موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

خطورة الرشوة في الإسلام | خطبة الجمعة مكتوبة

 الخطبة الأولى

ان الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: 

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" 

أما بعد: عباد الله، أكلُ الحرامِ سببٌ للشّقاء والعَناء، يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كلُّ لحمٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ فالنّار أولَى به" صححه الألباني.

وممّا جاءَ فيه النهيُ الأكيدُ والزجرُ الشديد جريمةُ الرِّشوة أخذًا وإِعطاءً وتَوَسُّطًا، يقول ربُّنا -جلَّ وعلا-: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188].

فالرِّشوة -يا عباد الله- مغضبةٌ للرب، مجلبةٌ للعذاب، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ :( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي ) رواه أحمد وأبوداود وصححه الألباني.

فيا أيُّها المسلِم: احذَر أشدَّ الحذَر من الرِّشوَة؛ فهي من أكبرِ الذنوب وأعظم الجرائم؛ ولذا عدَّ أهل العلم الرِّشوةَ كبيرةً من كبائر الذنوب لما جاء فيها من النصوص الشرعيّة الصّريحة.

الرِّشوةُ داءٌ وَبيل ومَرضٌ خَطير، تحلُّ بسَبَبها منَ الشرور بالبلادِ ما لا يُحصَى، ومن الأضرارِ بالعبادِ ما لا يُستقصَى، فما وَقَع فيها امرؤٌ إلا ومُحِقَت مِنه البركةُ في صحّته وفي وقتِه ورزقِه وعيالِه وعمرِه، وما تدنَّس بها أحدٌ إلا وحُجِبَت دعوتُه، وذهبَت مروءتُه، وفسَدَت أخلاقُه، ونُزِع حياؤُه، وساء مَنبَتُه. 

أيّها المسلمون: حَقيقةُ الرِّشوة: كلُّ ما يدفَعه المرءُ مِن مالٍ ونحوِه لمن تولَّى عَملاً من أعمَال المسلمين ليتوصَّل به المُعطِي إلى ما لا يحِلُّ له. ومن أعظم أنواعها: ما يُعطَى لإبطالِ حقٍّ أو إحقاق باطلٍ أو لظلمِ أحد.

ومن صوَر الرِّشوة -يا عباد الله- مَن رَشَى ليُعطَى ما ليس له ولو كان مما تعود مُلكيَّته للمال العام، أو ليدفَع حقًّا قد لزِمَه، أو رَشى ليُفضَّل على غيره من المُسلمين، أو يُقدَّم على سواه من المُستحقِّين في وظيفةٍ ونحوها.

أيّها المسلم: الرِّشوَة مُحرَّمةٌ بأيّ صورةٍ كانت، وبأيّ اسمٍ سُمِّيَت؛ أهديةٌ، أو مكافأةٌ، أو كرامة، فالأسماء في شريعة الإسلام لا تُغيِّر من الحقائق شيئًا، فالعبرة للحقائق والمعاني لا للألفاظ والمباني.

روى البخاريّ ومسلِم عن أبي حميدٍ الساعديّ -رضي الله عنه- قال: استعملَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأَزْد، فلمّا قدِمَ قال: هَذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ، فلمّا علِمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قامَ خطيبًا على المِنبر، فحمِدَ الله وأثنى عَلَيه، وقال: "ما بالُ عاملٍ أبعثُه فيقول: هذا لكم وهذا أُهدِيَ إليَّ؟! أفلا قعَدَ في بيت أبيه أو أُمِّه حتى ينظُر أيُهدَى إليه أم لا؟! والذي نفسي بيده، لا ينالُ أحدٌ منكم منها شيئًا إلا جاء يوم القيامة يحملُه على عُنقه". الحديث. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "هدايا العُمَّال غُلول" رواه أحمد وصححه الألباني.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ وَسَائِلِ مُكَافَحَةِ الرَّشْوَةِ وَالْحَدِّ مِنِ انْتِشَارِهَا: مُرَاقَبَةَ اللهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَتَرْبِيَةَ النَّفْسِ وَتَهْذِيبَهَا عَلَى حُبِّ الْفَضَائِلِ، وَتَجَنُّبِ الرَّذَائِلِ، وَالْعَمَلِ عَلَى تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللهِ ؛ وَكَذَلِكَ تَعَاوُنُ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الْكَبِيرَةِ بِتَكْثِيفِ التَّوْعِيَةِ بِخَطَرِهَا ، وَبَيَانِ مَضَارِّهَا وَآثَارِهَا عَلَى الدِّينِ وَالْفَرْدِ وَالأَمْنِ وَالنِّظَامِ وَالتَّنْمِيَةِ وَالاِقْتِصَادِ، وَالتَّعَاوُنِ مَعَ الْجِهَاتِ الْخَاصَّةِ بِالإِبْلاَغِ عَنْ كُلِّ مَنْ يَتَعَامَلُ بِهَا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [ الأنفال: 24 ]

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- فِي أَمْوَالِكُمْ ؛ فِي طُرُقِ كَسْبِهَا، وَفِي وُجُوهِ بَذْلِهَا، فَإِنَّ اللهَ سَائِلُكُمْ عَنْهَا؛ فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- : «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب الهبة: "باب مَن لم يقبل الهدية لعلة"، عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- قال: "كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ رِشْوَةٌ" (صحيح البخاري 3/ 159).


قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- في شرحه للحديث: "وصله ابن سعد بقصة فيه مِن طريق فرات بن مسلم قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز التفاح فلم يجد في بيته شيئًا يشتري به، فركبنا معه فتلقاه غلمان الدير بأطباق تفاح، فتناول واحدة فشمها، ثم رد الأطباق، فقلت له في ذلك؟ فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت ألم يكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- يقبلون الهدية؟ فقال: "إنها كانت لأولئك هدية، وهي للعمال بعدهم رشوة".


قال ابن حجر -رحمه الله-: "ووصله أبو نعيم في الحلية من طريق عمر بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز في قصة أخرى" (انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 5/ 261).


وفي المقابل لذلك: حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ الْخَازِنَ الْمُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ، فَيُعْطِيهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا، طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ) (متفق عليه).  


(الْخَازِنَ): مبتدأ. 

و(أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ): خبر. 

(الْأَمِينَ): الذي يؤدي ما اؤتمن عليه. 

(يُنْفِذُ مَا أُمِرَ بِهِ): أي يفعله؛ لأن مِن الناس مَن يكون أمينًا، لكنه متكاسل، فالمراد الأمين القوي لا الأمين الضعيف. 

(طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ): طيبة نفسه إذا نفذ وأعطى ما أمر، لا يمنُّ على المعطي، أو يظهر فضلًا عليه، بل يعطيه طيبة به نفسه.

 يكون (أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ): يُثاب بثواب المتصدق مع أنه لم يدفع مِن ماله شيئًا.

وقد ورد أن مسروق بن الأجدع ( من التابعين ) شفَع شفاعة فأَهدى له المشفوع له جاريَةً، فغَضِبَ وردَّها.

 وسُئل طاووس ( من التابعين ) عن هدايا السلطان فقال: سُحْت.

 وأخذ عمر ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال، وقال: إنما أُعطيتما لمكانِكُما منِّي.

 وأهْدَت امرأة أبي عبيدة ابن الجرَّاح إلى ” ماتون ” ملكة الروم خَلُوقًا ـ طيبًا ـ فكافأتها بجَوهر، فأخذه عمر فباعه وأعطاها ثمن الخَلُوق، وردَّ بَاقِيَهُ لبَيْتِ المال.

 ولما ردَّ عمر بن عبد العزيز هديَّة قيل له: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقْبَلُ الهديَّة، فقال: كان ذلك له هديَّة ولنا رِشْوة ” تاريخ السيوطي ص 157 ” أي: كان يتقرَّب به إليه لنبوته لا لولايته.

ومما يؤْثر في هذا الموضوع أن محمد بن مَسْلمة عندما أرسله عمر بن الخطاب ليُشاطر عمرو بن العاص ماله امتنع عن الأكل عنده وعدَّه رِشوة ” العقد الفريد لابن عبد ربه ج1 ص 14 “. 

 وبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن رواحة إلى أهل خَيْبر ليُقدِّر الزكاة الواجبة عليهم، فأرادوا أن يُرْشوه فقال: تُطعموني السُّحت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إلىَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير، ولا يَحْملني بُغْضي لكم وحبِّي إياه ألَّا أعدل بينكم فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض ” زاد المعاد لابن القيم ج1 ص 119 ” . 

وجاء في تفسير القرطبي ” ج6 ص 183 ” عن عمر ـ رضى الله عنه ـ قوله: رِشوة الحاكم سُحْت، وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ” كلُّ لحْم نَبَتَ بالسُّحت فالنار أولى به ” قالوا: يا رسول الله وما السحْت؟ قال ” الرِّشوة في الحُكم “.

وقيل لوهب بن مُنبه: الرِّشوة حَرَام في كل شيء؟ قال لا إنما يُكره من الرِّشوة أن تُرْشي لتعطي ما ليس لك، أو تدفع حقًا قد لزمك، فأما أن تُرشي لتدفع عن دينك ومالك ودمك فليس بحرام، قال أبو الليث السمرقندي الفقيه: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يدْفع الرَّجل عن نفسه وماله بالرِّشوة، وهذا كما روى عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة، فرَشَا بدينارَيْن وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع.


هَذَا؛ وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد،

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين. 

اغفِر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا، ربَّنا اغفِر لنا ولوالدِينا، وارحَمهم كما ربَّونا صِغارًا، 

سبحان ربِّك ربِّ العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

خطورة الرشوة في الإسلام / خطبة الجمعة مكتوبة



عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي