موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

المتحسرون يوم القيامة | خطبة الجمعة مكتوبة

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد،

عباد الله أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله عزوجل في السر والعلن.

قال الله تعالى:{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.

المتحسرون يوم القيامة:

الخلائق جميعا سيجمعهم الله تعالى في يوم تشيب له الولدان، وتتصدع فيه القلوب وتقشعر له الأبدان، في مشهد مهول، وأحوال فظيعة، وأوقات عصيبة، ومواقف عظيمة؛ ( يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ).

الناس يوم القيامة صنفان:

إما آمنون كما في قوله تعالى( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )، هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك، له، ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة، ( لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ).

 والصنف الآخر: خائفون نادمون متحسرون يحزنهم الفزع الأكبر.

والحسرة: شدة التلهف والندم والتأسف، على ما فات ومضى، وهو تعبير عن الحزن لمصاب وقع، ومن أسماء يوم القيامة " يوم الحسرة" قال تعالى( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) وأي: حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته، واستحقاق سخطه والنار، على وجه لا يتمكن من الرجوع، ليستأنف العمل، ولا سبيل له إلى تغيير حاله بالعود إلى الدنيا؟!.

وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الْحَسْرَةِ يَوْمُ الْحِسَابِ، أُضِيفَ الْيَوْمُ إِلَى الْحَسْرَةِ لِكَثْرَةِ مَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ تَحَسُّرِ الْمُجْرِمِينَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِيهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ كَأَنَّهُ مِمَّا اخْتَصَّتْ بِهِ الْحَسْرَةُ، فَهُوَ يَوْمُ حَسْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ يَوْمَ فَرَحٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّالِحِينَ.

وباعتبار آخر الناس جميعا يتحسرون يوم القيامة، المؤمن والمحسن يتحسر لعدم ازدياده من الطاعة والإحسان، والمسيء يتحسر لتفريطه في جنب الله وضياع أوقاته في المعاصي والموبقات.

{ وأنذرهم يوم الحسرة } نفسه في ذلك المشهد العظيم، يوم تزل القدم، ولا ينفع الندم، للمسيء على إساءته، وللمحسن على عدم ازدياده من الإحسان.

هنالك حسرات خاصة لأهل الإيمان بسبب تفريطهم وتركهم أعمال محددة أو مقارفة أمور معينة، من ذلك:


1- يتحسر الانسان في الآخرة على الكثير من الأمور ومنها؟

على تفريطه في دار الدنيا: أي أنه يمضي به الوقت والأيام والشهور والسنين وهو في لهو دون أن يلتفت الى عمله وسعيه هل فيه زاد كثير للآخرة أم فقط دنياه.

 وهؤلاء يطلق عليهم كالأنعام وقوله تعال: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) { قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} (الانعام :31).

وفي تلك الأثناء يتذكر الساعات التي لم يستغلها في طاعة الله ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليعمل صالحاً (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ) فهي أول أمنية يتمناها الإنسان أن تترك له فرصة العودة ليعمل صالحاً وقد نسي أنه يخاطب علاَّم الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقد علم بكذبه وأنه لو أعاده إلى الدنيا لعاد كما كان من فعل المعاصي والتكاسل عن فعل الخيرات لذلك جاء الجواب قاطعاً لكل بصيص من أمل ولكل ألفاظ الخداع التي كان يستخدمها للهروب من عذاب القبر.

(كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

2ـ عض الأيــدي:

إنها لحظات الحسرة والندام عندما يستيقين الإنسان وهو في أرض القيامة إن صاحبه الذي كان يصاحبه قد خذله ولم يغن عنه من الله شيئا وإن تلك الجلسات والقهقهات والليالي الحمراء والمشاركة على موائد اللهو والعبث لم تشفع في النجاة مما هو فيه وهو يرى أمامه أن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه ـ حينها (يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً).هكذا المرء حين يندم ويتحسر يأخذ في يديه عضا وفرقعة وهي حالة نفسية يجسمها النادم فعلاً يشاهده الآخرون وهذه هي النتيجة الطبيعية لمصالحة أهل السوء ومعاداة أهل الخير والصلاح

.

3ـ عند عرض الأعمال:

عندما ما يوضع كتاب الأعمال ويرى كل إنسان ما قدم وأخر، يُفاجأ صاحب المعصية بما في كتابه فهذا الكتاب لم يترك كلمة قالها منذ بلوغه ولا فعلاً قام به داخل الأبواب الموصودة وفي ظلمة الليل وحين غفله الرقيب إلا من الله جل وعلا.

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

 هذا الكتاب سُطرت فيه جميع الحركات والسكنات عندها يصيح صاحبه نادماً (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) 

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) 

نعم لقد سجل الملكان كل شيء فهيهات أن يظلم هذا المرء بل يجازى بعمله إن خيراً فخيرا وإن شراً فشراً. 

وفي هذا الموقف العصيب يتمنى أنه لم يُسلم الكتاب ولم يدر ما الحساب بل يتمنى الموت دون العذاب الذي بدأ يعاينه ولم يغن عنه مال ولا جاه ولا سلطان.

وصدق الله العظيم (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ).

 بل إن الكافر والعياذ بالله يتمنى أن يكون ترابا تطؤه الأقدام فبقدر حرصه على الحياة في الدنيا تجده يحرص على الموت في الآخرة (إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا).

4ـ عند مجيء النار:

روى مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".

عندما يرى المرء النار بهذه الصورة العظيمة المفزعة يجرها أربعة آلاف وتسعمائة مليون ملك وقد تصاعدت منها الألسنة العملاقة وهو يسمع تغيضها وزفيرها وهي تصيح بصوت مرعب (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) حينها يتذكر الإنسان لحظات المعاصي والكسل والتسويف ومخادعة الله والآهات وقتها تبدأ الزفرات والآهات ويصيح الظالم ((وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)).

 هذه الأمنية التي يتمناها المرء هي أقصى ما يملكه ويستطيعه ولكن أتى له ذلك نسأل الله العفو والعافية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى).


5ـ بعد إلقائهم في النار

يقول الله تعالى (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً).

 هاهم قد اكتشفوا الطريق التي كانوا يسلكوها كانت طريقا خاطئة بسبب إتباعهم لسادتهم وكبرائهم ممن سلك طريق الشيطان وها هم يتجرؤن في تلك اللحظات على لعن سادتهم ومخاطبتهم بمثل هذه اللهجة الجريئة بعد ما عاشوا في الدنيا جبناء أذلاء صاغرين عن قولة الحق وإنكار المنكر وبعدما قذفوا في النار وذاقوا عذابها استيقظ شعورهم المتبلد وأخذوا يندمون على عدم إتباعهم لطريق الله ورسوله ولكن بعد فوات الأوان.

قال تعالى( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ).

ويقول جل شأنه : (أنْ تَقولَ نَفسٌ يا حَسْرتى عَلى ما فَرطتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الساخِرين) .

الزمر (56).

نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لسلوك الطريق المستقيم طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


المتحسرون يوم القيامة | خطبة الجمعة مكتوبة




عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي