موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

في وداع رمضان | خطبة الجمعة مكتوبة

الحمد لله الذي أتم إِحْسَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَفَاضَ مِنْ رَحَمَاتِهِ عَلَى الصَّائِمِينَ الْقَائِمِينَ، وَغَفَرَ ذُنُوبَ الْمُذْنِبِينَ وَرَفَعَ دَرَجَاتِ الْعَابِدِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَشْرَفُ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَسَيِّدُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ، وَأَطِيعُوهُ فِي سِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ، وَرَاقِبُوهُ فِي جَمِيعِ زَمَنِكُمْ، وَاشْكُرُوهُ أَنْ وَفَّقَكُمْ لِلصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَسَائِرِ الأَعْمَالِ، فَهَا هُوَ شَهْرُكُمُ الْمُبَارَكُ وَشِيكُ الاِرْتِحَالِ، فَاثْبُتُوا عَلَى الطَّاعَةِ مَا دُمْتُمْ مُمْهَلِينَ؛ كَمَا أَمَرَ رَبُّكُمْ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: )وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( [الحجر:99].

إِخْوَةَ الإِسْلاَمِ: كُنَّا بِالأَمْسِ مُسْتَبْشِرِينَ بِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهَا نَحْنُ الآنَ عَلَى مَشَارِفِ وَدَاعِهِ، فَهَذِهِ الْجُمُعَةُ هِيَ آخِرُ جُمُعَةٍ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ مِنْ هَذَا الْعَامِ، فَقَدْ عَزَمَ الشَّهْرُ عَلَى الرَّحِيلِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سَاعَاتِهِ إِلاَّ الْقَلِيلُ، فَسُبْحَانَ مُصَرِّفِ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، وَمُدَبِّرِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان:62].

سَلاَمٌ مِنَ الرَّحْمَنِ كُلَّ أَوَانِ     عَلَى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وَزَمَانِ

لَئِنْ فَنِيَتْ أَيَّامُكَ الْغُرُّ بَغْتَةً      فَمَا الْحُـــزْنُ مِنْ قَلْبِي عَلَيْكَ بِفَانِ

تَذَكَّرُوا -عِبَادَ اللهِ- إِخْوَةً لَكُمْ سَبَقُوكُمْ إِلَى الْمَمَاتِ، حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ شَهْرِ رَمَضَانَ هَادِمُ اللَّذَّاتِ، وَمُفَرِّقُ الأَحْبَابِ وَالْجَمَاعَاتِ، ثُمَّ قَارِنُوا انْقِطَاعَهُمْ عَنِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ  بِمَنْ شَهِدَ رَمَضَانَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُقِمْ لَهُ قَدْراً وَلاَ وَزْناً، سَهِرَ بِاللَّيْلِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَنُوِّمَ بِالنَّهَارِ عَنِ الذِّكْرِ وَالتِّلاَوَةِ وَالطَّاعَاتِ، قَدْ بَلَغُوا الْغَايَةَ فِي التَّفْرِيطِ فِي أَثْمَنِ الأَوْقَاتِ، أَلاَ يَعْلَمُ كُلُّ مُفَرِّطٍ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ رُبَّمَا يَأْتِيهِ رَمَضَانُ الْقَادِمُ وَهُوَ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى ؟! فَهَلْ يَنْفَعُ النَّدَمُ عَلَى التَّفْرِيطِ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ؟ 

فَهَا هِيَ مَشَاهِدُ الاِحْتِضَارِ فِي الْقُرْآنِ، تُحَذِّرُ مِنْ حَالِ هَؤُلاَءِ الْغَافِلِينَ: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)  [المؤمنون:99-100]،  (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)  [المنافقون:10-11]، (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ) [النساء:18]، فَالْمُفَرِّطُونَ حَالَ الْمَوْتِ يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا فَلَسَوْفَ نَجْتَهِدُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَهَلْ يَعُودُونَ لِلدُّنْيَا لِيَعْمَلُوا ؟! كَلاَّ، إِنَّهُمْ مُرْتَهَنُونَ فِي حَيَاةٍ بَرْزَخِيَّةٍ، إِمَّا فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ فِي حُفْرَةٍ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، وَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْقُبُورِ يَنْطِقُونَ لَقَالُوا لِلأَحْيَاءِ: تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.

مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَلاَ فَلْتَغْتَنِمُوا مَا بَقِيَ مِنْ شَهْرِكُمْ، وَلْتَرْفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللهِ، وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُوَافِقُوا سَاعَةَ إِجَابَةٍ، فَتَنَالُوا كَرَامَةَ اللهِ وَثَوَابَهُ، ثُمَّ ابْتَدِرُوا إِلَى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسِيئًا، فَمَغْفِرَةُ اللهِ أَرْجَى مَا تَكُونُ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ لِتُعَاهِدُوا رَبَّكُمْ عَلَى إِدَامَةِ الطَّاعَةِ وَاسْتِمْرَارِ الْعِبَادَةِ، بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ ثُمَّ الاِسْتِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ، فَهِيَ الْمِيزَانُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ].

وَإِنَّ مِمَّا يَنْبَغِي فِي خِتَامِ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ: أَنْ يُلِحَّ الْعَبْدُ بِسُؤَالِ رَبِّهِ وَمَوْلاَهُ؛ قَبُولَ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَاتِ، فَهُوَ دَأْبُ الصَّالِحِينَ، وَهُمُ الْخُلَّصُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِهِمْ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون:60-61]، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لاَ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ، وَيُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لاَ يُقْبَلَ مِنْهُمْ، (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ )».

فَسَلْ نَفْسَكَ أَخِي الصَّائِمَ: هَلْ أَنْتَ مِنَ الْمَسْرُورِينَ أَمْ مِنَ الْمَحْرُومِينَ؟ هَلْ صُنْتَ صِيَامَكَ وَجَوَّدْتَ قِيَامَكَ؟ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي إِلَى رَمَضَانَ، وَسَلِّمْ لِي رَمَضَانَ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي مُتَقَبَّلاً»، وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ: «الْخَوْفُ عَلَى الْعَمَلِ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَلِ»، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ أَبِي رَوَّادٍ رَحِمَهُ اللهُ: «أَدْرَكْتُهُمْ يَجْتَهِدُونَ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْهَمُّ أَيُقْبَلُ مِنْهُمْ أَمْ لاَ؟».

مَعَاشِرَ الصَّائِمِينَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ عَدُوَّكُمُ الشَّيْطَانَ مُصَفَّدٌ مُهَانٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لاَ يَخْلُصُ إِلَى مَا كَانَ يَخْلُصُ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَاسْتَحْضِرُوا هِمَمَكُمْ وَشُدُّوا عَزْمَكُمْ إِذَا رَحَلَ رَمَضَانُ، وَأُطْلِقَ سَرَاحُ هَذَا الْعَدُوِّ، أَنْ تُجَاهِدُوهُ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، بَلْ فِي الْعُمُرِ كُلِّهِ؛ لِئَلاَّ يَصُدَّكُمْ عَنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَيَفْتِنَكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، وَيُفْسِدَ مَا صَلُحَ مِنْ أَحْوَالِكُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة:168]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:268]، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6].

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ الآجَالَ قَوَاطِعُ الآمَالِ، وَاسْتَحْضِرُوا وَقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي رَمَضَانَ، وَوَفَّقَنَا فِيهِ لِلْقَبُولِ وَالرِّضْوَانِ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

الْخطبة الثّانية

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ وَتُكَفَّرُ السَّيِّئَاتُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْعَالِمُ بِالْخَفَايَا وَالْمَكْنُونَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الْبَرِيَّاتِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْمَكْرُمَاتِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِمَّا يُشْرَعُ فِي خِتَامِ رَمَضَانَ: التَّكْبِيرَ لَيْلَةَ الْعِيدِ؛ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ إِلَى صَلاَةِ الْعِيدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ ذِكْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: «أَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَشْرُوعِيَّةَ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ»، وَصِيغَةُ التَّكْبِيرِ أَنْ تَقُولَ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ».

كَمَا يُشْرَعُ فِي خِتَامِ رَمَضَانَ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ لَهُ كِفَايَةٌ يَوْمَ الْعِيدِ، وَقَدْ شُرِعَتْ نَشْرًا لِلْمَحَبَّةِ وَالإِخَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِدْخَالاً لِلسُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَتَزْكِيَةً لِلْبَدَنِ، وَتَطْهِيراً لِخَلَلٍ قَدْ يَحْصُلُ فِي الصِّيَامِ؛ عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ]، وَيُؤَدِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَعَمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَيُخْرِجُهَا مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ صَاعاً عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، وَأَفْضَلُ وَقْتٍ لإِخْرَاجِهَا يَوْمُ الْعِيدِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِصَلاَةِ الْعِيدِ؛ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»، وَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلاَةِ الْعِيدِ دُونَ عُذْرٍ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ]، أَمَّا الْمَعْذُورُ كَالْجَاهِلِ وَالنَّاسِي وَنَحْوِهِمَا مِنَ الأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمْ يُؤَدُّونَهَا، وَلَوْ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِيدِ.

عِبَادَ اللهِ: وَلْتَحْرِصُوا عَلَى أَدَاءِ صَلاَةِ الْعِيدِ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ أَحْكَامٍ وَسُنَنٍ، فَلْتَحْرِصُوا عَلَى أَنْ تَغْتَسِلُوا وَتَتَطَيَّبُوا وَتَتَجَمَّلُوا قَبْلَ الْخُرُوجِ لِلصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مَشْياً، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ طَرِيقٍ، وَيَرْجِعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ؛ تَكْثِيرًا لِلأَجْرِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَكْلُ تَمَرَاتٍ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِلصَّلاَةِ ؛ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْراً ».

هَذَا وَصَلُّوا عَلَى إِمَامِ الهُدَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ الَأَنَامِ، كَمَا أَمْرَكُمْ رَبُّكـُمْ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )[الأحزاب:56].

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ، اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلاَةَ أُمُورِنَا، وَاجْعَلْ وِلاَيَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. 



عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي