فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيْناً
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ".
أَمَّا بَعْدُ: عباد الله، تَعْظُمُ قِيمَةُ الْشَّيْءِ بِبَقَائِهِ وَانْتِفَاعِ الْنَّاسِ بِهِ.. فَإِذَا خَسِرَ الْإِنْسَانُ شَيْئَاً ذَا قِيْمَةٍ كَانَتْ خَسَارَتُهُ عَظِيْمَةً. وَخَسَارَةُ المَرْءِ لِشَيْءٍ قَلِيْلٍ مِنْ مَالِهِ لَيْسَتْ كَخَسَارَتِهِ لِجُلِّ مَالِهِ أَوْ كُلِّهِ، وَخَسَارَتُهُ لِمَالِهِ لَيْسَتْ كَخَسَارَتِهِ لِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ؛ إِذْ يُنْفِقُ الرَّجُلُ كُلَّ مَالِهِ لِسَلَامَتِهِمْ، وَخَسَارَةُ الزُّعَمَاءِ لِسُلْطَانِهِمْ وِجَاهِهِمْ أَشَدُّ عَلَى نُفُوْسِهِمْ مِنْ خَسَارَةِ أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ.
وَالْخَسَارَةُ مُرٌّ مَذَاقُهَا، وَشَدِيْدٌ عَلَى الْخَاسِرِ وَطْؤُهَا، فَهِيَ مَجْلَبَةُ الْهَمِّ وَالْغَمِّ، وَهِيَ بَوَّابَةُ الْيَأْسِ وَالْتَعَاسَةِ، وَهِيَ سَبَبُ الْتَّشَفِّي وَالْشَّمَاتَةِ؛ فَلَا يَشْمَتُ الْإِنْسَانُ بِعَدُوِّهِ إِلَّا حَالَ خَسَارَتِهِ.
لَقَدْ ذَاقَ كَثِيْرٌ مِنَ الْنَّاسِ مُرَّ الْخَسَارَةِ، وَعَاشُوا هَمَّهَا وَغَمَّهَا.. فِي مَالٍ خَسِرُوهُ، أَوْ حَبِيبٍ فَقَدُوهُ، أَوْ جَاهٍ نُزِعُوا مِنْهُ.
وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قَدْ عَالَجَ قَضِيَّةَ الْخُسْرَانِ، وَفَصَّلَ لَنَا رَبُّنَا سُبْحَانَهُ فِيْهِ أَنْوَاعَ الْخَسَارَةِ لِمَعْرِفَتِهَا، وَبَيَّنَ لَنَا أَسْبَابَهَا لِاجْتِنَابِهَا.
وَأَعْظَمُ الْخَسَارَةِ خَسَارَةُ الْدِّينِ؛ لِتَعَلُّقِ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ بِهِ سَعَادَةً وَشَقَاءً، فَمَنْ رَبِحَ الْدِّيْنَ سَعِدَ، وَمَنْ خَسِرَهُ شَقِيَ [الَّذِيْنَ خَسِرُوَا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُوْنَ] {الْأَنْعَامِ:20} فَجَعَلَ خَسَارَةَ الْنَّفْسِ فِيْ فَقْدِ الْإِيْمَانِ.
تَأَمَّلُوْا -عِبَادَ الله- الْتَّعْبِيْرَ الْقُرْآنِيَّ الْبَلِيغَ حِيْنَ جَعَلَ خَسَارَتْهُمُ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ خَسَارَتَهُم لِأَنْفُسِهِمْ.. وَيَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ الْقَارِئِ وَالْسَّامِعِ: كَيْفَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مَعَ أَنَّهَا مَوْجُوْدَةٌ؟
إِنَّ مُجَرَّدَ الَوُجُوْدِ لَا يُحَقِّقُ الْسَّعَادَةَ، بَلِ الْعَدَمُ وَالْفَنَاءُ أَهْوَنُ مِنْ الْوُجُوْدِ مَعَ الْشَّقَاءِ؛ وَلِذَلِكَ يَتَمَنَّى الْخَاسِرُوْنَ الْفَنَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [وَيَقُوْلُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابَاً] وَيَطْلُبُونَهُ وَهُمْ فِي الْنَّارِ [وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ].
وَفِيْ آَيَاتٍ أُخْرَى ضُمَّ إِلَى خَسَارِتِهِم لِأَنْفُسِهِمْ خَسَارَتُهُم لِأَهْلِهِمْ [إِنَّ الْخَاسِرِيْنَ الَّذِيْنَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الْظَّالِمِيْنَ فِيْ عَذَابٍ مُقِيْمٍ] فَكُلُّ إِنْسَانٍ يَسْعَى فِيْ نَفْعِ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَيَأْنَسُ بِهِمْ مَا لَا يَأْنَسُ بِسِوَاهُمُ، وَيُحِبُّهُمْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَلَمَّا قَصَّرَ الْخَاسِرُوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيْ إِيْصَالِ أَعْظَمِ نَفْعٍ لِأَهْلِيْهِمْ وَأَوْلادِهِمْ فِي الْدُّنْيَا وَهُوَ الْإِيْمَانُ وَالْعَمَلُ الْصَّالِحُ؛ كَانَتْ رُؤْيَتُهُمْ لَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُوْنَ فِيْ الْنَّارِ مَعَهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْخُسْرَانِ الَّذِيْ أَصَابَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوْا سَبَبَاً فِيْ أَلَمِهِمْ وَعَذَابِهِمْ.
فَإِذَا هَدَى اللهُ تَعَالَى الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ فِيْ الْدُّنْيَا فَلَمْ يَتَّبِعُوْا آَبَاءَهُمْ، وَنُجُّوا مِنَ الْعَذَابِ بِصَلَاحِ أَعْمَالِهِمْ؛ كَانَ ذَلِكَ عَذَابَاً وَخُسْرَانَاً عَلَى أَوْلِيَائِهِمُ المُعَذَّبِيْنَ لِفَقْدِهِمْ فِيْ الْآَخِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا عَمَلَهُمْ فِيْ الْدُّنْيَا، فَيُلْحَقُوا بِهِمْ فِي الْنَّعِيمِ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ نَعِيْمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ تُلْحَقَ بِهِمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ المُؤْمِنَةُ، فَيُرْفَعُوا إِلَى مَنَازِلِ آبَائِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوْهَا بِأَعْمَالِهِمْ [وَالَّذِينَ آمَنُوْا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيْمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ] وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْنَّارِ.
وَأَسْبَابُ الْخُسْرَانِ فِي الْآَخِرَةِ كَثِيْرَةٌ، وَهُوَ خُسْرَانٌ مُتَفَاوِتٌ بِحَسَبِ أَعْمَالِ الْنَّاسِ فِيْ الْدُّنْيَا.. وَطَاعَةُ الْشَّيْطَانِ هِيَ أَصْلُ الْخُسْرَانِ، وَأَسَاسُ الْإِفْلَاسِ [وَمَنْ يَتَّخِذِ الْشَّيْطَانَ وَلِيَّاً مِنْ دُوْنِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانَاً مُّبِيْنَاً] لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْتَّكْذِيبِ بِلِقَاءِ الله تَعَالَى، وَيَدْعُو لِلْكُفْرِ بِالْقُرْآنِ وَمَا فِيْهِ مِنَ الْهُدَى وَالرَّشَادِ وَلَا يَكْتَفِي مِنْهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلَهُمْ مِنْ دُعَاةِ الْبَاطِلِ وَأَنْصَارِهِ المُحَارِبِيْنَ لِلْحَقِّ وَأَتْبَاعِهِ [وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوْا بِالله أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ] {الْعَنْكَبُوْتِ:52}.
وَالْشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ لِلْإِنْسَانِ تَرَكَ الطَّاعَاتِ، وَإِتْيَانَ المُحَرَّمَاتِ، حَتَّى تَخِفَّ مَوَازِينُهُ فَيَخْسَرَ [وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِيْ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ]
وَمِنْ أَسْبَابِ الْخُسْرَانِ: اتِّبَاعُ قُرَنَاءِ الْسُّوْءِ، وَطَاعَةُ شَيَاطِيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ[وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيْ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوْا خَاسِرِيْنَ] {فُصِّلَتْ:25}.
وَطَاعَةُ الْخَاسِرِيْنَ سَبَبٌ لَلْخَسَارَةِ، فَمَنْ رَأَى خَاسِرَاً فِيْ تِجَارَتِهِ بِسَبَبِ تَخْبُطِهِ هَلْ يُطِيْعُهُ أَوْ يُسَلِّمُهُ مَالَهُ فَيَخْسَرُ مِثْلَهُ؟ كَلَّا؛ فَالْعُقَلَاءُ لَا يَفْعَلُوْنَ ذَلِكَ، فَمَا بَالُ كَثِيْرٍ مِنَ الْنَّاسِ يُطِيْعُوْنَ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِيْنَ مَعَ يَقِيْنِهِمْ بِخُسْرَانِهِمْ، وَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ تَعَالَىْ مِنْ ذَلِكَ [يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوَا إِنْ تُطِيْعُوْا الَّذِيْنَ كَفَرُوا يَرُدُّوْكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِيْنَ] {آَلِ عِمْرَانَ:149}.
وَمِنْ أَسْبَابِ الْخُسْرَانِ: الِاشْتِغَالُ بِالمَالِ وَالْوَلَدِ عَنِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَإِهْمَالُ الْبَاقِيَاتِ الْصَّالِحَاتِ [يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُوْنَ] {الْمُنَافِقُوْنَ:9}.
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الْخُسْرَانِ الَّتِيْ نَبَّهَ عَلَيْهَا الْنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَضْيِيْعُ الْصَّلَوَاتِ المَفْرُوْضَةِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» رَوَاهُ الْنَّسَائِيُّ وَالْتِّرْمِذِيُّ.
وَمِنَ الْخُسْرَانِ أَنْ يَتَعَامَلَ الْإِنْسَانُ مَعَ دِينِ الله تَعَالَىْ تَعَامُلَاً مَصْلَحِيّاً؛ فَيُسَخِّرَ دِيْنَهُ لِخِدْمَةِ دُنْيَاهُ، وَيَتَمَسَّكَ بِهِ فِي الْنَّعْمَاءِ، وَيَنْحَرِفَ عَنْهُ فِي الْضَّرَّاءِ، وَقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي المُنْتَكِسِينَ عَنْ دِينِهِمْ، النَّاكِصِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَمُعَامَلَةُ الله تَعَالَى بِهَذِهِ الْطَّرِيْقَةِ سَبَبٌ لِلْخُسْرَانِ المُبِيْنِ [وَمِنَ الْنَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الْدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ المُبِيْنُ] {الْحَجِّ:11}.
نَعُوْذُ بِالله تَعَالَى مِنَ الْخُذْلَانِ وَالْخُسْرَانِ، وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ الْإِخْلَاصَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الْحَقِّ إِلَى المَمَاتِ، إِنَّهُ سَمِيْعٌ مُجِيْبٌ.
أَقُوْلَ مَا تَسْمَعُوْنَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الْثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لله حَمْدَاً طَيِّباً كَثِيْراً مُبَارَكاً فِيْهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الْدِّينِ..
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا المُسْلِمُوْنَ: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الْسَّلَامُ يَخَافُوْنَ الْخُسْرَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى أَقْوَامِهِمْ، وَكَانُوا يُحَذِّرُوْنَ الْنَّاسَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَسَارَةِ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى الرِّبْحِ وَالْفَلَاحِ.
كَانُوا يَعْلَمُوْنَ أَنَّ خَسَارَةَ بَنِي آَدَمَ هِيَ فِيْ غَضَبِ الله تَعَالَىْ عَلَيْهِمْ، وَمَقْتِهِ لَهُمْ بِسَبَبِ ذُنُوْبِهِمْ؛ وَلِذَا فَإِنَّ الْأَبَوَيْنِ الْكَرِيْمَيْنِ عَلَيْهِمَا الْسَّلامُ لمَّا أَكَلَا مِنَ الْشَّجَرَةِ بَادَرَا بِالِاسْتِغْفَارِ خَوْفاً مِنَ الْخُسْرَانِ، وَرَجَاءَ الْغُفْرَانِ وَلمَّا أَرَادَ نُوحٌ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ نَجَاةَ ابْنِهِ دَعَا لَهُ بِهَا، فَوَعَظَهُ رَّبُّهُ سُبْحَانَهُ مُخْبِراً إِيَّاهُ أَنْ ابْنَهُ مُشْرِكٌ فَلَيْسَ مِنْهُ، فَبَادَرَ نُوْحٌ بِالِاسْتِغْفَارِ خَوْفَ الْخُسْرَانِ وَهُودٌ عَلَيْهِ الْسَّلَامُ لمَّا دَعَا قَوْمَهُ لِلْإِيْمَانِ فَعَصَوْهُ وَدَعُوْهُ لِلْمَعْصِيَةِ بِيَّنَ لَهُمْ أَنْ الْخُسْرَانَ إِنَّمَا يَكُوْنُ بِمَعْصِيَةِ الله تَعَالَى، وَأَنَّهُ إِنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ خَسِرَ.
وَمِنَ الْخُسْرَانِ مَا يَكُوْنُ فِيْ الدُّنْيَا حِيْنَ يَأْمَنُ الْنَّاسُ مَكْرَ الله تَعَالَىْ، وَلَا يَتَّقُوْنَ غَضَبَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَا يَخَافُوْنَ عَذَابَهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَيَنْزِلُ بِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَيَخْسَرُونَ أَمْنَهُمْ وَرِزْقَهُمْ، وَلَرُبَّمَا أَتَى الْخُسْرَانُ عَلَى أَهْلِيْهِمْ وَأَوْلادِهِمْ [أَفَأَمِنُوا مَكْرَ الله فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُوْنَ] {الْأَعْرَافِ:99}.
وَتِلْكَ خَسَارَةُ الْدُّنْيَا الَّتِي قَدْ تَتْبَعُهَا خَسَارَةُ الْآَخِرَةِ إِنْ هَلَكُوْا قَبْلَ أَنْ يَتُوْبُوْا مِنْ ذُنُوْبِهِمْ [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ إِلَّا الَّذِيْنَ آَمَنُوْا وَعَمِلُوْا الْصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالْصَّبْرِ] جَعَلَنَا اللهُ تَعَالَىْ وَوَالِدَيْنَا وَأَهْلَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنْهُمْ، وَثَبَّتَنَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ نَلْقَاهُ، آَمِيْنَ يَا رَبَّ الْعَالَمِيْنَ.
عبادَ الله، صلُّوا بعدَ ذلكَ عَلَى الهَادِي البَشِير، والسِّراج المنير.
اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ،
اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الشركَ والمشركينَ ودَمِّرْ أعداءَ الدِّينِ.