إِنَّ الْحَمْدَ للهِ, نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ, وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ, وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ.
أَحِبَّتِي فِي اللهِ: إِنَّ هُنَاكَ وَظَائِفَ شَرْعِيَّةً فِي رَمَضَانَ بَيَّنَهَا رَسُولُنَا الْكَرِيمُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِسُنَّتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَسِيرَتِهِ الْعَمَلِيَّةِ، وَهَذِهِ الْوَظَائِفُ تَتَضَمَّنُ أُمُوراً مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَشْمَلُ شَهْرَهُ كُلَّهُ فِي أَوَّلِهِ وَوَسِطِهِ وَآخِرِهِ، وَعَلَى هَدْيِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَكُونُ مَنْهَجُ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَسِيرُ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ كَيْ يَظْفَرَ بِالْقَبُولِ وَالرِّضْوَانِ مِنَ اللهِ تَعَالَى:
أَوَّلاً: الإِحْسَانُ فِي الصِّيَامِ؛ فَالْعِبْرَةُ -أَيُّهَا الأَحْبَابُ- لَيْسَتْ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَقَطْ، وَلَكِنْ بِحُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ حَالِنَا عِنْدَ رَبِّنَا بِصِيَامٍ كَرِيمٍ، وَالإِحْسَانِ فِيهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَمِثْلُهُ حِفْظُ النَّفْسِ مِنَ الاِقْتِرَابِ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يَخْدِشُ أَوْ يُزَلْزِلُ بُنْيَانَ الصِّيَامِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]، فَإِذَا صَامَ الْمُؤْمِنُ صَامَ مَعَهُ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ وَلِسَانُهُ وَجَمِيعُ جَوَارِحِهِ، وَلاَ يَكُونُ يَوْمُ صَوْمِهِ وَيَوْمُ فِطْرِهِ سَوَاءً، وَعَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَحْذَرَ الْغَضَبَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ صَائِمٌ، إِذْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصِّيَامُ سَبَباً فِي سَكِينَةِ نَفْسِهِ لاَ فِي ثَوْرَتِهَا، وَإِذَا ابْتُلِيَ بِجَاهِلٍ أَوْ شَاتِمٍ فَلاَ يُقَابِلْهُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، بَلْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَعِظَهُ وَيَنْصَحَهُ.
ثَانِياً: إِحْيَاءُ لَيْلِهِ بِالْقِيَامِ: فَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، وَهِيَ قِيَامُ رَمَضَانَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، قَالَ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) [الفرقان:64].
وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْتَهِيَ لِيُكْتَبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ].
ثَالِثاً: الدُّعَاءُ: وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُلِحَّ عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي حَالِ صِيَامِهِ، وَعِنْدَ سَحُورِهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
وَوَرَدَ الْحَثُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي حَالِ الصِّيَامِ وَعِنْدَ الإِفْطَارِ، وَأَنَّ مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمُسْتَجَابَةِ دُعَاءَ الصَّائِمِ حَتَّى يُفْطِرَ أَوْ حِينَ يُفْطِرُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالدُّعَاءِ وَتَكَفَّلَ بِالإِجَابَةِ، فَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر:60].
رَابِعاً: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ: فَشَهْرُ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185].
وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَدَارَسَ الْقُرْآنَ مَعَ غَيْرِهِ لِيَفُوزُوا بِالْكَرَامَاتِ الأَرْبَعِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
خَامِساً: الْعُمْرَةُ: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]،
فَانْظُرُوا -أَحِبَّتِي فِي اللهِ- لِهَذَا الْفَضْلِ، مَا أَعْظَمَهُ! وَمَا أَفْضَلَهُ!.
سَادِساً: الْجُودُ وَالْكَرَمُ :
وَلَنَا فِي رَسُولِنَا صلى الله عليه وسلم الْقُدْوَةُ الْحَسَنَةُ، فَقَدْ كَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا الْجُودُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَعَانِي الصَّدَقَةِ، وَأَعْمَالِ الْخَيْرِ، إِذِ الْجُودُ: هُوَ سَعَةُ الْعَطَاءِ وَكَثْرَتُهُ، وَهَذَا شَامِلٌ لِكَثِيرٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ.
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
سَابِعاً: تَفْطِيرُ الصَّائِمِ:
فَقَدْ حَضَّ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ كَثِيرَ الأَجْرِ وَعَظِيمَ الثَّوَابِ؛ فَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].
ثَامِناً: تَحَرِّي الْحَلاَلِ وَتَجَنُّبُ الْحَرَامِ: فَعَلَى الْمُسْلِمِ الصَّائِمِ أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ وَتِجَارَتُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ مِنْ حَلاَلٍ، وَإِذَا كَانَ يَتَوَرَّعُ عَنِ الْحَرَامِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَفِي رَمَضَانَ أَوْلَى، فَلاَ مَعْنَى لأَِنْ يَصُومَ عَنِ الْحَلاَلِ وَيُفْطِرَ عَلَى الْحَرَامِ.
تَاسِعاً: تَنْظِيمُ الْوَقْتِ: فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ أَوْقَاتَ حَيَاتِهِ الْقَصِيرَةِ الْمَحْدُودَةِ فَيَشْغَلَهَا فِيمَا يَنْفَعُهُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَيَصُونَهَا عَمَّا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَخُصُوصاً أَوْقَاتَ شَهْرِ رَمَضَانَ الشَّرِيفَةَ الْفَاضِلَةَ الَّتِي لاَ تُعَوَّضُ وَلاَ تُقَدَّرُ بِكُنُوزِ الدُّنْيَا، وَهِيَ شَاهِدَةٌ لِلطَّائِعِينَ بِطَاعَاتِهِمْ، وَشَاهِدَةٌ عَلَى الْعَاصِينَ وَالْغَافِلِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَغَفَلاَتِهِمْ .
إِخْوَانِي الأَحْبَابَ: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الرَّاجِي رَحْمَةَ رَبِّهِ، الْخَائِفِ مِنْ عَذَابِهِ، أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ؛ فِي سِرِّهِ وَعَلاَنِيَتِهِ.
وَمِنْ عَلاَمَاتِ الْقَبُولِ لُزُومُ تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ وَبَعْدَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27]، فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِمَا سَبَقَ سَبِيلُ السَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالْقَبُولِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَبُلُوغِ التَّقْوَى الصَّادِقَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الأَنْبِيَاءِ إِخْوَانِهِ، وَعَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُمْ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَيُّهَا الأَحْبَابُ الْكِرَامُ: الْوَظِيفَةُ الْكَامِلَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ حِفْظُهَا فِي شَهْرِ الصَّبْرِ وَالطَّاعَاتِ: هِيَ الْكَفُّ عَنِ الْمَسَاوِئِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الأَذَى، وَحِفْظُ الْبَاطِنِ، وَأَدَاءُ حَقِّ الظَّاهِرِ بِالاِلْتِزَامِ بِأَحْكَامِ الإِسْلاَمِ، وَاتِّبَاعِ سُّنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فَإِصْلاَحُ الْبَاطِنِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ عِبَادَةِ الصِّيَامِ، مِنْ مُنْطَلَقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]، وَاللهَ نَسْأَلُ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ لَنَا جَمِيعاً.
وَمِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي أَحُثُّ أَحِبَّتِي فِي اللهِ عَلَى الْحِرْصِ عَلَيْهَا: تَعْجِيلُ الإِفْطَارِ وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ؛ فَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ؛ فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وَكَانَ بَيْنَ سُحُورِهِ صلى الله عليه وسلم وَقِيَامِهِ لِصَلاَةِ الْفَجْرِ قَدْرُ قِرَاءَةِ خَمْسِينَ آيَةً.
وَيَا أَيُّهَا الأَحْبَابُ، كُونُوا عَلَى شَوْقٍ وَتَرَقُّبٍ لأَكْرَمِ وَأَعْظَمِ لَيْلَةٍ، أَلاَ وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، بِحُسْنِ تَحْرٍّ لَهَا: بِالْعَمَلِ وَحُسْنِ الْعِبَادَةِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر:1-3]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وَهِيَ مَحْصُورَةٌ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ.
