مرّت جنازة في المدينة يحملها أربعة رجال، والحرّ شديد.
فلما رآها الحسن البصري قال:
— والله لأكوننَّ خامسهم.
وبعد أن سار معهم سألهم:
— لِمَ أنتم أربعة فقط؟
قالوا:
— والله إن امرأةً عجوزًا استأجرتنا لنغسله ونكفّنه ونحمله.
فقال الحسن في نفسه: سبحان الله… تُستأجر جنازة؟
وبعد الدفن وقف ينظر إلى امرأةٍ عجوز قد جثت على ركبتيها تبكي وتقول:
— يا رب، ما لي سواك… هذا ابني العاصي، ذو القلب القاسي، عصاك كثيرًا، اللهم ارحمه وتجاوز عنه.
ثم ما لبثت أن ابتسمت وانصرفت، فتعجب الحسن ولحق بها وقال:
— بالله عليكِ، ما شأن صاحب هذه الجنازة؟
قالت:
— لولا أنك الحسن البصري ما أخبرتك. هذا ابني، كان عاصيًا يعرفه أهل البلدة بسوءه، لكنهم لا يعلمون أنه تاب إلى الله.
كنت أدعو عليه ليلًا باكية، فاستجاب الله الدعاء، فابتلاه بمرض أقعده، فتاب توبةً نصوحًا.
فلما حضره الموت قال لي:
— يا أمّاه، إذا متّ فضعي خدّي على التراب، واطئيه بقدمك، وقولي: هذا جزاء من عصى الله.
وفعلت، وهو يبكي. ثم قال:
— لا تخبري أحدًا من أهلي بموتي، واستأجري أربعة رجال لدفني، وقفي عند قبري ساعة حتى يريكِ الله آية.
قالت:
— ففعلت، ووقفت أدعو له، فسمعت صوته من القبر يقول:
يا أمّاه، اذهبي… فقد وجدت ربي أكرم الأكرمين.
