يوم عرفة
يوم المباهاة الإلهية
خُطْبَةٌ عَنْ فَضَائِلِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَعْمَالِهِ
الحمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ لِعِبَادِهِ مَوَاسِمَ لِلطَّاعَاتِ، وَفَتَحَ لَهُمْ أَبْوَابَ الرَّحَمَاتِ، وَخَصَّ بَعْضَ الْأَيَّامِ بِمَزِيدِ الْفَضْلِ وَالْبَرَكَاتِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: يَوْمُ عَرَفَةَ… يَوْمُ الرَّحْمَةِ الْعُظْمَى
عِبَادَ اللَّهِ، مَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟
يَوْمٌ تَنْزِلُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتُقَالُ فِيهِ الْعَثَرَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهِ الزَّلَّاتُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ فِيهِ بِعِبَادِهِ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ.
يَوْمٌ تَرَى فِيهِ الْجِبَالَ قَدِ امْتَلَأَتْ بِالْبَاكِينَ، وَالْوِهَادَ قَدِ ارْتَفَعَ مِنْهَا أَنِينُ التَّائِبِينَ، وَالْقُلُوبُ فِيهِ بَيْنَ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ، وَبَيْنَ دَمْعَةٍ وَدَعْوَةٍ، وَبَيْنَ زَفْرَةِ نَدَمٍ وَرَجَاءِ عَفْوٍ مِنَ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ.
يَوْمُ عَرَفَةَ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَيْسَ يَوْمًا عَادِيًّا، بَلْ هُوَ يَوْمُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، يَوْمُ الْقُرْبِ مِنَ الْغَفَّارِ، يَوْمُ انْكِسَارِ الْقُلُوبِ بَيْنَ يَدَيِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ».
اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَكْثَرُ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ الرِّقَابَ مِنْ جَهَنَّمَ!
فَأَيْنَ الْمُشَمِّرُونَ؟
أَيْنَ الْبَاكُونَ؟
أَيْنَ مَنْ أَثْقَلَتْهُمُ الذُّنُوبُ وَالْخَطَايَا؟
هَذَا يَوْمُكُمْ… فَلَا تُضَيِّعُوهُ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِيُ: يَوْمُ إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ
يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ نَزَلَتْ آيَةٌ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، آيَةٌ لَوْ نَزَلَتْ عَلَى أُمَّةٍ غَيْرِنَا لَاتَّخَذُوا يَوْمَ نُزُولِهَا عِيدًا.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ:
نَزَلَتْ:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ.
فَيَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ عَظِيمٍ!
اكْتَمَلَ فِيهِ الدِّينُ، وَتَمَّتْ فِيهِ النِّعْمَةُ، وَرَضِيَ اللَّهُ فِيهِ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا.
فَكَيْفَ يَلِيقُ بِمُسْلِمٍ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ هَذَا الْيَوْمُ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ؟
كَيْفَ يَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَنْ يَشْغَلَهُ فِيهِ لَهْوٌ أَوْ غَفْلَةٌ أَوْ لَعِبٌ؟
إِنَّهُ يَوْمٌ يَنْبَغِي أَنْ تَخْشَعَ فِيهِ الْقُلُوبُ، وَتَذِلَّ فِيهِ النُّفُوسُ، وَتَنْهَمِرَ فِيهِ الدُّمُوعُ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: فَضْلُ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ
عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ هَذَا الْيَوْمِ: الصِّيَامُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ.
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ:
«أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ».
سَنَتَانِ مِنَ الذُّنُوبِ تُغْفَرُ بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ!
فَمَا أَعْظَمَ كَرَمَ اللَّهِ!
وَمَا أَوْسَعَ رَحْمَتَهُ!
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الْمَعَاصِي…
يَا مَنْ بَعُدَتْ بِكَ الطَّرِيقُ…
يَا مَنْ أَظْلَمَتْ عَلَيْكَ أَيَّامُكَ بِالذُّنُوبِ…
هَذَا يَوْمٌ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَكَ فِيهِ.
فَلَا تَحْرِمْ نَفْسَكَ هٰذَا الْفَضْلَ الْعَظِيمَ.
أَمَّا الْحَاجُّ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ أَنْ لَا يَصُومَ؛ لِيَتَقَوَّى عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْوُقُوفِ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
يَا أَحِبَّةَ الْقُلُوبِ الْمُنِيبَةِ،
إِنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمُ دُعَاءٍ وَابْتِهَالٍ، يَوْمُ انْكِسَارٍ وَسُؤَالٍ، يَوْمُ مَدِّ الْأَكُفِّ إِلَى السَّمَاءِ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ».
فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ الْأَبْوَابَ مَفْتُوحَةٌ، وَالرَّحْمَاتِ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمَلِكَ الْكَرِيمَ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟
ادْعُوا لِأَنْفُسِكُمْ، وَلِوَالِدِيكُمْ، وَلِأَوْلَادِكُمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ.
ادْعُوا وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ.
وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ:
«لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: أَحْوَالُ السَّلَفِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعْرِفُونَ قَدْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِيهِ بِقُلُوبٍ وَجِلَةٍ، وَأَعْيُنٍ بَاكِيَةٍ.
كَانَ بَعْضُهُمْ إِذَا جَاءَ يَوْمُ عَرَفَةَ لَا يُرَى إِلَّا بَاكِيًا، يَقُولُ:
«مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي هٰذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى يُغْفَرُ لَهُ؟».
اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَيُّ قَلْبٍ هٰذَا؟
وَأَيُّ شُعُورٍ بِالْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ؟
أَيْنَ نَحْنُ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ أَعْظَمَ الْمُصِيبَةِ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِمْ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ تُغْفَرْ ذُنُوبُهُمْ؟
يَا مِسْكِينَ الذُّنُوبِ،
لَا تَدَعْ يَوْمَ عَرَفَةَ يَمُرُّ وَقَلْبُكَ مُعَلَّقٌ بِالدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى، وَالْعُمُرَ يَنْقَضِي، وَالْقَبْرَ يَنْتَظِرُ، وَاللَّهُ يَدْعُوكَ إِلَى بَابِهِ.
الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: أَعْمَالٌ تُسْتَحَبُّ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ هٰذَا الْيَوْمِ:
التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ.
الصِّيَامُ لِغَيْرِ الْحَاجِّ.
الْإِكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.
الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ.
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
الصَّدَقَةُ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ.
صِلَةُ الْأَرْحَامِ.
تَرْكُ الْخُصُومَاتِ وَالْمَظَالِمِ.
فَإِنَّ الْقُلُوبَ لَا تَصْفُو حَتَّى تَتَخَلَّصَ مِنْ أَوْسَاخِ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالظُّلْمِ.
الْخَاتِمَةُ
فَيَا مَنْ أَدْرَكْتَ يَوْمَ عَرَفَةَ، هَنِيئًا لَكَ إِنْ عَرَفْتَ قَدْرَهُ.
وَيَا مَنْ بَلَّغَكَ اللَّهُ هٰذَا الْمَوْسِمَ، فَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِتَوْبَةٍ صَادِقَةٍ.
لَعَلَّهُ آخِرُ عَرَفَةَ فِي حَيَاتِنَا.
لَعَلَّنَا فِي الْعَامِ الْقَادِمِ نَكُونُ تَحْتَ التُّرَابِ، قَدِ انْقَطَعَ الْعَمَلُ، وَأُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ.
فَاغْتَنِمُوا السَّاعَاتِ، وَاسْتَدْرِكُوا الْبَاقِيَ مِنَ الْأَعْمَارِ، وَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنَ الْمَغْفُورِ لَهُمْ، وَمِنَ الْمُعْتَقِينَ مِنَ النَّارِ، وَمِنَ الْمَقْبُولِينَ الْفَائِزِينَ.
اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
.png)