موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

عجائب المرض | خطبة الجمعة مكتوبة| عبدالغفار العماوي

 خطبة الجمعة مكتوبة

عجائب المرض

الخُطْبَةُ الأُوْلَى

إِنَّ الحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ، ونَستَغفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، ونَعَوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وسَيّئَاتِ أعمالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لَه، وأَشهَدُ أَن لا إله إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَه؛ وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.


أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ وَرَاقِبُوْهُ، فَالتَّقْوَى سَبَبٌ لِلْخَيرِ والثَّوَابِ، والنَّجَاةِ مِن الشَرِّ والعِقَابِ! ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

أَيُّهَا المسلمون: طُبِعَتْ هَذِهِ الدُّنيا على الأَكْدَار، فَهَذَا مُبْتَلىً بالجُوع، وذَاكَ بالخَوف، وآخَرُ بِفَقْدِ الحَبِيْب، وهَذَا بِخَسَارِةِ أَموَالِه، وآخَرُ بِـ(فَقْدِ صِحَّتِه)! قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا﴾.

ومِنْ أَنوَاعِ البَلاءِ والاِفتِتَان: وُقُوعُ المَرَضِ في الأَبدَانِ! ﴿ونَبْلُوكُمْ بالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.

ثَمَانِيَةٌ تَجْرِيْ على النَّاسِ كُلِّهِمْ  

  ولا بُدَّ لِلإِنْسَانِ يَلْقَى الثَّمَانِيَه

 سُرُوْرٌ وحُزْنٌ واجْتِمَاعٌ وفُرْقَةٌ

وعُسْرٌ ويُسْرٌ ثُمَّ سُقْمٌ وعَافِيَه

 

والنَّاسُ مَعَ المَرَضِ أَحْوَالٌ شَتَّى: مِنْهُم المَأْجُورُ، ومِنْهُم المأْزُوْرُ؛ قال ﷺ: (إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ: فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، ومَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ).

ولأَهلِ الإِيمَانِ مَعَ المَرَضِ شَأْنٌ آخَرُ! قال ﷺ: (يُبْتَلَى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ في دِينِهِ صَلابَةٌ: زِيدَ في بَلائِهِ، وإِنْ كَانَ في دِينِهِ رِقَّةٌ: خُفِّفَ عَنْهُ).

وكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ أَشَدّ فَرَحًا بِـالبَلاءِ مِنْ أَحَدِنا بِـالعَطَاءِ؛ لِعِلْمِهِمْ بِمَحَبَّةِ اللهِ لِأَهْلِ البَلاءِ؛ قال ﷺ: (إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ).

 قال ابنُ القَيِّم: (مَصلَحَةُ العَبدِ فِيمَا يَكرَهُ: أَضعَافُ مَصلَحَتِهِ فِيمَا يُحِبُّ؛ قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾).


ومِنْ عَجَائِبِ المَرَض: أَنَّهُ سَبَبٌ لِتَكْفِيرِ السِيّئَات، ورَفْعِ الدَّرَجَات؛ قال ﷺ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ؛ إِلَّا حَطَّ اللهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)،

 و(ما يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ والمُؤْمِنَةِ، في نَفْسِهِ ووَلَدِهِ ومَالِهِ؛ حتَّى يَلْقَى اللهَ وما عَلَيْهِ خَطِيْئَةٌ!).


 وقَالَ رَجُلٌ للنبيِّ ﷺ: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ هَذِهِ الأَمْرَاضَ الَّتِي تُصِيبُنَا؛ ماذَا لَنَا مِنْهَا؟) فقال ﷺ: (كَفَّارَاتٌ)، قال: (وإِنْ قَلَّتْ؟) قال: (وَإِنْ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا).


ومِمَّا يُذْهِبُ الخَطَايا، ويُطَهِّرُ الذنوبَ: الحُمَّى والحرارة؛ فَقَدْ دَخَلَ ﷺ على أُمِّ السَّائِبِ، فقال لها: (مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ تُزَفْزِفِينَ؟) -أي تَرْتَعِدِينَ- فقالت: (الحُمَّى، لَا بَارَكَ اللهُ فِيهَا)، فقال ﷺ: (لا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ: كَمَا يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ).


ومِن عَجَائِبِ المَرَض: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سُلَّمًا إلى المَنَازِلِ العَالِيَة!


 قالَ ﷺ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ؛ ابْتَلَاهُ اللهُ في جَسَدِهِ، أَوْ في مَالِهِ، أو في وَلَدِهِ؛ ثُمَّ صَبَّرَهُ على ذَلِكَ؛ حَتَّى يُبْلِغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ الله).


وَمِنْ عَجَائِبِ المَرَض: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ طَرِيقًا لِلصِّحَّةِ والعافية! 

ورُبَّمَا صَحَّتِ الأَجسَادُ بالعِلَلِ!

 يقولُ ابنُ القيِّمِ: (وكثيرًا ما تَكُونُ الآلامُ أَسبَابًا لِلْصِحَّة، وهذا شَأْنُ أَكْبَرِ أَمرَاضِ الأَبدَان؛ فَهَذِهِ الحُمَّى فيها مِنَ المنَافِعِ لِلأَبدَانِ ما لا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله، وفِيْهَا مِنْ إِذَابَةِ الفَضَلَاتِ وإِخْرَاجِهَا، ما لا يَصِلُ إِلَيهِ دَوَاءٌ غَيرُهَا! أَمَّا انتِفَاعُ القَلْبِ والرُّوحِ بالآلامِ والأَمرَاض؛ فَأَمْرٌ لا يُحِسُّ بِهِ إِلَّا مَنْ فِيهِ حَيَاة، فَصِحِّةُ القُلُوبِ والأَرْوَاح؛ مَوقُوفَةٌ على آلامِ الأَبدَانِ ومَشَاقِّهَا، وقَدْ أَحْصَيْتُ فَوَائِدَ الأَمرَاض؛ فَزَادَت على مَائَةِ فَائِدَة!) .


 وقَد يُرِيدُ اللهُ الخَيرَ لِلعَبدِ؛ فَيَبْتَلِيْهِ بِالمَرَضِ في آخِرِ حَيَاتِه؛ حَتَّى يَقْبِضَهُ الله، وهُوَ خَفِيفُ المَحْمَلِ، طَيِّبُ الرُّوْح؛ فَأَهْلُهُ بَيْنَ الهُمُومِ والأَحْزَانِ، وهُوَ يُهَيَّأُ لِلْحُورِ الحِسَان!


قال ﷺ: (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ؛ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيَا).


وَمِن رَحمَةِ اللهِ بالمَرِيضِ: أنَّه تُكتَبُ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ التي كانَ يَعْمَلُهَا وَهُوَ صَحِيحٌ مَعَافَى، لا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيءٌ!


 قال ﷺ: (إذَا مَرِضَ العَبدُ أو سَافَر؛ كُتِبَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا).


 قال العلماء: (يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ -ما دَامَ في حالِ الصِحَّةِ والفَرَاغ-؛ أَنْ يَحْرِصَ على الأَعمَالِ الصَّالِحَة، حتى إذا عَجَزَ عَنهَا لمرَضٍ أو شُغل؛ كُتِبَت لَهُ كَامِلَة).


وكَمَا أَنَّ العَافِيَةَ نِعْمَةٌ، فَإِنَّ المَرَضَ نِعْمَةٌ، إذا صَبَرَ عَلَيه؛ قال ﷺ: (عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لِأَحَدٍ إلَّا للمُؤْمنِ: إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا له).


أَقُولُ قَولِي هذا، وأَستَغفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم


الخُطْبَةُ الثَّانِيَة

الحَمدُ للهِ على إِحسَانِه، والشُّكرُ لَهُ على تَوفِيقِهِ وامتِنَانِه، وأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه.


أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِن عجائبِ المَرَضِ: حُصُولُ مَعِيَّةِ اللهِ للمريض!

 ففي الحديث: (إِنَّ اللهَ ( يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟! قال: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ؛ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟).


 قال ابنُ القَيِّم: (إِنَّ المَرِيضَ لَا بُدَّ أَنْ يَكْسِرَهُ المَرَضُ، فَإِذَا كَانَ مُؤْمِنًا: كَانَ اللهُ عِنْدَهُ!

فَالمَرِيضُ لَهُ مَدَدٌ مِنَ اللهِ، وهذا المَدَدُ بِحَسَبِ انْكِسَارِهِ وانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ (؛ فَإِنَّ العَبْدَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنْ رَبِّهِ؛ إِذَا انْكَسَرَ قَلْبُهُ).


وأَكثَرُ الخَلْقِ يَخَافُونَ مَرَضَ أَبدَانِهِم، ولَا يُبَالُونَ بِمَرضِ قُلُوبِهِم!

 والمؤمنُ العاقلُ: هُوَ الَّذِي يَخَافُ مَرَضَ قَلْبِهِ، لا مَرضَ بَدَنِهِ فقط؛ فإنَّ الأبدانَ تَبْلى، والأيَّامَ تَفْنَى، ولا يَبْقَى في القبور، إلَّا ما حُصِّلَ ما في الصدور!

 ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.


 ومَن أَرَادَ عَافِيَةَ قَلْبِهِ؛ فَلْيَتْرُكِ الآثَامَ: فَإِنَّ الذُّنُوبَ لِلقَلبِ بِمَنْزِلَةِ السُّمُومِ!


رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ

 وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا

وتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ 

 وخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا

************

* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلامَ والمُسلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكِين، وارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين: أَبِي بَكرٍ، وعُمَرَ، وعُثمانَ، وعَلِيّ؛ وعَنِ الصَّحَابَةِ والتابعِين، ومَنْ تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إلى يومِ الدِّين.

* اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، ونَفِّسْ كَرْبَ المَكرُوبِين، واقْضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِين، واشْفِ مَرضَى المسلمين.

* اللَّهُمَّ إِنَّا نَستَغفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا؛ فَأَرسِلِ السَّمَاءَ عَلَينَا مِدرَارًا.

* عِبَادَ الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.

* فَاذكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ﴿ولَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.

عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي