موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

العز بن عبدالسلام ( سلطان العلماء وبائع الأمراء )

العز بن عبد السلام
سلطان العلماء وبائع الأمراء 
 هو الإمام : عبد العزيز بن عبد السلام ابن أبي القاسم بن الحسن بن مهذّب، الشيخ العلاّمة وحيد عصره عز الدين أبو محمد السُّلَمي الدمشقي ثم المصري ، [[ الأشعري ]] والمشهور بالعز بن عبد السلام 
 حياة العز بن عبدالسلام : 
 ولد في عام 577 هـ، و توفي في عام 660هـ، وعاش في الشام، و مات في مصر،  
"سلطان العلماء" 
  لُقِّب به من قِبَل أحد تلاميذه وهو الشيخ المعروف الإمام ابن دقيق العيد .
لقد جدّد السلطان العز بن عبد السلام الإنكار العملي على السلاطين والأمراء، وكان ينكر عليهم أحياناً علنًا وأمام العامة لاسيما المنكر العلني . 
العز بن عبدالسلام - رحمه الله - كان ينطلق من مبدأ صريح، وموقف واضح عَبَّر عنه في كلام له حيث قال : " فإنّا نزعم أنَّا من جملة حزب الله - عز وجل - ، وأنصار دينه وجنده، والجندي إذا لم يخاطر بنفسه فليس بجندي"  .
.موقفه مع الملك الصالح إسماعيل :
عندما كان العز بن عبد السلام في دمشق كان الحاكم رجلاً يقال له : "الملك الصالح إسماعيل" من بني أيوب، فولّى العز بن عبد السلام خطابة الجامع الأموي، وبعد فترة قام الملك الصالح إسماعيل هذا بالتحالف مع الصليبيين، فحالفهم وسلّم لهم بعض الحصون، كقلعة الشَّقِيف، وصَفَد، وبعض الحصون، وبعض المدن وذلك من أجل أن يستعين بهم على قتال الملك الصالح أيوب في مصر.
فلما رأى العز بن عبد السلام هذا الموقف الخائن، لم يصبر فصعد على المنبر، وتكلّم وأنكر على الصالح إسماعيل تحالفه مع الصليبيين، وقالها له صريحة، وقطع الدعاء له في الخطبة، بعدما كان اعتاد أن يدعو له، وختم الخطبة بقوله : 
"اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا تُعِزُّ فيه وليَّك ، وتُذِلُّ فيه عدوَّك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر" . ثم نزل .
وعرف الأمير الملك الصالح إسماعيل أنه يريده، فغضب عليه غضبًا شديدًا، وأمر بإبعاده عن الخطابة، وسجنه، وبعدما حصل الهرج والمرج، واضطرب أمر الناس، أخرجه من السجن ومنعه من الخطبة بعد ذلك .
وخرج العز بن عبدالسلام من دمشق مغضبًا إلى جهة بيت المقدس، وصادف أن خرج الملك الصالح إسماعيل إلى تلك الجهة أيضًا والتقى أمراء النصارى قريبًا من بيت المقدس، فأرسل رجلاً من بطانته وقال له : اذهب إلى العز بن عبدالسلام، ولاطِفْهُ ولايِنْهُ بالكلام الحسن، واطلب منه أن يأتي إليّ، ويعتذر مني، ويعود إلى ما كان عليه، فذهب الرجل إلى العز بن عبد السلام وقال له : ليس بينك وبين أن تعود إلى منصبك وأعمالك وزيادة على ما كنت عليه، إلا أن تأتي وتُقَبِّل يد السلطان لا غير .
 فضحـك العز بن عبدالسلام ضحكة السـاخر وقال: "يا مسكين، والله ما أرضى أن يُقَبِّلَ الملك الصالح إسماعيل يدي فضلاً عن أن أُقَبِّلَ يده، يا قومُ أنا في واد، وأنتم في واد آخر، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به".
قال: إذًا نسجنك، فقال : "افعلوا ما بدا لكم"  فأخذوه وسجنوه في خيمة، فكان يقرأ فيها القرآن ويَتَعَبَّد ويذكر الله تعالى . 
وفي إحدى المرات كان الملك الصالح إسماعيل قد عقد اجتماعاً مع بعض زعماء  الصليبيين، وكان اجتماعهم قريباً من العز بن عبدالسلام بحيث يسمعون قراءته للقرآن ، 
فقال: هل تسمعون هذا الذي يقرأ؟ قالوا: نعم. فقال متفاخرًا: هذا هو أكبر قساوسة المسلمين سَجَنَّاه؛ لأنه اعترض علينا في محالفتنا لكم، وتسليمنا لكم بعض الحصون والقلاع، واتفاقنا معكم على قتال المصريين.
فقالوا له : والله لو كان هذا القسيس عندنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقته !
وحدث أن الصليبيين دخلوا شوارع دمشق ومدنها، وتجوَّلوا في أسواقها ودكاكينها، وكانوا يشترون الأسلحة من المسلمين؛ ولذلك وُجِّه إليه الاستفتاء : هل يجوز أن نبيع السلاح للنصارى ؟
فأفتى - رحمه الله - بأن بيع السلاح إليهم لا يجوز؛ لأن من يبيعهم السلاح يعلم أنهم سوف يصوِّبون هذه الأسلحة إلى صدور المسلمين . 
العزّ بن عبد السلام  في مصر
ولما وصل العزّ بن عبد السلام إلى مصر سنة 639هـ ، ورحّب به الملك الصالح نجم الدين أيوب وأكرم مثواه، ثم ولاّه الخطابة والقضاء . وكان أول ما لاحظه العزّ بعد توليه القضاء قيام الأمراء المماليك، وهم مملوكون لغيرهم، بالبيع والشراء وقبض الأثمان والتزوّج من الحرائر، وهو ما يتعارض في نظره مع الشرع الإسلامي، إذ هم في الأصل عبيد لا يحق لهم ما يحق للأحرار. 
فامتنع أن يمضي لهم بيعاً أو شراء، فتألّبوا عليه وشكوه إلى الملك الصالح الذي لم تعجبه بدوره فتوى العزّ، فأمره أن يعْدل عن فتواه، فلم يأتمر بأمره، بل طلب من الملك ألا يتدخل في القضاء إذ هو ليس من شأن السلطان، وأدّى به أنكاره لتدخّل السلطان في القضاء أن قام فجمع أمتعته ووضعها علي حماره ثم قال : «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» ؟ إشارة منه إلى الآية القرآنية. 
ويرْوى أنّه تجمّع أهل مصر حوله، واستعدّ العلماء والصلحاء للرحيل معه، فخرج الملك الصالح يترضّاه، وطلب منه أن يعود وينفذ حكم الشرع.
 فاقترح العزّ على الأمراء المماليك أن يعقد لهم مجلساً وينادي عليكم بالبيع لبيت مال المسلمين.
 وعندما نصحه أحد أبنائه بأن لا يتعرّض للأمراء خشية بطشهم، ردّ عليه بقوله: «أأبوك أقلّ من أن يُقتل في سبيل الله؟».
وفي آخر دولة الأيوبيين تولت الحكم امرأة هي شجرة الدر، في تجربة تعدّ الثّالثة في تاريخ الإسلام بعد تولي رضية الدين سلطنة دلهي 634 هـ - 638 هـ، وأروى بنت أحمد الصليحي باليمن 492 هـ - 532 هـ وكان العزّ بن عبد السلام من الذين استنكروا الأمر وعارضوه جهرة، لاعتقاده مخالفة ذلك للشرع ، ولم يدم حكم شجرة الدرّ سوى 80 يوماً، إذ تنازلت على عرشها للأمير عز الدين أيبك الذي تزوّجته وبقيت تحكم من خلاله .
وبعد وصول قطز لسدّة الحكم في مصر، وظهور خطر التتار ووصول أخبار فظائعهم، عمل العزّ على تحريض الحاكم واستنفاره لملاقاة التتار الزاحفين .
 ولما أمر قطز بجمع الأموال من الرّعية للإعداد للحرب، وقف العزّ بن عبد السلام في وجهه، وطالبه ألا يؤخذ شيئا من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم المقادير التي تتناسب مع غناهم حتى يتساوى الجميع في الأنفاق، فنزل قطز على حكم العزّ بن عبد السلام .
 موقفه مع الصالح أيوب:
خرج العز بن عبد السلام بعد ذلك إلى مصر، واستقبله نجم الدين أيوب، وأحسن استقباله، وجعله في مناصب ومسؤوليات كبيرة في الدولة .
