إِنَّ الْحَمْدَ للهِ, نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ, وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ.
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ: هَكَذَا مَضَتِ الأَيَّامُ مُسْرِعَةً!! قَبْلَ أَيَّامٍ أَهَلَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَاليَوْمَ تَصَرَّمَتْ أَيَّامُهُ، مَضَى هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ، وَقَدْ أَحْسَنَ فِيهِ مَنْ أَحْسَنَ، وَأَسَاءَ فِيهِ مَنْ أَسَاءَ، وَهُوَ شَاهِدٌ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا بِمَا أَوْدَعْنَاهُ مِنْ أَعْمَالٍ، فَهُوَ شَاهِدٌ لِلْمُشَمِّرِينَ بِصِيَامِهِمْ وَقِيَامِهِمْ وَبِرِّهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ، وَشَاهِدٌ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ بِغَفْلَتِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ وَحِرْمَانِهِمْ، وَلاَ نَدْرِي هَلْ سَنُدْرِكُهُ مَرَّةً أُخْرَى، أَمْ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ هَادِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الْجَمَاعَاتِ؟!.
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ السَّعِيدَ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ مَنْ وُفِّقَ لإِتْمَامِ الْعَمَلِ وَإِتْقَانِهِ وَالإِخْلاَصِ فِيهِ، وَمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ وَالاِسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ فِي خِتَامِهِ؛ فَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.
فَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ يَجْتَهِدُونَ فِي إِتْقَانِ الْعَمَلِ وَإِتْمَامِهِ، ثُمَّ يَهْتَمُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَبُولِهِ وَيَخَافُونَ مِنْ رَدِّهِ؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «كُونُوا لِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَاماً مِنْكُمْ بِالْعَمَلِ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) ؟! [المائدة:27].
وَقَالَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ رضي الله عنه: «لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ تَقَبَّلَ مِنِّي حَسَنَةً وَاحِدَةً لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ: «الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ أَنْ لاَّ يُتَقَبَّلَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ».
سَلاَمٌ مِـــنَ الرَّحْمَنِ كُـلَّ أَوَانٍ عَلَى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وَزَمَانِ
سَلاَمٌ عَلَى شَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّـهُ أَمَـانٌ مِـــنَ الرَّحْمَنِ كُـــلَّ أَمَــانِ
لَقَدْ كَنْتَ يَا شَهْرَ الصِّيَامِ مُنَـوِّراً لِكُـلِّ فُــــؤَادٍ مُظْلِــــمٍ وَجَــــنَانِ
أَيَا شَهْرَ رَمَضَانَ تَرَفَّقْ، دُمُوعُ الْمُحِبِّينَ تَدَفَّقُ، قُلُوبُهُمْ مِنْ أَلَمِ الْفِرَاقِ تَشَقَّقُ، عَسَى وَقْفَةٌ لِلْوَدَاعِ تُطْفِئُ مِنْ نَارِ الشَّوْقِ مَا أَحْرَقَ، عَسَى سَاعَةُ تَوْبَةٍ وَإِقْلاَعٍ تُصْلِحُ مِنَ الصِّيَامِ مَا تَخَرَّقَ، عَسَى مُنْقَطِعٌ عَنْ رَكْبِ الْمَقْبُولِينَ يَلْحَقُ، عَسَى أَسِيرُ الأَوْزَارِ يُطْلَقُ، عَسَى مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ يُعْتَقُ، أَلاَ وَإِنَّ الشَّهْرَ الْكَرِيمَ رَاحِلٌ لاَ مَحَالَةَ؛ فَجِدُّوا وَاجْتَهِدُوا فِيمَا بَقِيَ مِنْ لَحَظَاتِهِ وَلاَ تُضَيِّعُوهَا.
أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ: «يَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ هَذَا الْمَقْبُولُ فَنُهَنِّيَهُ، وَمَنْ هَذَا الْمَحْرُومُ فَنُعَزِّيَهُ!!».
فَيَا أَيُّهَا الْمَقْبُولُونَ: هَنِيئاً لَكُمْ، وَيَا أَيُّهَا الْمَرْدُودُونَ جَبَرَ اللهُ مُصَابَكُمْ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ»، قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ فَقَالَ: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
عِبَادَ اللهِ: إِذَا كُنَّا نُوَدِّعُ رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَنْ يُوَدِّعَ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ، بَلْ سَيُوَثِّقُ الْعَهْدَ مَعَ رَبِّهِ، وَيُقَوِّي الصِّلَةَ مَعَ خَالِقِهِ؛ لَيَبْقَى نَبْعُ الْخَيْرِ مُتَدَفِّقاً، وَإِنَّ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ فِي رَمَضَانَ: الاِسْتِمْرَارُ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ بَعْدَهُ، أَمَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ، وَيَهْجُرُونَ الْمَسَاجِدَ مَعَ أَوَّلِ أَيَّامِ الْعِيدِ: فَبِئْسَ الْقَوْمُ، لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ إِلاَّ فِي رَمَضَانَ، قَدِ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَيَا مَنْ أَعْتَقَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ: إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ إِلَى حَمْلِ الأَوْزَارِ، أَيُبْعِدُكَ مَوْلاَكَ مِنَ النَّارِ وَأَنْتَ تَقْتَرِبُ مِنْهَا؟! وَيُنْقِذُكَ مِنْهَا وَأَنْتَ تُوقِعُ نَفْسَكَ فِيهَا؟!.
إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ: لاَ يُرِيدُ اللهُ مِنْ عِبَادَتِنَا الْحَرَكَاتِ وَالْجَهْدَ وَالْمَشَقَّةَ فَحَسْبُ، بَلْ يُرِيدُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ؛ قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183].
فَلاَ قِيمَةَ لِطَاعَةٍ تُؤَدَّى دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ مِنْ تَقْوَى أَوْ خَشْيَةٍ، أَيْنَ أَثَرُ رَمَضَانَ إِذَا هُجِرَ الْقُرْآنُ، وَتُرِكَتْ صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ، وَانْتُهِكَتِ الْمُحَرَّمَاتُ؟!،
أَيْنَ أَثَرُ الطَّاعَةِ إِذَا أُكِلَ الرِّبَا، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؟!. أَيْنَ أَثَرُ الصِّيَامِ إِذَا أُعْرِضَ عَنِ السُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ إِلَى الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُجِرَتِ الشَّرِيعَةُ الإِلَهِيَّةُ، وَحُكِّمَتِ الْقَوَانِينُ الْوَضْعِيَّةُ؟!
أيْنَ أَثَرُ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ إِذَا تَحَايَلَ الْمُسْلِمُ فِي بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ، وَكَذَبَ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ؟!.
أَحِبَّتِي فِي اللهِ: لَقَدْ غَرَسَ رَمَضَانُ فِي نُفُوسِنَا خَيْراً كَثِيراً: صَقَلَ الْقُلُوبَ، وَأَيْقَظَ الضَّمَائِرَ، فَمَنِ اسْتَفَادَ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّ حَالَهُ بَعْدَهُ سَيَكُونُ خَيْراً مِنْ حَالِهِ قَبْلَهُ، فَمِنْ عَلاَمَاتِ قَبُولِ الْحَسَنَةِ: الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا، وَمِنْ عَلاَمَاتِ بُطْلاَنِ الْعَمَلِ وَرَدِّهِ: الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَعَاصِي بَعْدَ الطَّاعَاتِ، فَاجْعَلْ أَخِي الصَّائِمَ مِنْ رَمَضَانَ قَاعِدَةَ انْطِلاَقٍ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي سَائِرِ شُهُورِ الْعَامِ، احْرِصْ عَلَى بَرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، زُرِ الإِخْوَانَ وَانْصُرِ الْمَظْلُومِينَ، تَرَفَّقْ بِمَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ، أَصْلِحْ ذَاتَ الْبَيْنِ، وَأَطْعِمِ الْمَحْرُومِينَ، وَاجْبُرْ نُفُوسَ الْمُنْكَسِرِينَ، كُنْ نَبْعاً مُتَدَفِّقاً بِالْخَيْرِ كَمَا كُنْتَ فِي رَمَضَانَ.
لَقَدْ تَعَلَّمْنَا فِي مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ أَنْجَحَ الدُّرُوسِ، وَأَبْلَغَ الْمَوَاعِظِ، تَعَلَّمْنَا كَيْفَ نُقَاوِمُ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ، وَكَيْفَ نُقَاوِمُ هَوَى النَّفْسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَتَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَنْبِذُ الْخِلاَفَ وَأَسْبَابَ الْفُرْقَةِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ لاَّ نَتَفَرَّقَ بَعْدَ رَمَضَانَ، لَقَدْ عَلاَ مُحَيَّاكَ سَمْتُ الصَّالِحِينَ، وَإِخْبَاتُ الْمُتَّقِينَ: ذَلٌّ وَخُضُوعٌ، خَشْيَةٌ وَخُشُوعٌ، سَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، فَلاَ تَمْحُهُ بَعْدَ رَمَضَانَ بِأَخْلاَقِ الْكِبْرِ وَالْبَطَرِ وَالسَّفَهِ، لَقَدِ امْتَدَّتْ يَدَاكَ فِي رَمَضَانَ بِالْعَطَاءِ، وَأَنْفَقَتْ بِسَخَاءٍ، فَلاَ تَقْبِضْهُمَا بَعْدَ رَمَضَانَ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل:92].
وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ إِلَى مَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَتُكَفَّرُ السَّيِّئَاتُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهِ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ قَاضِي الْحَاجَاتِ، وَالْعَالِمُ بِالْخَفَايَا وَالْمُعْلَنَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الْبَرِيَّاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالْمَكْرُمَاتِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ.
أَمَّا بَعْدُ: فيا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أنَّ مِمَّا شَرَعَهُ اللهُ لَكُمْ فِي خِتَامِ هَذَا الشَّهْرِ: التَّــكْـبِيرُ؛ قَالَ تَعَالَى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185]؛ فَيُسَنُّ التَّـكْبِيرُ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَالـجَهْرُ بِهِ فِي الـمَسَاجِدِ وَالبُيُوتِ والأَسْوَاقِ تَعْظِيماً للهِ وشُكْراً لَهُ عَلَى تَمَامِ النِّعْمَةِ، وَالتَّكْبِيرُ لَيْلَةَ الْعِيدِ: مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ؛ وَوَقْتُ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الفِطْرِ يَبْتَدِئُ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ الْعِيدِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ.
واعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي خِتَامِ شَهْرِكُمْ هَذَا أَنْ تُؤَدُّوا زَكَاةَ الْفِطْرِ قَبْلَ صَلاَةِ الْعِيدِ، رَحْمَةً بِالْمَسَاكِينِ، وَتَكْفِيراً لِمَا قَدْ يَلْحَقُ الْمُسْلِمَ مِنَ الْخَلَلِ وَالزَّلَلِ فِي صِيَامِهِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ].
وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ: مِنْ زَوْجَةٍ وَأَبْنَاءٍ وَأَقَارِبَ، وَهِيَ بِمِقْدَارِ صَاعٍ [مَا يُعَادِلُ كِيلُوَيْنِ وَنِصْفاً تَقْرِيباً] مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ. وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا عَنِ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
عِبَادَ اللهِ: لَقَدَ كَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا جَاءَ يَوْمُ الْعِيدِ أَنَّهُ يَتَجَمَّلُ وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ، وَكَانَ لَهُ حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا لِلْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ، وَكَانَ لاَ يَغْدُو إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْراً.
وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يُصَلِّي الْعِيدَ فِي الْمُصَلَّى، وَيَأْمُرُ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ وَلَوْ كُنَّ حُيَّضاً لِيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَكَانَ يَخُصُّ النِّسَاءَ بِالْمَوْعِظَةِ بَعْدَ خُطْبَةِ الْعِيدِ. وَمِنْ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم مُخَالَفَةُ الطَّرِيقِ فَكَانَ إِذَا خَرَجَ لِلْمُصَلَّى يَرْجِعُ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ مِنْهُ.
وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ يُكَبِّرُ مُنْذُ خُرُوجِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُصَلَّى فَيَشْرَعَ فِي الصَّلاَةِ.
فَالْزَمُوا -عِبَادَ اللهِ- هَدْيَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعِيدِ وَفِي سَائِرِ أَحْوَالِكُمْ، تُفْلِحُوا فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:21].
وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّاً مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ؛ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ». فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَصُومَ هَذِهِ السِّتَّ؛ لِيَحُوزَ هَذَا الْفَضْلَ الْكَبِيرَ، وَالأَجْرَ الْوَفِيرَ.
أَيُّهَا الـمُسْلِمُونَ: وَدِّعُوا شَهْرَكُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ وَالتَّكْبِيرِ؛ لَعَلَّكُمْ تَكُونُونَ مِنَ العُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
