الخُطْبَةُ الأُوْلَى
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْد: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، واسْتَمْسِكُوا مِنَ الإِسْلامِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى؛ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
عباد الله:
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم﴾.
فالآية المباركة تحذير لأهل الايمان من قسوة القلوب!
عِبَادَ الله: أَعْظَمُ العُقُوْبَةِ: عَدَمُ الإِحْسَاسِ بِالعُقُوْبَة!
وَمِنَ العُقُوبَاتِ الخَفِيَّة: قَسْوَةُ القَلْبِ، والغَفْلَةُ عَنْ لِقَاءِ الرَّب!
قال الإِمَامُ مَالِك: (مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ: أَعْظَمَ مِنْ قَسْوَةِ القَلْبِ).
أسباب قسوة القلوب:
1- الإِصْرَار ُعلى المَعَاصِي: مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ سَبَبٌ لِلْقَسْوَةِ!
فكثرة الذنوب والمعاصي تقسي القلوب.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾.
وقال تعالى: ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
وقال عليه الصلاة والسلام" إذا أذنب العبد ذنبًا نكت في قلبه نكتة سوداء"
2- الاِنْغِمَاسُ في طَلَبِ الدُّنْيَا، وَطُوْلُ الأَمَل؛ يُفْضِي إلى جَفَافِ العَيْنِ، وقَسْوَةِ القَلْبِ.
3- الغفلة عن ذكر الله تعالى.
فترك ذكر الله عزوجل والغفلة عنه سبب لموت القلب وقساوته.
4- الغفلة عن القرآن الكريم.
فكم فيه من المواعظ والزواجر فمن ترك القرآن قسا قلبه شاء أم أبى.
5- التوسع في المباحات يؤدي إلى قسوة القلوب.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُم﴾.
قال بَعْضُ المُفَسِّرِيْن: (أَيْ لمَّا طَالَتْ آمَالُهُمْ: قَسَتْ قُلُوْبُهُمْ).
وَقَسْوَةُ القَلْبِ: ضَلالٌ وحِرْمَان، وَحِجَابٌ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَن؛ قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وَمِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النَّارِ: القَسْوَةُ والاِسْتِكْبَار؛ ومَا خُلِقَتِ النَّارُ الحَامِيَة؛ إِلَّا لِإِذَابَةِ الْقُلُوبِ القَاسِيَة!
قال ﷺ: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ، مُسْتَكْبِرٍ).
قالَ ابْنُ عُثَيْمِين: (العُتُلّ: الشَّدِيدُ الغَلِيظُ، الَّذِي لا يَلِيْنُ لِلْحَقِّ ولا لِلْخَلْقِ، الجوَّاظُ: الشَّحِيْحُ البَخِيْلُ).
والفَظَاظَةُ والقَسْوَةُ: سَبَبٌ لِلْنُّفْرَةِ والوَحْشَةِ!
قال اللهُ -لِنَبِيِّهِ ﷺ-: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.
قال ابْنُ كَثِير: (أَيْ: لُوْ كُنْتَ سَيّءَ الكَلَامِ، قَاسِيَ القَلْبِ؛ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوْكَ، وَلَكِنَّ اللهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ، وَأَلَانَ جَانِبَكَ لَهُمْ).
وَالقَلْبُ القَاسِي: أَضْعَفُ القُلُوْبِ، وَأَسْرَعُهَا قَبُوْلًا لِلْشُّبْهَةِ، وَوُقُوْعًا في الفِتْنَة.
قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.
وإِذَا كَانَ القَلْبُ قَاسِيًا حَجَرِيًّا: فَإِنَّهُ لا يَقْبَلُ الحَقَّ، وَلَوْ كَثُرَتْ دَلَائِلُهُ؛ كَمَا لَا تُنْبِتُ الأَرضُ الصَّلْبَة، وَلَوْ أَصَابَهَا كُلُّ مَطَرٍ!
قالَ شَيْخُ الإِسْلَام: (إِنَّ القَلْبَ إذَا كَانَ قَاسِيًا غَلِيظًا؛ بِمَنْزِلَةِ الحَجَرِ: لَا يَنْطَبِعُ فِيهِ الإِيمَانُ وَالعِلْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَحَلًّا لَيِّنًا).
وَخَيْرُ القُلُوْبِ: القَلْبُ الصَّافِي اللَّيِّن؛ فَهُوَ يَرَى الحَقَّ بِصَفَائِهِ، وَيَحْفَظُهُ بِلِيْنِهِ!
يقول تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُم﴾.
قال الكَلْبِي: (فَتَرِقَّ لِلْقُرْآنِ قُلُوْبُهُمْ).
وَمِنْ آثَارِ قَسْوَةِ القَلْبِ: سُوْءُ الفَهْمِ والقَصْدِ، وتَحْرِيْفُ الدِّيْن؛ قال ﷻ: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾.
وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا: سَقَاهُ مِنْ أَدْوِيَةِ المَصَائِب، مَا يُلَيِّنُ قَلْبَه، قالَ بَعْضُهُمْ: (لَوْلَا مِحَنُ الدُّنْيَا وَمَصَائِبُهَا؛ لَأَصَابَ العَبْدَ مِنْ أَدْوَاءِ الكِبْرِ، وَالعُجْبِ، وَالفَرْعَنَةِ، وَقَسْوَةِ القَلْبِ؛ مَا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِ!)؛ قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
دواء قسوة القلوب:
وَمِمَّا يُلَيِّنُ القُلُوْبَ:
1- مُخَالَطَةُ المَسَاكِيْن، وَمُسَاعَدَةُ المَكْرُوْبِيْن؛ فَقَدْ شَكَا رَجُلٌ إلى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ؛ فَقَالَ لَهُ: (إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِيْنَ قَلْبِكَ: فَأَطْعِمِ المِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ اليَتِيمِ).
2- وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ بِالتَّدَبُّرِ: تَفْتَحُ مَغَالِيْقَ القُلُوْب، وَتُذِيْبُ قَسْوَتَها!
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
قالَ ابْنُ القَيِّم: (فَهَذَا حَالُ الجبَالِ -وَهِيَ الحِجَارَةُ الصَّلْبَةُ- وَهَذِهِ رِقَّتُهَا وَخَشْيَتُهَا مِنْ جَلَالِ رَبِّهَا؛ فِيَا عَجَبًا مِنْ مُضْغَةِ لَحـْمٍ أَقْسَى مِنْ هَذِهِ الجِبَال! فَلَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ على اللهِ: أَنْ يَخْلُقَ لَهَا نَارًا تُذِيْبُهَا؛ فَمَنْ لَمْ يَلِنْ للهِ في هَذِهِ الدَّارِ قَلْبُهُ؛ فَلْيَتَمَتَّعْ قَلِيلًا؛ فَإِنَّ أَمَامَهُ المُلَيِّنَ الأَعْظَمَ!).
3- تذكر الموت وذِكْرُ الآخِرَةِ: يُزِيْلُ الغَفْلَةَ، ويُذِيْبُ القَسْوَةَ!
قال ﷺ: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ).
يَعْنِي المَوْتَ.
ذكر الموت صلاح للقلب القاسي، وترقيق له، فمن علم أنه سيموت هانت عليه الدنيا.
4- وَمِنْ أَدْوِيَةِ قَسْوَةِ القَلْب: زِيَارَةُ القُبُوْر، وَذِكْرُ البَعْثِ والنُّشُوْر.
قال ابنُ الجَوْزِي: (إنْ وَجَدْتَ مِنْ نَفْسِكَ غَفْلةً؛ فَاحْمِلْهَا إلى المَقَابِرِ، وَذَكِّرْهَا قُرْبَ الرَّحِيل).
5- وَمِنْ أَدْوِيَةِ قَسْوَةِ القَلْبِ: تَرْكُ الذُّنُوْب، وَذِكْرُ عَلَّامِ الغُيُوْب.
قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ البَصْرِي: (يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَشْكُو إِلَيْكَ قَسْوَةَ قَلْبِي؟) قال: (أَذِبْهُ بالذِّكْرِ!).
قال ابنُ القَيِّم: (في القَلْبِ قَسْوَةٌ، لا يُذِيْبُهَا إِلَّا ذِكْرُ الله؛ فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ: ذَابَتْ تِلْكَ القَسْوَة: كَمَا يَذُوْبُ الرَّصَاصُ في النَّار).
أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه.
عِبَادَ الله: هَذِهِ القُلُوبُ تَقْسُوْ كَالْحَجَرِ، وَتَصْدَأُ كَالحَدِيْد، وَتَتَّسِخُ كَالثِّيَاب؛ فَتَعَاهَدُوْهَا بِالتَّنْظِيْفِ والصِّيَانَة، وَلَيّنُوْهَا بِالتَّوْبَةِ والضَّرَاعَة، قَبْلَ أَنْ تَقُوْمَ السَّاعَة؛ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
* * * *
* اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِيْن.
* اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ خُلَفَائِكَ الرَّاشِدِيْن، الأَئِمَّةِ المَهْدِيِّين: أبي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعَلِيّ؛ وعَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ والتابعِين، ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلى يومِ الدِّين.
* اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُوْمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوْبِين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