وكان المتوقع أن يقول العز بن عبد السلام : هذه مناصب توليتها، ومن المصلحة أن أحافظ عليها حفاظًا على مصالح المسلمين، وألاَّ أعكِّر ما بيني وبين هذا الحاكم، خاصة أن الملك الصالح أيوب -مع أنه رجل عفيف وشريف- إلا أنه كان رجلاً جبارًا مستبدًّا شديد الهيبة، حتى إنه ما كان أحدٌ يستطيع أن يتكلم بحضـرته أبدًا، ولا يشفع لأحد، ولا يتكلم إلا جوابًا لسؤال، حتى إن بعض الأمراء في مجلسه يقولون : والله إننا دائمًا نقول ونحن في مجلس الملك الصالح أيوب : لن نخرج من المجلس إلا إلى السجن ؛ فهو رجل مهيب، وإذا سجـن إنسانًا نسيـه، ولا يستطيع أحد أن يكلِّمه فيه، أو يذكره به، وكان له عظمة وأبهة، وخوف وذعر في نفوس الناس، سواءً الخاصة منهم والعامة، فماذا كان موقف العز بن عبدالسلام معه؟ 
في يوم العيد خرج موكب السلطان يجوس في شوارع القاهرة، والشرطة مصطفّون على جوانب الطريق والسيوف مُصْلتة، والأمراء يقبّلون الأرض بين يدي السلطان هيبة وأبهة -وهذه كانت عادة سيئة موجودة عند الأمراء في ذلك الوقت - ، وهنا وقف العز بن عبد السلام وقال : يا أيوب؛ هكذا باسمـه مجردًا بلا ألقاب، فالتفت الحاكم ليرى : من الذي يخاطبه باسمه الصريح، بلا مقدمات ، ولا ألقاب ؟ ثم قال له العزّ: ما حُجَّتُك عند الله - عز وجل - غدًا إن قال لك: ألم أُبَوِّئْكَ ملك مصر، فأبحت الخمور؟ فقال: أو يحدث هذا في مصر؟ قال: نعم، في مكان كذا، وكذا، حانة يباع فيها الخمر وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة؟
فقال: يا سيدي، أنا ما فعلت هذا، إنما هو من عهد أبي، فَهَزَّ العز بن عبد )السلام رأسه وقال: إذن أنت من الذين يقولون : ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22] ، فقال: لا، أعوذ بالله ، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا، ومنع بيع الخمور في مصر .
وعندما رجع العز بن عبدالسلام إلى مجلس درسه جاءه أحد تلاميذه يقال له: "الباجي" يسأل: كيف الحال ؟ قال: بخير والحمد لله. قال: كيف فعلت مع السلطان؟ قال : يا ولدي، رأيت السلطان وهو في أبهة وعظمة، فخشيت أن تكبر عليه نفسه فتؤذيه، فأردت أن أهينها .
فقال له تلميذه الباجي : يا سيدي، أما خِفْتَه ؟ قال : "لا والله يا بني، استحضرت عظمة الله - عز وجل - وهيبته فرأيت السلطان أمامي كالقط!" .
موقفه مع أمراء المماليك:
وهناك موقف آخـر يعدُّ من أعجب مواقفه - رحمه الله -، فقد كان المماليك هم الذين يحكمون مصر في عصر العز بن عبد السلام فالحكومة الحقيقية كانت في أيديهم، فقد كان نائب السلطنة مملوكيًّا، وكذلك أمراء الجيش والمسؤولون كلهم مماليك في الأصل وفيهم من لم يثبت تحرره من الرق . 
وكان العز بن عبد السلام كبير القضاة بمصر، فكان كلما جاءته رقعة فيها بيع أو شراء أو نكاح أو شيء من هذا للمماليك الذين لم يحرروا أبطلها وقال : هذا عبد مملوك، حتى لو كان أميرًا وكبيرًا عندهم أو قائدًا في الجيش يَرُدُّه، إذ لابد أن يُبَاع ويحرَّرَ، وبعد ذلك يُصَحِّحُ بيعهم وشراءهم وتصرفاتهم كلها، أما الآن فهم عبيد.
فغضب المماليك من هذا الإمام، وجاؤوا إليه وقالوا: ماذا تصنع بنا ؟ قال : رددنا بيعكم، فغضبوا أشد الغضب ورفعوا أمره إلى السلطان، فقال : هذا أمر لا يعنيه.
فلمّا سمع العز بن عبد السلام هذه الكلمة ؟ قام وعزل نفسه من القضاء. 
       "العز بن عبد السلام" يبيع الأمراء :
قبل الشيخ الجليل منصب قاضى القضاة ليكون مدافعًا عن الناس محافظًا على حقوقهم، حاميًا لهم من سطوة الظالمين وأصحاب النفوذ .. وفى أثناء عمله اكتشف أن الأمراء المماليك الذين يعتمد عليهم الصالح "أيوب" لا يزالون من الرقيق، لم يتحرروا بعد؛ لتذهب عنهم صفة العبودية، ورأى "العز بن عبد السلام" أن هؤلاء الأمراء لا يصح تكليفهم بإدارة شؤون البلاد ما داموا عبيدا أرقاء, وعلى الفور قام الشيخ الشجاع بإبلاغهم بذلك، وأوقف تصرفاتهم في البيع والشراء وغير ذلك من التصرفات التي يقوم بها الأحرار، وترتب على ذلك أن تعطلت مصالحهم، وكان من بين هؤلاء الأمراء نائب السلطان .
وحاول هؤلاء الأمراء أن يساوموا "العز بن عبد السلام"، ويجعلوه يرجع عما عزم عليه من بيعهم لصالح بيت مال المسلمين حتى يصيروا أحرارًا وتعود لهم كامل حقوقهم، لكنه رفض مساوماتهم وإغراءاتهم وأصر على بيعهم، ولما كان الموقف صعبًا على المماليك فإنهم رفضوا الامتثال لرأى الشيخ وفتواه، ورفعوا الأمر إلى السلطان الصالح "أيوب" ، فطلب السلطان من الشيخ التراجع عن فتواه فرفض، فأغلظ السلطان القول للشيخ واحتد عليه فانسحب الشيخ وترك السلطان وقد عزم على الاستقالة من منصبه .
       مزاد لبيع الأمراء :
ولما انتشر خبر استقالة الشيخ "العز" ومغادرته "القاهرة" حتى خرج الناس وراء الشيخ يرجونه في العودة، وفى الوقت نفسه أدرك السلطان خطأه فخرج هو الآخر في طلب الشيخ واسترضائه، وأقنعه بالعودة معه، فوافقه على أن يتم بيع الأمراء . 
وكم كان المشهد مهيبًا جليلاً والشيخ "العز بن عبد السلام" واقف ينادى على أمراء الدولة واحدًا بعد آخر ويغالي في ثمنهم، والسلطان الصالح "أيوب" يدفع الثمن من ماله الخاص إلى الشيخ الشجاع الذي أودع ثمنهم بيت مال المسلمين. وكانت هذه الوقعة الطريفة سببًا في إطلاق لقب "بائع الملوك" على الشيخ "العز بن عبد السلام" .
ثم قام العزّ بتصرف آخر مشابه، وهو أنه جمع متاعه وأثاث بيته واشـترى حمارين، ووضع متاعه على حمار، وأركب زوجته وطفله على الحمار الآخر، ومشى بهذا الموكب البسيط المتواضع يريد أن يخرج من مصر ويرجع إلى بلده الشام. 
لكن الأمة كلها خرجت وراء العز بن عبدالسلام، حتى ذكر المؤرِّخون أنه خرج وراءه العلماء والصالحون والعباد، والرجال والنساء والأطفال، وحتى الذين لا يؤبه لهم -هكذا تقول الرواية- مثل: النجارين، والصباغين، والكناسين...، وخرج كل أصحاب الحرف والمهن -الشريفة والوضيعة-، الجميع خرجوا وراء العز بن عبد السلام في موكب مهيب رهيب.
ثم ذهب بعض الناس إلى السلطان وقالوا له: من بقي لك تحكمه إذا خرج العز بن عبدالسلام، وخرجت الأمة كلها وراءه؟ ما بقي لك أحد، متى راح هؤلاء ذهب ملكك.
فأسرع الملك الصالح أيوب للعزّ، وركض يدرك هذا الموكب ويسترضيه ويقول له: ارجع ولك ما تريد، قال: لا أرجع أبدًا إلا إذا وافقتني على ما طلبت من بيع هؤلاء المماليك، قال: لك ما تريد، افعل ما تشاء.
