🕌 الخُطْبَةُ الأُولَى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَنَا رَمَضَانَ بَعْدَ طُولِ انْتِظَارٍ، وَأَحْيَانَا لِنُدْرِكَ مَوْسِمَ الْأَسْرَارِ وَالْأَنْوَارِ، وَفَتَحَ لَنَا أَبْوَابَ الْجِنَانِ، وَأَغْلَقَ عَنَّا أَبْوَابَ النِّيرَانِ، وَصَفَّدَ الشَّيَاطِينَ، وَنَادَى فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ.
نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ الْمُنِيبِينَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا محمد عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَجْوَدُهُمْ فِي رَمَضَانَ.
أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ رَمَضَانَ لَيْسَ شَهْرًا فِي التَّقْوِيمِ، بَلْ هُوَ نَقْلَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَثَوْرَةٌ فِي النُّفُوسِ، وَمِيلَادٌ جَدِيدٌ لِلْأَرْوَاحِ.
---
🌿 أَوَّلًا: رَمَضَانُ شَهْرُ التَّقْوَى وَتَرْبِيَةِ الإِرَادَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ…
لَمْ يَقُلْ: لَعَلَّكُمْ تَجُوعُونَ، بَلْ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
فَالصِّيَامُ مَدْرَسَةُ الإِرَادَةِ، تُرَبِّي فِيكَ قُوَّةَ الْمَنْعِ وَالْكَفِّ، تَقُولُ لِنَفْسِكَ: لَا، وَقَلْبُكَ يَشْتَهِي، وَبَطْنُكَ يَجُوعُ، وَالْمَاءُ أَمَامَكَ، وَلَا رَقِيبَ إِلَّا اللَّهُ.
أَلَا يَدُلُّكَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُرَبَّى فِي رَمَضَانَ: صِلَةُ السِّرِّ بِالرَّحْمَنِ؟
وَرَوَى الإِمَامُ البخاري وَالإِمَامُ مسلم فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«الصِّيَامُ جُنَّةٌ».
جُنَّةٌ… أَيْ وِقَايَةٌ وَسِتْرٌ وَحِمَايَةٌ.
جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَجُنَّةٌ مِنَ الشَّهَوَاتِ، وَجُنَّةٌ مِنْ سُلْطَانِ النَّفْسِ.
فَإِذَا كَانَ الصِّيَامُ جُنَّةً، فَلِمَاذَا نَخْرُقُهُ بِالْغِيبَةِ؟
وَلِمَاذَا نُثْقِبُهُ بِالنَّظْرَةِ؟
وَلِمَاذَا نُمَزِّقُهُ بِالْخُصُومَةِ؟
يَا عِبَادَ اللَّهِ…
رَمَضَانُ يُعَلِّمُكَ أَنْ تَمْلِكَ نَفْسَكَ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَأَنْ تَحْبِسَ لِسَانَكَ عَنِ الْخَطَإِ، وَأَنْ تُقَدِّمَ رِضَا اللَّهِ عَلَى رِضَا شَهْوَتِكَ.
---
🌙 ثَانِيًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الْقُرْآنِ وَإِحْيَاءِ الْقُلُوبِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185].
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ… فَلَا يَلِيقُ بِالْقَلْبِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هِجْرَانُهُ.
وَرَوَى الإِمَامُ البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:
«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ».
يُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ…
أَتَدْرُونَ مَا مَعْنَى الْمُدَارَسَةِ؟
قَلْبٌ يَقْرَأُ، وَقَلْبٌ يَسْمَعُ، وَرُوحٌ تَتَزَكَّى، وَعَيْنٌ تَبْكِي.
كَانَ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَيَزْدَادُ جُودُهُ مَعَ الْقُرْآنِ.
فَكَأَنَّ الْقُرْآنَ إِذَا مَلَأَ الْقَلْبَ أَخْرَجَ مِنْهُ الْكَرَمَ، وَإِذَا أَشْرَقَ فِي الصَّدْرِ أَنْبَتَ فِيهِ الرَّحْمَةَ.
فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَرِقَّ قَلْبُكَ، فَاجْلِسْ مَعَ الْقُرْآنِ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَبْكِيَ عَيْنُكَ، فَاقْرَأْ كَلَامَ رَبِّكَ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُغْفَرَ ذَنْبُكَ، فَعِشْ مَعَ آيَاتِهِ.
---
🌧 ثالثًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ
رَوَى الإِمَامُ البخاري وَالإِمَامُ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
إِيمَانًا… أَيْ تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ.
وَاحْتِسَابًا… أَيْ طَلَبًا لِثَوَابِهِ، لَا رِيَاءً وَلَا عَادَةً.
فَتُغْفَرُ الذُّنُوبُ…
تُغْفَرُ أَخْطَاءُ السِّنِينَ…
تُغْسَلُ صَفَحَاتُ الْمَاضِي…
يَا لَهَا مِنْ فُرْصَةٍ لَا تُعَوَّضُ!
وَرَوَى الإِمَامُ الترمذي وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ:
«رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ».
رَغِمَ أَنْفُهُ… أَيْ خَسِرَ وَذَلَّ.
فَكَيْفَ نَرْضَى أَنْ نَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ؟
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الذُّنُوبُ…
يَا مَنْ بَكَيْتَ فِي الظَّلَامِ مِنْ خَجَلِكَ مِنَ اللَّهِ…
هَذَا رَمَضَانُ يَقُولُ لَكَ: عُدْ، فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
---
🕊 الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ، يُعْطِي عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا، وَيَغْفِرُ عَلَى الْعَمَلِ الْيَسِيرِ ذُنُوبًا كَبِيرَةً.
---
💎 رَمَضَانُ شَهْرُ الْكَرَمِ وَالإِحْسَانِ
رَوَى الإِمَامُ البخاري فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ».
أَجْوَدُ مَا يَكُونُ…
كَأَنَّ رَمَضَانَ يُفَجِّرُ يَنَابِيعَ الْعَطَاءِ فِي الْقُلُوبِ.
وَرَوَى الإِمَامُ مسلم عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ».
فَالصَّدَقَةُ فِي رَمَضَانَ لَيْسَتْ مَالًا يُنْقَصُ، بَلْ رِزْقًا يُزَادُ، وَرَحْمَةً تُسْتَجْلَبُ، وَذُنُوبًا تُغْفَرُ.
يَا عِبَادَ اللَّهِ…
أَطْعِمُوا الصَّائِمِينَ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الترمذي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ».
فَرُبَّ لُقْمَةٍ تُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، وَرُبَّ تَمْرَةٍ تَكُونُ سَبَبًا فِي رِفْعَةِ دَرَجَةٍ.
---
🌌 خَاتِمَةٌ تَبْكِي الْقُلُوبَ
يَا عِبَادَ اللَّهِ…
رَمَضَانُ أَيَّامٌ قَلِيلَاتٌ، وَاللَّيَالِي سَرِيعَاتٌ، وَالْأَعْمَالُ مَعْرُوضَاتٌ.
كَانَ مَعَنَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي أُنَاسٌ، وَالْيَوْمَ هُمْ تَحْتَ التُّرَابِ.
فَلَا تَدْرِي أَتُدْرِكُ رَمَضَانَ بَعْدَهُ أَمْ لَا.
فَاجْعَلْهُ رَمَضَانَ التَّوْبَةِ، وَرَمَضَانَ الْقُرْآنِ، وَرَمَضَانَ الدُّمُوعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنَ الْمَقْبُولِينَ، وَفِيهِ مِنَ الْمُعْتَقِينَ، وَعِنْدَكَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ.
اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاخْتِمْ لَنَا بِالْغُفْرَانِ وَالرِّضْوَانِ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
آمِينَ.
.png)