مراقبة الله تعالى
الخُطْبَةُ الأُولى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْد: فاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ وَلا تَعْصُوْه!
فَإِنَّهُ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
قال ابن كثير في تفسيره "يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء ، جليلها وحقيرها ، صغيرها وكبيرها ، دقيقها ولطيفها ; ليحذر الناس علمه فيهم ، فيستحيوا من الله حق الحياء ، ويتقوه حق تقواه ، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه ، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر ".
عِبَادَ الله: مراقبة الله تعالى هي العبادة المفقودة.
قال العلماء في معناها: إِنَّهَا عِلْمُ القَلْبِ بِقُرْبِ الرَّبِّ: إِنَّهَا مُرَاقَبَةُ اللهِ في الغَيْبِ!
وَكُلَّمَا قَوِيَتِ المَعْرِفَةُ بِاللهِ: قَوِيَ الحَيَاءُ مِنْ قُرْبِهِ وَنَظَرِهِ!
إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهْرَ يَومًا فَلا تَقُلْ
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَليَّ رَقِيبُ
وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعَةً
وَلا أَنَّ مَا تخْفيه عنه يَغِيبُ
وَمَنْ أَصْلَحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الله: أَصْلَحَ اللهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس!
وَمَنِ انْتَهَكَ مَحَارِمَ اللهِ في الخَلْوَةِ، أَهَانَهُ اللهُ في العَلانِيَة! ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم﴾ .
كيف تتخلص من ذنوب الخلوة؟
وَأَوَّلُ خُطْوَةٍ في طِرِيْقِ التَّوْبَةِ، مِنْ ذُنُوْبِ الخَلْوَةِ: مَرَاقَبَةُ اللهِ فِي السِّرِّ والعَلَانِيَةِ؛ والحَذَرُ مِن الدَّارِ الآخِرَةِ!
حَتَّى تَكُوْنَ في مَصَافِّ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.
وَاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَى السَّرَائِر، وَعَالِمٌ بِمَا فِي الضَمَائِر! ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
يَقُوْلُ ابْنُ القَيِّم: (أَحَاطَ اللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا! وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَات، وَأَحَاطَ بَصَرُهُ بِجَمِيعِ المَرْئِيَّات؛ فَيَرىَ دَبِيْبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاء، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَمَّاءِ، في اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، فَالغَيْبُ عِنْدَهُ شَهَادَة، وَالسِرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَة، يَعْلَمُ السِرَّ، وأَخْفَى مِنَ السِرِّ!) .
وَلمَّا غَفَلَ المُنَافِقُوْنَ عَنْ نَظَرِ اللهِ؛ أَظْهَرُوا خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ؛ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ! ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
وَمِمَّا يَعْصِمُ الإِنْسَانَ، مِنْ ذُنُوْبِ الخَلْوَةِ: مَخَافَةُ اللهِ، فَإِنَّهُ (إِذَا سَكَنَ الخَوْفُ الْقُلُوبَ؛ أَحْرَقَ مَوَاضِعَ الشَّهَوَاتِ مِنْهَا!) .
وَمِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: (رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ!) .
وَرَاوَدَ رَجُلٌ اِمْرَأةً فَأَبَتْ؛ فَقَالَ لها: (ما يَرَانَا إِلَّا الكَوَاكِبُ)، فقالت: (فَأَيْنَ مُكَوْكِبُهَا؟!) .
وَمَنِ اسْتَشْعَرَ رُؤْيَةَ اللهِ، وأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ؛ فَلَنْ يَخْلُوَ بِمَعْصِيَتِه!
﴿إنَّ اللهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾.
وَمِنْ وَصَايَا النبيِّ ﷺ: (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ!) .
والحَيَاءُ مِنَ اللهِ: حِجَابٌ حاجِزٌ عَن الخَلْوَةِ بالحَرَامِ!
فاتَّقِ اللهَ أَنْ يكونَ أهْوَنَ الناظِرِينَ إِلَيْك، وَاسْتَحِ مِنْهُ على قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ!
سُئِلَ بَعْضُ السَّلَف: (بِمَ يُسْتَعَانُ عَلَى غَضِّ الْبَصَرِ؟)
قَالَ: (بِعِلْمِكَ أَنَّ نَظَرَ اللهِ إِلَيْكَ؛ أَسْبَقُ مِنْ نَظَرِكَ إِلَى مَا تَنْظُرُهُ!) .
وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاللهِ: مِنْ ذُنُوْبِ الخَفَاءِ؛ صَرَفَ اللهُ عَنْهُ شَرَّهَا، فـالدُّعَاءُ مَلْجَأُ المتَّقِين، مَنْ دَخَلَهُ كانَ مِنَ الآمِنِين؛ فَقَدْ لَجَأَ إِلَيْهِ يُوْسُفُ عِنْدَمَا هَجَمَتْ عَلَيْهِ الفِتْنَة! فـ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ﴾؛ فَصَرَفَ اللهُ عَنْهُ السُّوْءَ والفَحْشَاء!
وَمِنْ دُعَاءِ النبيِّ ﷺ: (أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) .
وَالاِسْتِخْفَافُ بِنَظَرِ اللهِ في الخَلْوَةِ، والجُرْأَةُ على مَعْصِيَةِ الأَسْرَارِ، مَعَ الإِصْرَارِ وَالاِسْتِهْتَارِ، وَتَرْكِ النَّدَمِ والاِنْكِسَارِ؛ يُؤَدِّي إلى الخَسَارِ والدَّمَارِ!
قال ﷺ: (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي، يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا؛ فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا!) قال ثَوْبَانُ : (يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟) قال: (إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا!) .
وَمَنْ حَفِظَ نَفْسَهُ مِن الفِتْنَةِ، وَخَشِيَ رَبَّهُ في الخَلْوَة؛ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّة! ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ*. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
وَمِنْ حِيَلِ الشَّيْطَانِ: أَنْ يَصُدَّ المُسْلِمَ عَنْ إنْكَارِ المُنْكَرِ؛ بِحُجَّةِ أَنَّهُ يُمَارِسُهُ في الخَفَاء!
وهذا مِنْ تَلْبِيسِ إبليس؛ لِأَنَّ على الإنسانِ وَاجِبَيْن: 1- أَنْ يَنْصَحَ نَفْسَه، 2- وأَنْ يَنْصَحَ غَيْرَه؛ فَتَرْكُ أَحَدُ الوَاجِبَيْنِ؛ لا يَكُوْنُ رُخْصَةً في تَرْكِ الآخَر!
ولو كانَ المرءُ لا يَنْهَى عنِ مُنْكَرٍ حتَّى لا يكونَ فيهِ شيءٌ؛ ما أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ، ولا نَهَى عن منكَرٍ!
والمُجَاهَرَةُ بالذَّنْبِ؛ أَعْظَمُ مِنَ الاِسْتِتَارِ بِه! قال ﷺ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِيْنَ) .
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم
الخُطْبَةُ الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه.
عِبَادَ اللهِ: في زَمَنِ التَّقْنِيَةِ، وَسُهُوْلَةِ المَعْصِيَةِ: تَنْكَسِرُ القُيُوْدُ، وَتَزُوْلُ الْحُدُودَ؛ فَلَا يَبْقَى حَسِيْبٌ وَلا رَقِيْبٌ، إِلَّا خَوْفُ اللهِ، وَمُرَاقَبَتُهُ فِي السِّرِّ، وَخَشْيَتُهُ بِالْغَيْبِ!
وَحِينَ تَتَزَيَّنُ لَكَ المَعْصِيَةُ؛ وَتَكُونُ في مُتَنَاوَلِ يَدِكَ؛ فَاحْذَرْ مِنْ السُّقُوْطِ!
فَإِنَّهُ امْتِحَانٌ حَقِيْقِيٌّ، لِقُدُرَاتِكَ الإِيْمَانِيَّةِ، وَرَقَابَتِكَ الذَّاتِيَّةِ!
﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
فَرَاقِبُوْا الرَّحْمَن، وَاحْذَرُوا مَجَالِسَ الشَّيْطَانِ؛ ومَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ: هَدَاهُ اللهُ وَاجْتَبَاهُ!
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: (خَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ: تَصْدُرُ عَنْ قُوَّةِ إِيمَانٍ، وَمُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ وَالهَوَى؛ وَأَعَزُّ الأَشْيَاءِ: الْوَرَعُ فِي الخَلْوَةِ!) .
وَمَنْ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ: وَتَلَطَّخَ بِهَذِهِ القَاذُوْرَاتِ؛ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، وَلْيَغْتَسِلْ بِمَاءِ التَّوْبَةِ! فَـ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
*******
* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِيْن.
* اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُوْمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوْبِين.
