدية في التسعينيات - التي بدا فيها نوع من تلك القيم الأخلاقية الكلاسيكية كمسلسلات أحمد عبد العزيز أو عبد الله غيث أو غيرهما، عن طريق التندُر على جزئية المبالغة في التمثيل أو ما يعرف بالتمثيل "الأوفر" ، لحث العقل الجمعي على نبذ القديم ووجوب إحلاله بحلول جديدة تواكب الواقع.
٣). إعادة قولبة نماذج جديدة (النماذجية) ، وذلك عن طريق تلميع نماذج أبطال جدد هي من أسوأ النماذج في المجتمع المصري (قعر المجتمع) وتصديرهم على أنهم أبطال يُحتذى بهم.
٤). تصدير القيّم الغربية - العلمانية الشاملة - وبثها في العقل اللاواعي في ثنايا الدراما، كما رأينا.
وتلك االنظرة المادية والتي هي أهم أهداف الأيادي المسيطرة على السينما، فقد وصلت تلك النظرة إلى الذروة في القرن التاسع عشر وظهور علماء مثل داروين ونيتشه ووليام جيمس و "جورج فاشر" الذي انطلق من نظرية المجتمع ككيان عضوي وإن الجنس البشري لا يختلف عن الجنس الحيواني من حيث اشتراكهما في عالم الطبيعة غير أن الإنسان يتميز بالذكاء والسيطرة.
والهدف عندهم من وجود الإنسان في الأرض ليس ذاك الذي يقال في أدبيات الديانات السماوية، إنما الهدف من وجود الإنسان زيادة معرفة قوانين الحركة والطبيعة البشرية والهيمنة عليها من خلال التقدم المستمر الذي لا ينتهي وفق منظومة دولية.
وهي نظرية مبنية على الانتخاب الطبيعي وعلى الصراع الدائم والبقاء للأقوى بدلا من مثاليات الكنيسة.
ثم طرح" فاشر" أن الجنس الآري أو الرجل الأبيض هو الأقوى والاصلح والإنسان المثالي.
وهي ذات الصورة التي صدروها في السينما وأقنعوا بها العقل الجمعي في المجتمعات الإسلامية حتى تبقى تحت وطأة السيطرة والتبعية الوجدانية للغرب. بل والذوبان في تلك الثقافة. وسلخ متعمد للهوية العربية المسلمة عن طريق تصدير قوميات قديمة كالفرعونية ونحوها.
هذا النظام يعمل على قمع الآخر إلى أن يخضع له يتحكم فيه العقل وقانون الأرقام، وهو قانون يستمد مشروعيته من المعارف العلمية المادية بحيث يتحول الواقع بأسره إلى جزء متكامل عضوي تنظمه شبكة المصالح الاقتصادية والعلاقات المادية البحتة.، فيصبح الواقع أشبه ما يكون بالسوق أو المصنع كل شيء محسوب بعد استبعاد كل الاعتبارات غير المادية مثل الغيبيات والمثاليات أو التعامل معها مع كونها أسرار أو طقوس تخص كل شعب على حدة.
وبعد ثورات الربيع العربي، لم تكن فلسفة الثورة مادية فحسب، بل تخطت كل ما يمكن أن يُقال عنه ثورة.
فغدت هناك ثورة معرفية على كل شيء، ثورة على التقاليد، ثورة على الاخلاقيات، ثورة على السوشيال ميديا حيث انتشر الإلحاد والشك في كل شيء، وثورة على المألوف حتى من قِبل بعض الشيوخ ممن قاموا بمراجعات فكرية - زاعمين أنهم بذلك في حالة النضج المعرفي - وفي الحقيقة ما هم إلا في مرحلة مراهقة معرفية- وتقلباتهم الفكرية أكبر دليل على ذلك.
واخيراً الثورة الحقيقية لا تكون على السلطات إنما تكون على الأفكار المتغلغلة كالسرطان في الموسسات والأفراد، ويكون هذا عن طريق إنشاء الإعلام والميديا البديلة والهادفة.
ودمتم
علاء حسن،،