إن الحمد لله
وبعد
فعن ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ : الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ )
رواه الترمذي (1572) وصححه الألباني في صحيح الترمذي
لقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال الفاضلة التي تدخل الجنة برحمة الله، كما أظهر الأعمال السيئة التي تحجب عن الجنة، وتلك التي تردي في النار؛ ليكون المسلم على بصيرة من أمره.
وفي هذا الحديث يروي ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات"، أي: من فارقت روحه جسده، وهذا كناية عن الموت، "وهو بريء من ثلاث"، أي: وهو خال ولم يقع في إحدى هذه الخصال، أو أن من وقع فيها، ثم تاب عنها ورد الحقوق لأصحابها، "دخل الجنة"، أي: كان حقا على الله أن يدخله الجنة".
التحذير من الكبر:
الأولى: "من الكبر"، وهو بطر الحق وغمط الناس- كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهو ما يأتي في النفس من عجب وتعال على خلق من خلق الله.
فالكِبْر مرض دنيء، وداء عضال، وأول من سنه إبليس اللعين.
وقد حذر الإسلام من الكبر أشد التحذير، فمن ذلك:
- أن المتكبر قدوته الشيطان، قال الله تعالى عنه لما أبى أن يسجد لآدم عليه السلام: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:34].
- أن الله لا يحب المتكبرين، قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [لقمان:18].
- أن المتكبر في النار - والعياذ بالله - قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" رواه مسلم.
- أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بُولَس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون عصارة أهل النار طينة الخبال. روى ذلك أحمد والترمذي، وصححه مرفوعاً.
- وقد نهى الإسلام عن إسبال الثياب، والتفاخر بالأحساب ونحوها، لأنها تدل على الكبر لدى فاعلها.
وقد أمر الإسلام بالتواضع للمسلمين، قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجر:88]، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما تواضع أحد لله إلا رفعه" رواه مسلم، وقال أيضاً: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد" رواه مسلم.
والإسلام يدعو إلى مكارم الأخلاق، وينهى عن سيئها، وهو دين الألفة والمحبة والرحمة والإخاء والتباذل والتناصر، والكبر يتنافى مع كل هذه المعاني.
وأثر عن الأحنف قوله: "عجبت لمن يجري في مجرى البول مرتين كيف يتكبر!!"
وأثر عن أحد الكبراء أنه كان ذا تيه وكبر فرآه مطرف بن عبد الله يسحب حلته فقال له: إن هذه مشية يبغضها الله: قال أو ما تعرفني؟!
قال بلى: أوّلُك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة.
وقال أحد السلف: "ما دخل قلب امرئ من الكبر شيء إلا نقص من عقله مقدار ذلك".
يا مظهر الكبر إعجـابًا بصورته *** انظر خلالك فـإن النتن تشـذيب
لو فكـر الناس فيما في بطـونهم *** ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة *** بـأربع هو في الأقـذار مضروب
أنـف يسيل وأذن ريحها سهك *** والعين مرفـضّة والثغـر ملعـوب
يا ابن التراب ومأكول التراب غدًا *** أقصر فإنـك مأكـول ومشروب
أفما آن لك -يا عبد الله- أن تقصر عن هذا الخلق الذميم؟!
الثانية: "والغلول" وهو ما سرق وأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم.
ويدخل فيه سرقة أموال المسلمين عامة.
واسمع إلى هذه القصة:
وفد على سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ذات يوم رسولٌ من بعض الآفاق، فوصل إلى باب سيدنا عمر ليلًا، فقرع الباب، فخرج إليه البوَّاب، فقال له: أخبِرْ أمير المؤمنين أن بالباب رسولًا من فلانٍ عاملِهِ، فدخل وأخبر سيدنا عمر، وكان أراد أن ينام فقعد، وقال: ائذن له.
فأوقد سيدنا عمر المصباح، وأجلس الرسول، وأخذ يتحدث معه في أمور الخلافة، وما يخص أمور المسلمين، فعندما انتهى من الحديث عن أمور المسلمين، سأل الرسول سيدنا عمر فقال: يا أمير المؤمنين، كيف حالك في نفسك وبدنك؟ وكيف عيالك وجميع أهل بيتك؟ وإذا بسيدنا عمر يقول له: توقَّف أيها الرسول، ويقوم سيدنا عمر بإطفاء المصباح، ويشعل مصباحًا آخر، ثم قال: سَلْ عما أحببت، فعجِب الرسول، وقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُك فعلتَ أمرًا ما رأيتك فعلت مثله، قال: وما هو؟ قال: إطفاؤك للمصباح الأول عند مسألتي إياك عن حالك وشأنك؛ يعني عن أمورك الشخصية.
اسمعوا - أيها الأحبة - إلى إجابة سيدنا عمر رضي الله عنه، اسمعوا إلى موقف سيدنا عمر رضي الله عنه، وقارنوه بما يجري في دنيا اليوم.
قال له سيدنا عمر رضي الله عنه: "يا عبدالله، إن المصباح الذي رأيتني أطفأته، زيتُه من بيت مال المسلمين، وكنت أسألك عن حوائجهم وأمور تعود بالنفع إليهم، فكان المصباح يوقد بين يدي لمصلحة المسلمين، فلما صِرْتَ تسألني عن شأني وعيالي وأمور لا تعود بالنفع إلى المسلمين، أطفأت المصباح، وأشعلت مصباحي الذي زيته من مالي الخاص... وكل ذلك حتى لا نستعمل أموال المسلمين في غير منافعها"
ولخطورة الغُلُول؛ تحدث الله تعالى عنه في كتابه العزيز فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 161].
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يَنهَى عن الغُلُول، وينصح المسلمين بالابتعاد عنه؛ لأن فيه وعيدًا شديدًا، ولخطورته كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على الغالِّ، وإن مات في الحرب، فهذا رجل مات بخيبرَ فرفض النبي صلى الله عليه وسلم الصلاةَ عليه؛ فقال: ((صلُّوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك - يعني: تأثروا لكون الرسول صلى الله عليه وسلم تأخر عن الصلاة عليه، ومعنى ذلك أن عنده جرمًا كبيرًا، وأنه أتى بشيء عظيم فتغيرت وجوه الناس - فقال صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خَرزًا من خرز يهودٍ لا يساوي درهمين)).
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يصليَ على من سَرَقَ خرزًا من خرز يهود، لا يساوي درهمين، فكيف بمن يسرق الملايين من الدولارات من أموال المسلمين؟!
وهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: ((لَمَّا كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مرُّوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، إني رأيته في النار في بُرْدَةٍ غلَّها، أو عباءة))
بل جاءت الأحاديث النبوية لتوضح لنا أن كل شيء يغُلُّه الغالُّ يجيء يوم القيامة حاملًا له؛ ليُفتضح به على رؤوس الأشهاد، سواء أكان هذا المغلول حيوانًا أو إنسانًا، أو ثيابًا أو ذهبًا وفضة...
فمن سرق بعيرًا، فسيأتي يوم القيامة وهو يحمل على رقبته بعيرًا له رُغاء - الرُّغاء صوت البعير - ومن سرق شاةً، فسيأتي حاملها يوم القيامة على رقبته لها ثُغاء - هو صوت الشاة - ومن سرق دبة غاز، أو دراجة نارية، أو سيارةً أو متاعًا، أو سرق مالًا، جاء يحمله يوم القيامة على رقبته، مفضوحًا بين العباد، إلا أن يتوب إلى الله تعالى، ويرد ما سرقه إلى أصحابه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فكانت الثالثة في الحديث : "والدين" وهو أن يأخذ مال الغير على وجه الحاجة، ثم يموت قبل أن يقضيه، قيل: إن هذا مقيد على من قدر على القضاء وخالف في الوفاء به.
قد جاءت الشريعة الإسلامية بالتشديد في أمر الدين ، والتحذير منه ، والترغيب في احتراز المسلم منه ، ما أمكنه ذلك :
فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة :
( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ . فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ ؟! فَقَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ [أي : استدان] حَدَّثَ فَكَذَبَ ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ) رواه البخاري (832) ومسلم (589)
وروى النسائي (4605) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ رضي الله عنه قَالَ :
( كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ وَضَعَ رَاحَتَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ ثُمَّ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَاذَا نُزِّلَ مِنَ التَّشْدِيدِ ؟ فَسَكَتْنَا وَفَزِعْنَا ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ سَأَلْتُهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا هَذَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نُزِّلَ ؟ فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لَوْ أَنَّ رَجُلا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيِيَ ، ثُمَّ قُتِلَ ، ثُمَّ أُحْيِيَ ، ثُمَّ قُتِلَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ ) حسنه الألباني في صحيح النسائي (4367)
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على من مات وعليه ديناران ، حتى تكفل بسدادهما أبو قتادة رضي الله عنه ، فلما رآه من الغد وقال له قد قضيتها ، قال صلى الله عليه وسلم : ( الْآنَ بَرَدَتْ عَلَيْهِ جِلْدُهُ ) مسند أحمد (3/629) وحسنه النووي في "الخلاصة" (2/931)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (4/547) :
" وفي هذا الحديث إشعار بصعوبة أمر الدين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة " انتهى .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ) رواه الترمذي (1078)
قال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (4/164) :
" قوله : ( نفس المؤمن معلقة ) قال السيوطي : أي محبوسة عن مقامها الكريم . وقال العراقي : أي أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا " انتهى .
وقد جاء عن كثير من السلف التحذير من الدين أيضا :
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :
( َإِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ هَمٌّ وَآخِرَهُ حَرْبٌ ) رواه مالك في الموطأ (2/770)
وفي "مصنف عبد الرزاق" (3/57) :
قال ابن عمر رضي الله عنهما :
( يا حمران ! اتق الله ولا تمت وعليك دين ، فيؤخذ من حسناتك ، لا دينار ثَمَّ ولا درهم )
لم يأت كل هذا التشديد في أمر الدين إلا لما فيه من المفاسد على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع .
أما على مستوى الفرد فيقول القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (3/417) :
" قال علماؤنا : وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال ، والهم اللازم في قضائه ، والتذلل للغريم عند لقائه ، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه ، وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف ، أو يحدث الغريم بسببه فيكذب ، أو يحلف له فيحنث ، إلى غير ذلك ، وأيضا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به ، كما قال عليه السلام : ( نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى عنه ) رواه الترمذي 1078
وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله " انتهى .
وفي الحديث: التحذير من هذه الصفات الرديئة، وأنها سبب للحجب عن الجنة.