رجع العز بن عبدالسلام وبدأ المماليك يحاولون معه ليغيّر رأيه؛ إذ كيف يباعون بالمزاد العلني، فأرسل إليه نائب السلطنة -وكان من المماليك- بالملاطفة فلم يفد معه هذا الأسلوب، فاقترح بعضهم قتل العز بن عبدالسلام، فذهب نائب السلطنة ومعه مجموعة من الأمراء، ثم طرق باب العز بن عبد.السلام، وكانت سيوفهم مصلتةً يريدون أن يقتلوه فخرج ولد العز بن عبدالسلام -واسمه عبد اللطيف-، فرأى موقفًا مهيبًا مخيفًا، فرجع إلى والده وقال: يا والدي انجُ بنفسك.. الموت، الموت، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر كيت، وكيت.
فقال العز بن عبدالسلام لولده: يا ولدي، والله إن أباك لأحقر وأقل من أن يقتل في سبيل الله - عز وجل -.
ثم خرج مسرعًا إلى نائب السلطنة، فلمّا رآه نائب السلطنة يبست أطرافه، وتجمّد وأصابته حالة من الذعر والرعب، وأصبح يضطرب وسقط السيف من يده، واصفرَّ وجهه، وسكت قليلاً ثم بكى وقال: يا سيدي، خبِّر ماذا تعمل؟ قال العز: أنادي عليكم وأبيعكم. قال: تقبض الثمن؟ قال: نعم. قال : أين تضعه؟ قال: في مصالح المسلمين العامة، فطلب منه الدعاء وبكى بين يديه ثم انصرف. 
وفعلاً فَعَلَها العز بن عبدالسلام - رحمه الله - قام وجمع هؤلاء، وأعلن عنهم، وبدأ يبيعهم، وكان لا يبيع الواحد منهم إلا بعدما يوصله إلى أعلى الأسعار، فلا يبيعه تَحِلَّةَ القسم، وإنما يريد أن يزيل ما في النفوس من كبرياء، فكان ينادي على الواحد بالمزاد العلني، وقد حكم مجموعة من العلماء والمؤرخين بأن هذه الواقعة لم يحدث مثيل لها في تاريخ البشرية كلها .
.موقفه مع الوزير فخر الدين:
ومن أبرز المواقف التي تذكر في هذا الجانب: أن بعض تلاميذه أتوه في يوم من الأيام فقالوا له: إنه في مكان كذا، قام وزير كبير في دولة المماليك ويدعى فخر الدين ببناء طبلخانة -وهي: مكان مخصص للغناء والرقص والموسيقى والفساد- وكان هذا المكان بقرب أحد المساجد، وعندما تأكد العز بن عبد السلام من صحّة هذا الخبر، جمع أولاده وبعض تلاميذه وذهب إلى المكان الذي يسمونه بالطبلخانة، وقام وأخذ الفأس، وبدأ في هدم هذا المكان هو ومن معه حتى سَوّوه بالأرض.
فهل اكتفى بهذا؟ لا؛ بل أصدر قرارًا بأن هذا الوزير ساقط العدالة، فلا تقبل شهادته، ولا يقبل منه أي خبر من الأخبار، وأعلن ذلك للناس، فسرعان ما تناقلت الأمة هذا الخبر عن العز بن عبد السلام.
وظن فخر الدين وغيره أن هذا الحكم بإسقاط عدالته لن يتأثر به فخر الدين إلا في مصر فقط، ولكنهم تعجّبوا أشد العجب حينما حدث خلاف ذلك، فقد أرسل ملك مصر "الملك الصالح" إلى الخليفة العباسي المستعصم ببغداد رسالة شفهية بواسطة أحد الأشخاص وعندما أبلغ هذا الرجل الرسالة إلى الخليفة المستعصم قال له الخليفة: هل سمعت هذه الرسالة من ملك مصر مباشرة؟ قال: لا، ولكن أبلغنيها الوزير فخر الدين عن الملك، فقال له الخليفة: إن هذا الوزير المذكور قد أسقط العز بن عبد السلام عدالته، ولا أقبل خبره، ارجع بهذه الرسالة، فلن أقبل هذا الخبر حتى تأتيني به من حاكم مصر مباشرة، فرجع الرسول إلى ملك مصر حتى شافهه بالرسالة ثم عاد إلى بغداد وأدّاها إلى الخليفة المستعصم .
وعندما وصل خبر ردّ الخليفة لرواية هذا الوزير وخبره، عرف الناس أن الأمة كلها مع العز بن عبد السلام.
لقد كان العز بن عبد السلام - رحمه الله - حلقة وصل بين العامة والخاصة، بين الحاكم والمحكوم؛ لأن الحاكم يحتاج إليه، لتأييد مواقفه وكسب الناس؛ ولذلك عندما يتولى الحاكم المملوكي أو غيره مقاليد الحكم، كان أول من يبايعه هو العز بن عبدالسلام، ثم بعد ذلك تبايعه الوزراء، ثم تبايعه الناس ،
وقد حدث  في دمشق انخفاض في الأسعار، حتى أصبحت البساتين تباع بأسعار زهيدة، فجاءت زوجة العزّ له وقد جمعت مصاغًا لها، وأعطته للعز وقالت له: اشتر لنا بستانًا نصطاف فيه - أي نخرج إليه في الصيف -، فأخذ العزّ الحلي والمصاغ وباعه، ثم وجد الناس محتاجين، فتصدق به، ثم رجع إلى البيت، فقالت له زوجته: يا سيدي، هل اشتريت لنا بستانًا ؟ قال: نعم اشتريت لك بستانًا ولكن في الجنة ، فقد رأيت الناس محتاجين ففرَّقْتُ هذا المال فيهم. فقالت له: جزاك الله خيرًا.
وعندما أراد حاكم مصر أن يقاتل التتار، رأى أن أموال خزينة الدولة لا تكفي، ورأى أن يأخذ أموالاً من الناس، فجمع العلماء وقال لهم: ما رأيكم؟ نريد أن نأخذ من الناس أموالاً نستعين بها في تجهيز الجيش، والسلاح، ودفع رواتب الجند، وما أشبه ذلك من المصالح التي لابد منها، ونحن نواجه عدوًّا اجتاح بلاد العراق والشام ووصل إلينا وما في الخزينة لا يكفي لإعداد الجيش فقال له العز بن عبدالسلام: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام ، وضربته سكة ونقداً وفرقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم، في ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا، فأحضر السلطان والعسكر كل ما عندهم من ذلك بين يدي الشيخ .
كانت له كتب أخرى لها ارتباط بالواقع مثل:
كتاب: "الفتن والبلايا والمحن والرزايا" الذي يتكلم فيه عن المصائب والصبر عليها وما أشبه ذلك، وهذا له علاقة كبيرة بالمصائب والمشاكل التي كانت تعيشها الأمة في عصره.
وله كتاب اسمه: "ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام"، وقد ألَّفَ هذا الكتاب لما اجتاح الصليبيون بلاد الشام، وبدؤوا يحاربون المسلمين، ففزع كثير من المسلمين وبدؤوا يفرّون إلى الأمصار الأخرى، ويتركون الشام خلفهم، فكيف عالج العزّ هذا الأمر؟
لقد ألَّفَ هذا الكتاب الذي يثبِّتُ به المسلمين، ويحاول أن يجعلهم يقيمون في بلاد الشام ولا يخرجون منها؛ بل يحثّ المسلمين في الأمصار الأخرى أن يحرصوا على الانتقال إلى بلاد الشام وسكناها ومدافعة الأعداء فيها.
وله كتاب اسمه : "أحكام الجهاد" تكلم فيه عن الجهاد وأحكامه وما يتعلق به وفضله، إضافة إلى أنه هو نفسه كان يقوم بالجهاد مباشرة، ويشارك فيه حتى إنه في إحدى المرات ، لما غزا التتار بلاد مصر جبن بعض أهل مصر عنهم وضاقت بالسلطان وعساكره الأرض فاستشاروا الشيخ عز الدين فقال : اخرجوا وأنا أضمن لكم على الله النصر فامتثلوا أمره ، وكان العز بن عبدالسلام في جيشه يثبّت الناس ، ويرفع معنوياتهم، ويقويهم، ويلهب حماسـهم، حتى كانت الدائرة على الأعـداء وانتصر المسلمون. 
ومما صنّف العز بن عبد السلام وله تعلق بالواقع أيضًا، ما كتبه في الفتاوى، حيث ناقش في هذه الفتاوى بعض القضايا المتعلقة بعصره
موقف عبد العظيم المنذري معه :
كان المفتي في مصر: هو الإمام عبد العظيم المنذري، فلما جاء العز بن عبدالسلام قال الإمام المنذري : قد كنت أفتي ولم يكن الإمام العز موجودًا، أما الآن فإن منصب الإفتاء متعين عليه .
 موقف جمال الدين الحصيري  معه :
عندما غضب أحد أمراء الشام على العز بن عبد السلام، ومنعه من التدريس، وفرض عليه الإقامة الجبرية، ذهب أحد الفقهاء الأحناف وهو جمال الدين الحصيري - وكان فقيهًا مهيبًا - إلى الحاكم في قلعته ، ووقف عند الباب على حماره، فقال الحاكم: دعوه يدخل ، فلما دخل قام الحاكم إليه وأنزله بنفسه، وقدّمه وقدّره وأبى أن يأكل إلا بعده فقال الشيخ : ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك، فقال له السلطان: يَرْسُم الشيخ ونحن نمتثل مرسومه، قال: ما الذي حدث بينك وبين الإمام العز بن عبد السلام؟ قال : حدث كذا، وكذا، وذكر القضية، فقال هذا الفقيه : والله لو كان العز بن عبد السلام في الهند أو في أقصى الدنيا لكان جديرًا بك أن تسعى في أن يحضر إليك ؛ فإنه شرف لك أن تملك أُمَّة فيها مثل العز بن عبدالسلام، فينبغي أن تسترضيه فوافق على ذلك، وأرضى العز بن عبد السلام وجعله في مقام رفيع . 
* * *
شيوخ العزّ يحملون الراية من قبله :
إن العز بن عبدالسلام - رحمه الله - تربى على أيدي علماء فيهم قوة وجرأة في الحق، فمنهم تعلّم، وعلى دربهم سار، ومن هؤلاء العلماء :
فخر الدين بن عساكر :
كان فخر الدين بن عساكر في دمشق وحاولوا أن يلزموه بالقضاء  فرفض، وكان ابن عساكر قويًّا في الحق، حتى إنه أنكر على حاكم دمشق أنه كان يضمِّن الناس الخمر والمكوس التي كانوا يتلفونها . 
عبد الصمد الحرستاني:
ومن شيوخ العزّ أيضًا : رجل اسمه عبد الصمد الحرستاني  وهذا الرجل ألزم بالقضاء أيضًا، فلمّا ألزموه القضاء سار به على طريقة السلف الصالح وعلى الجادة ، حتى إنه في إحدى المرات كان في مجلس القضاء ، فجاءه خصمان قدم له أحدهم رقعة، فجعلها في الدرج ثم قال: ماذا عندك؟ وقال لخصمه: وأنت ماذا عندك؟
ثم حكم بعد ذلك فجاء حكمه ضدّ الرجل صاحب الرقعة ، ثم فضّ الرسالة ، وقرأه ، فإذا به خطاب من الحاكم يشفع لهذا الرجل الذي حكم عليه، يقول له : حاول أن تنظر في أمره، وأن تجعل الحق معه، فأتلف ذلك الكتاب، وقال : قد غلب كتاب الله هذا الرجل . 
فكان هذا من شيوخ العز بن عبدالسلام، وعلى يد هؤلاء العلماء تعلّم العز بن عبد السلام دروس القوة ، والشجاعة ، والغيرة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والزهد في المناصب ، حيث عزل العز بن عبد السلام نفسَه من القضاء أربع مرات ، فكلما حدثت مشكلة بينه وبين السلاطين يعزل نفسه عن القضاء ويقول : مالي به حاجة ! أنتم ألزمتموني، لا أحتاجه ، ثم يعزل نفسه  . 
تلاميذ العزّ يحملون الراية من بعده :
ثم تلقى على يد العز بن عبد السلام بعد ذلك رجال آخرون حملوا الراية من بعده، وساروا على دربه ومن هؤلاء :
ابن دقيق العيد :
الذي عزل نفسَه من القضاء أربع مرات، فكلما حدثت مشكلة يقوم ابن دقيق العيد بعزل نفسه عن القضاء، ويقول : مالي به حاجة ! أنتم ألزمتموني، لا أحتاجه، ثم يعزل نفسه .
وقد حصل لابن دقيق العيد موقف مشابه لموقف شيخه العز ابن عبد السلام ، فإن السلطان محمد بن قلاوون أراد أن يجمع المال من الناس لأجل حرب التتار ولو بالقرض، وهذا شبيه بما فعله قطز من قبل مع العز بن عبد السلام، فجمع السلطان محمد بن قلاوون العلماء؛ ليحظى بتأييدهم في هذا الأمر.
فقال له ابن دقيق العيد: لا يمكن أن تأخذ الأموال من الناس إلا بعد أن تجمع الأموال من السلاطين، والأمراء، ومن نسائهم، حتى قال له: إن من أمرائكم من جهز ابنته لتزف إلى زوجها، وعمل بحفلها الجواهر، واللآلئ، والحلي الفاخرة، وجعل معها الأواني من الذهب والفضة، وإن منكم من رَصّع مداس زوجته بالجوهر، فإذا أتيت بهذه الأموال ولم تكف ننتقل إلى أموال الرعية. 
إذن القضية هي تربية العزّ التي تلقَّاها مِنْ مشايخه من أمثال: ابن عساكر وعبد الصمد الحرستاني، ومن ثم أدّى الأمانة وسلّم الراية إلى من بعده كابن دقيق العيد وغيره من التلاميذ.
في إحدى الليالي شديدة البرد كان العز بن عبد السلام نائمًا بالليل في الكلاسة - وهي زاوية في الجامع الأموي في دمشق - وبها سكن للطلاب وللناس حينذاك - فاحتلم في تلك الليلة فاستيقظ، وذهب بسرعة وكانت هناك بركة في طرف المسجد شديدة البرودة، حتى لربما كانت متجمدة، فخلع ثيابه ونزل في تلك البركة واغتسل في الماء البارد، ثم خرج حتى كاد يغمى عليه، وذهب ونام مرة ثانية، ثم احتلم مرة أخرى أيضًا، فاستيقـظ وفعل مثل ذلك، وذكـر ابن السبكي هذه القصة فقال: ما أدري حصلت له القضية مرتين أو ثلاثًا ؟ وفي كل مرة كان يذهب إلى هذا المكان البارد ثم يرمي نفسه فيه، حتى قيل: إنه أغمي عليه في المرة الثانية أو الثالثة من شدة البرد، ثم رجع وجلس حتى طلع الفجر، وبعد ذلك أَغفى إغفاءة بسيطة وسمع أحدًا يقول له في النوم: هل تريد العلم أو العمل؟ قال: أريد العلم؛ لأن العلم يقود إلى العمل.
فلما أصبح الصباح أخذ كتاب التنبيه في فقه الشافعي، وجلس عليه حتى حفظه، ثم بعد ذلك ظلَّ يطلب العلم حتى أصبح - كما يقول السبكي - أعلم أهل زمانه، وكان كثير التعبد لله - جل وعلا - . 
وفي نهاية حياته، ولما حضرته الوفاة وقَرُبَ موتُه، وكان ذلك في حكم السلطان بيبرس الذي كان يحب العزّ ابن عبد السلام، حتى إنه لما مات قال: لا إله إلا الله ما اتفق موت الشيخ إلا في زمني -أي: هذا ليس بخير أن يموت الشيخ في زمني-، فجاء السلطان بيبرس إلى العزِّ في مرض موته وطلب منه أن يعيّن أحد أولاده في منصبه، وكان للعز أكثر من ولد، من أشهرهم: عبداللطيف طالب علم ومترجم له، فقال له العز: ما فيهم من يصلح
العز بن عبدالسلام هو من قسم البدعة إلى خمسة أقسام وانتشر ذلك عنه ونقله عنه تلميذه القرافي فلا تذكر هذه المسألة وإلا ويذكر العز كما ذكر ذلك العلامة الشاطبي في كتابه الاعتصام ورد عليهما .
مؤلفاته
ترك العزّ تراثاً علمياً ضخماً في علوم التفسير والحديث والسيرة والعقيدة والفقه وأصول الفقه، وكتباً في الزهد والتصوف، منها:
الفوائد في اختصار المقاصد.
تفسير العز بن عبد السلام تفسير القرآن.
قواعد الأحكام في مصالح الأنام.
الإمام في بيان أدلة الأحكام.
الفتاوى المصرية .
الفتاوى الموصلية .
الغاية في اختصار النهاية .
كتاب القواعد الكبرى .
بيان أحوال الناس يوم القيامة .
مراجع :
مصادر ترجمة الإمام العز بن عبدالسلام، مثل : كتب طبقات الشافعية للسبكي، والإسنوي، وابن قاضي شهبة، وبعض الرسائل الجامعية التي قُدِّمت عن حياة هذا العالم الجليل، والتي كتبها مجموعة من الباحثين، كعبد العظيم فـودة، والدكتور عبد الله الوهيـبي، وعلي الفقير، وسيد رضوان الندوي، وغيرهم  .
إنترنت :
ويكبيديا الموسوعة الحرة
موقع إسلام ويب
فيس بوك
الساحة الإسلامية 
موقع قصة الإسلام
العز بن عبدالسلام ( سلطان العلماء وبائع الأمراء )



عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي