موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

محرم ويوم عاشوراء| خطبة الجمعة مكتوبة

 إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيرا. أما بعد: فاتقوا اللهَ عبادَ الله، فإنَّ مَن اتَّقى اللهَ وَقَاه، وكَفَاهُ عَذَابَ آخِرَتِه وفِتَنَ دُنيَاه.

أيُّها المسلمون: هَا أَنتُمْ ودَّعْتُمْ عامًا، وتَستقبِلونَ عامًا آخَر، وذلك كلُّه مِنْ أعمالِكُم وأعْمَارِكُم، عَامًا مضى بما أودَعتُموهُ مِنْ عَملٍ، فمَنْ أحسَنَ فلْيَهنَأْ، ولْيَحْمَدِ الله ولْيَزْدَدْ، وخيرُ الزَّادِ التقوى، ومَنْ كانَ غيرَ ذلك؛ فلا يَزالُ في الأجَلِ فُسْحَةٌ، فلْيَسْتَعْتِبْ، وربُّكم يَتوبُ على مَنْ تابَ

اللهم اجعل عامَنا عامَ خيرٍ وبرَكة، وأيامَنا أيامَ أمنٍ وأمان، وسلامةٍ وإسلام، اللهم وفِّقنا فيه لصالحِ العمل، وجنّبنا الفتنَ ما ظهر منها وما بطَن، يا رب العالمين.

عبادَ الله: ها أنتُم في عامٍ جَديد، بدايتُه شهرٌ حَرام، ونهايتُه شهرٌ حرام.. 

فشَهرُ مُحرَّم مِنَ الأشهُرِ الحُرمِ، التي قال اللهُ فيها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) [التوبة: 36]. 

قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنه: "فجَعلَهُنَّ حَرَامًا، وعظَّمَ حُرُمَاتِهنّ، وجعلَ الذَّنْبَ فيهنَّ أعظم، والعمَلَ الصالحَ والأجرَ أعظم".

ومِنْ فضائلِ شَهرِ اللهِ المُحَرَّم: أنَّهُ يُستَحَبُّ الإكثارُ فيه مِن صيامِ النَّافِلَة، قال صلى الله عليه وسلم : "أفضَلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ: شهرُ اللهِ المُحَرَّم".  

ومِنْ فضائلِه أيضا: أنَّ فيهِ يومُ عَاشُورَاء، وهو يَومٌ عَظِيمٌ، وَصِيَامُهُ عَمَلٌ صَالحٌ، وَسُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ كَرِيمَةٌ، سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما عن صِيَامِ عَاشُورَاءَ فقال: ما عَلِمتُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صامَ يومًا يَطلُبُ فَضلَهُ على الأيَّامِ إلاَّ هذا اليومَ. 

وبَيَّنَ عليه الصلاةُ والسلامُ أنَّ صِيَامَ هذا اليومِ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَةٍ كامِلَةٍ، فقال: "صِيَامُ عَاشُورَاءَ أَحتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبلَهُ".

وإنَّ مِنَ السُّنَّةِ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- أنْ يُصَامَ مَعَ عَاشُورَاءَ يومٌ قَبلَهُ أو بَعدَهُ، فَعَنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: حِينَ صَامَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَومَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قالُوا: يا رسولَ الله، إنَّهُ يومٌ تُعَظِّمُهُ اليهودُ والنَّصَارَى، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : "فإذا كانَ العَامُ المُقبِلُ إن شاءَ اللهُ صُمنَا اليومَ التَّاسِعَ"، قال: فَلَم يَأتِ العَامُ المُقبِلُ حتى تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. 

ورَوى البخاريُّ في فَضلِ يومِ عاشوراء؛ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ فرَأى اليهودَ تَصومُ يومَ عاشوراءَ، فقال: ما هذا؟

 قالوا: هذا يومٌ صالِحٌ، هذا يومٌ نجَّى اللهُ بني إسرائيلَ مِن عَدوِّهم، فصَامَهُ موسى. 

قال: فأنا أَحَقُّ بموسى منكم، فصَامَهُ وأَمَر بصِيَامِه.

قال الله في بيانِ بعضٍ مِن أحداثِ ذلك اليوم العظيم: (وَأَوحَينَا إِلىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ * فَأَرسَلَ فِرعَونُ في المَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُم لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخرَجنَاهُم مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَورَثنَاهَا بَني إِسرائِيلَ * فَأَتبَعُوهُم مُشرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدِينِ * فَأَوحَينَا إِلى مُوسَى أَنِ اضرِبْ بِعَصَاكَ البَحرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ * وَأَزلَفنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنجَينَا مُوسَى وَمَن مَعَهُ أَجمَعِينَ * ثُمَّ أَغرَقنَا الآخَرِينَ * إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُؤمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ).

وعن يونس بن أبي إسحاق ، أنه تلا قول الله عز وجل : ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون   ) الآيات . 

فقال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ، عن أبيه قال : نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأعرابي فأكرمه ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تعهدنا ائتنا " فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما حاجتك ؟ " 

فقال : ناقة برحلها وبحر لبنها أهلي . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " عجز هذا أن يكون كعجوز بني إسرائيل " .


فقال له أصحابه : ما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله ؟ فقال : " إن موسى حين أراد أن يسير ببني إسرائيل ضل عنه الطريق فقال لبني إسرائيل : ما هذا ؟ قال : فقال له علماء بني إسرائيل : إن يوسف - عليه السلام - حين حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله أن لا نخرج من مصر حتى تنقل عظامه معنا . 

فقال موسى : أيكم يدري أين قبر يوسف ؟ فقال علماء بني إسرائيل : ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى فقال : دلينا على قبر يوسف. 

قالت : لا والله حتى تعطيني حكمي.

 فقال لها : ما حكمك ؟

 قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة. 

فكأنه كره ذلك. 

قال : فقيل له : أعطها حكمها، فأعطاها حكمها فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء، فقالت لهم أنضبوا هذا الماء.

فلما أنضبوا قالت لهم : احفروا. 

فحفروا فاستخرجوا عظام يوسف، فلما أن أقلوه من الأرض إذ الطريق مثل ضوء النهار " .

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه


نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا. 

أمَّا بَعدُ أيُّها المسلمون: فالْزَمُوا تقوَى اللهِ في سِرِّكُم وجَهْرِكُم، وفي جميعِ شأنِكُم، واعلموا أنَّ تَرْكَ الخطيئةِ خَيرٌ مِن طَلَبِ التوبة، ورُبَّ شَهوةِ سَاعةٍ أورَثَت حُزنًا طَويلًا، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

فَاتقوا الله -عباد الله- واقتَدُوا بِنَبِيِّكُم صلى الله عليه وسلم وصُومُوا عَاشُورَاءَ، والذي سَيوافِقُ الخميس القَادِم، وصُومُوا التَّاسِعَ وهو يومُ الأربعاء، أو الحَادِيَ عَشَرَ وهو يومُ الجُمُعة، أو كِلاهُمَا مَعَ عَاشُورَاءَ، فإنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلاً، ومَنِ اقْتَصَرَ على صيامِ اليومِ العَاشرِ فلا حَرَج.


ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيكم محمدٍ رسول الله، فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال -وهو الصادقُ في قِيلِه- قولاً كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].


اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبينا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين، اللهم وعُمَّ بالأمن والرخاء جميعَ أوطان المسلمين، يا رب العالمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. 

اللهم ادفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمِحَن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


محرم ويوم عاشوراء| خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي