حديث
الافتراق
من كتب
السنة والعقيدة
جمع
وترتيب
عبدالغفار
العماوي
شرح حديث
الافتراق
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف
الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ... أما بعد:
فهذا بحث مختصر حول حديث الافتراق، وكلام أهل العلم
من كتب السنة والعقيدة.
الحديث:
قد جاء هذا الحديث بروايات كثيرة متعددة جدًا، ومن
تلك الروايات:
-عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله
-صلى الله عليه وسلم-: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى
على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار
إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه
وأصحابي([1]).
وفي بعض الروايات: هي الجماعة.
-وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين
فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»([2]).
- عن عوف بن
مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين
فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، والذي نفسي بيده لتفترقن أمتي على
ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول الله،
ومن هي؟ قال: «الجماعة»([3]).
قال الحاكم : هَذَا حَدِيثٌ كَثُرَ فِي الْأُصُولِ
«وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،
وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مِثْلُهُ» وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَا جَمِيعًا عَلَى الِاحْتِجَاجِ
بِالْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَهُوَ ثِقَةٌ "([4]).
معاني
الكلمات:
افترقت: تباعدت
واختلفت.
فرقة: شيعة
وجماعة.
الجماعة:
أي الموافقون لجماعة الصحابة الآخذون بعقائدهم المتمسكون برأيهم([5]).
شرح الحديث:
النبي ﷺ قال: افترقت
اليهود على إحدى وسبعين فرقة يعني:
كلها هالكة إلا واحدة، وافترقت
النصارى على ثنتين وسبعين فرقة يعني:
كلها هالكة إلا واحدة، وستفترق
هذه الأمة على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة فالواحدة
هم أهل السنة والجماعة، هم الصحابة وأتباعهم بإحسان، أهل التوحيد والإيمان،
والثنتان والسبعون متوعدون بالنار، فيهم الكافر، وفيهم العاصي، وفيهم المبتدع، فمن
مات منهم على الكفر فله النار مخلدًا فيها، ومن مات على بدعة دون كفر، أو على
معصية دون كفر؛ فهذا تحت مشيئة الله، وهو متوعد بالنار.
وبهذا يعلم أنهم ليسوا كلهم كفار، بل فيهم الكافر
وفيهم غيره من العصاة والمبتدعة.
قَالَ عبد القاهر:"للْحَدِيث الْوَارِد فِي
افْتِرَاق الامة أَسَانِيد كَثِيرَة وَقد رَوَاهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم جمَاعَة من الصَّحَابَة كأنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة وَأبي الدَّرْدَاء
وَجَابِر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَأبي بن كَعْب وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ
وَأبي امامة ووائله بن الاسقع وَغَيرهم وَقد روى عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين
أَنهم ذكرُوا افْتِرَاق الامة بعدهمْ فرقا وَذكروا أَن الْفرْقَة النَّاجِية
مِنْهَا فرقة وَاحِدَة وسائرها على الضلال فِي الدُّنْيَا والبوار فِي الْآخِرَة
وروى عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ذمّ الْقَدَرِيَّة وَأَنَّهُمْ مجوس
هَذِه الامة وروى عَنهُ ذمّ المرجئة مَعَ الْقَدَرِيَّة وروى عَنهُ أَيْضا ذمّ
المارقين وهم الْخَوَارِج وروى عَن أَعْلَام الصَّحَابَة ذمّ الْقَدَرِيَّة
والمرجئة والخوارج المارقة.
وَقد ذكرهم
علي رضى الله عَنهُ فِي خطبَته الْمَعْرُوفَة بالزهراء وبرىء فِيهَا من اهل
الاديموات، وَقد علم كل ذِي عقل من أَصْحَاب المقالات المنسوبة الى أَن النَّبِي
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهِ السَّلَام لم يرد بِالْفرقِ المذمومة الَّتِي
أهل النَّار فرق الْفُقَهَاء الَّذين اخْتلفُوا فِي فروع الْفِقْه مَعَ اتِّفَاقهم
على اصول الدّين لَأن الْمُسلمين فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ من فروع الْحَلَال
وَالْحرَام على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا قَول من يرى تصويب الْمُجْتَهدين كلهم فِي
فروع الْفِقْه وَفرق الْفِقْه كلهَا عِنْدهم مصيبون وَالثَّانِي قَول من يرى فِي
كل فرع تصويب وَاحِد من المتخلفين فِيهِ وتخطئة البَاقِينَ من غير تضليل مِنْهُ
للمخطىء فِيهِ، وَإِنَّمَا فصل النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام بِذكر الْفرق المذمومة
فرق أَصْحَاب الْأَهْوَاء الضَّالة الَّذين خالفوا الْفرْقَة النَّاجِية فِي ابواب
الْعدْل والتوحيد أَو فِي الْوَعْد والوعيد أَو فِي بابى الْقدر والاستطاعة أَو فِي
تَقْدِير الْخَيْر وَالشَّر أَو فِي بَاب الْهِدَايَة والضلالة أَو فِي بَاب
الْإِرَادَة والمشيئة أَو فِي بَاب الروية والإدراك أَو فِي بَاب صِفَات لله عز
وَجل وأسمائه وأوصافه أَو فِي بَاب من أَبْوَاب التَّعْدِيل والتجويز أَو فِي بَاب
من أَبْوَاب النُّبُوَّة وشروطها وَنَحْوهَا من الابواب الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا
أهل السّنة وَالْجَمَاعَة من فريقى الرأى والْحَدِيث على أصل وَاحِد خالفهم فِيهَا
أهل الْأَهْوَاء الضَّالة من الْقَدَرِيَّة والخوارج وَالرَّوَافِض والنجارية
والجهمية والمجسمة والمشبهة وَمن جرى من فرق الضلال فان الْمُخْتَلِفين فِي
الْعدْل والتوحيد والقبور والاسلاف متحدو الروية وَالصِّفَات وَالتَّعْدِيل
والتجويز وفى شُرُوط النُّبُوَّة والإمامة يكفر بَعضهم بَعْضًا فصح تَأْوِيل
الحَدِيث المروى فِي افْتِرَاق الْأمة ثَلَاثًا وَسبعين فرقة الى هَذَا النَّوْع
من الِاخْتِلَاف دون الانواع الَّتِي اخْتلفت فِيهَا ائمة الْفِقْه من فروع
الاحكام فِي أَبْوَاب الْحَلَال وَالْحرَام أَو لَيْسَ فِيمَا بَينهم تَكْفِير
وَلَا تضليل فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ من احكام الْفُرُوع»([6]).
وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله :"فيما
بلغني عنه قوله: " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " فيه دلالة على أن
هذه الفرق كلها غير خارجين من الدين، إذ النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم كلهم من
أمته»([7]).
قال الإمام أحمد رحمه الله: "قد أخبر سيدنا
المصطفى صلى الله عليه وسلم عما ظهر بعده من اختلاف الأمة، وحذَّرهم متابعةَ أهل
الأهواء منهم فيما أحدثوا من البدعة، وحثَّهم على متابعة سنته وسنة الخلفاء الراشدين
من بعده من الصحابة، ودلَّهم بالإشارة إلى ما كانوا عليه على الفرقة الناجية، فمن
سلك في دينه سبيلَهم، ولزم في متابعة الكتاب والسنة هديهم، فاز فوزًا عظيمًا، ونال
حظًّا جسيمًا"([8]).
وقال الأسفراييني:«وَقد اخْتلف مَشَايِخ أهل
التَّحْقِيق من عُلَمَاء الْمُسلمين فِيهِ فَقَالَ بَعضهم لم يتكامل وجود هَذِه
الْفرق من أهل الْبدع بَين الْمُسلمين بعد وَإِنَّمَا وجد بَعضهم وسيوجد بعدهمْ
قبل يَوْم الْقِيَامَة جَمِيعهم، فَإِن مَا أخبر الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ
وَسلم كَائِن لَا محَالة، وَقَالَ الْبَاقُونَ وهم الَّذين يتتبعون التواريخ
ويفتشون عَن المقالات المنقولة من أَرْبَاب الْمذَاهب المتسمة بسمة الْإِسْلَام
أَن تَمام هَذِه الْفرق الضَّالة قد وجدت فِي زمرة الاسلام وَوَجَب على الْمَرْء
المحصل أَن يُمَيّز عقيدته عَن عقائدهم الْفَاسِدَة وَدينه عَن أديانهم الضَّالة، وَقد
ظهر فِي بِلَاد الْإِسْلَام أَقوام من أهل الْبدع يخدعون الْعَوام وَيلبسُونَ
عَلَيْهِم الْأَدْيَان، وينتسبون إِلَى فريقي أهل السّنة وَالْجَمَاعَة أَصْحَاب
الحَدِيث والرأي ويستظهرون بصدور لَا يعرف حَالهم من صُدُور أهل الْإِسْلَام
ليتقوى بهم على خداع أهل الْغرَّة من الْمُسلمين ويظهرون بِهِ للأغمار أَن لَهُم
الْغَلَبَة وَالْقُوَّة، وَلَا يعرف الْجَاهِل بأحوالهم إِن الْبَاطِل قد يكون
لَهُ جَوْلَة ثمَّ يسْقط كَمَا سَارَتْ بِهِ الامثال على لِسَان الكافة أَن
الْبَاطِل يجول جَوْلَة ثمَّ يضمحل وكما يُقَال الْحق أَبْلَج وَالْبَاطِل لجلج
وَقَالَ تَعَالَى {يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء}»([9]).
قال أبو
بكر الطرطوشى : "واعلم أن هذا الحديث قد طاشت فيه أحلام الخلق، وفي معرفة هذه
الفرق، وهل كملوا بعد أم لا؟ !
اعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا: أصول البدع
أربعة، وسائر الأصناف الثنتين وسبعين فرقة عن هؤلاء تفرقوا وتشعبوا، وهم: الخوارج
- وهي أول فرقة خرجت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه - والروافض، والقدرية،
والمرجئة.
ولم يرد علماؤنا أن أصل كل بدعة من هؤلاء الأربع
تفرعت وتشعبت على مقتضى أصل البدع، حتى كملت ثلاثة وسبعين فرقة؛ فإن ذلك لعله لم
يدخل في الوجود إلى الآن، وإنما أرادوا أن كل بدعة وضلالة لا تكاد توجد إلا في هذه
الأربع فرق، وإن لم تكن البدعة الثانية فرعا للأولى وشعبة من شعبها، بل هي بدعة
مستقلة بنفسها، ليست من الأولى بسبب»([10]).
ونلاحظ من الحديث أن الفرقة الناجية: هي الجماعة،
وهي السواد الأعظم من المسلمين، وهي الباقية على ما كان عليه رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم.
فأهل السنة هم القائلون بالكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب
والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
وشعار الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة: الأخذ بالكتاب والسنة
والإجماع، فمن فارق الكتاب والسنة والإجماع فهو خارج عن السنة، ومن التزم هذه
الأصول الثلاثة فهو من أهل السنة والجماعة.
قال ابن تيمية:" فوصفهم
بالاجتماع واتباع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو السنة والجماعة،
فكل من خرج عن الدين العام الجامع من الأولين والآخرين فهو من أهل التفرق
والاختلاف، الذين اختلفوا في الكتاب، واختلفوا على الأنبياء، وخرجوا عن بعض ما
جاءت به الرسلُ عن الله، وهو دين الله العام، وهو دين واحد، والله سبحانه هو الإله
الواحد، له ما في السماوات وما في الأرض، وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له
كفوًا أحد»([11]).
وأما باقي
الفرق فكلها فرقٌ صغيرةٌ لا تبلغ الواحدة منها حجم الفرقة الناجية.
قال الشيخ أبو القاسم رحمه الله:" قوله:" ما أنا عليه
وأصحابي" الذي كان عليه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما مضى عليه أئمة
الدين المشهورون في الآفاق، قال عمر ابن عبد العزيز رحمة الله عليه (سن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز
وجل واستكمال لطاعته وقوة على دين الله عز وجل ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا
النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنوا اهتدى، ومن استبصر بها مبصر، ومن
خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
وقال الزهري: " الاعتصام بالسنة نجاة والعلم
يقبض قبضًا سريعًا ونعش العلم ثبات الدين والدنيا وذهاب ذلك كله في ذهاب العلم ".
وقال أبي بن كعب - رضي الله عنه -: " عليكم
بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه
من خشية الله فيعذبه أبدًا وما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الرحمن في
نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ
أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها، إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن تلك الشجرة
ورقها، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة، فانظروا أن
يكون عملكم إن كان اجتهادا أو اقتصادا أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم
صلوات الله عليهم " ([12]).
وأعظم هذه
الفرق الضالة عدداً وحجماً، قومٌ يقيسون الأمور برأيهم (أي وفق هواهم الشخصي)،
فيحرمون الحلال ويحللون الحرام.
ما أكثر ما نشاهد هؤلاء! أما أخبث هذه الفرق
وأضلها، فهي الفرقة التي تدعي حب أهل البيت، لكنها تعصيهم وتفارق أمرهم.
وهذا التفرق هو في أصول العقيدة، وليس في المسائل
الفرعية الفقهية.
فإن الخلاف
في مسائل الاعتقاد يسمى فرقة، بعكس الخلاف في مسائل الفقه الذي يسمى مذهباً.
قال القرطبي في تفسيره: «هذا بين أن الافتراق
المحذر منه في الآية والحديث، إنما هو في أصول الدين وقواعده، لأنه قد أطلق عليها
مِللاً، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجبٌ لدخول النار، ومثل هذا لا يقال
في الفروع، فإنه لا يوجب تعديل الملل ولا عذاب النار»([13]).
وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي:
«قد علم أصحاب المقالات أنه لم يُرِد بالفرق المذمومة: المختلفين في فروع الفقه من
أبواب الحلال والحرام، وإنما قصد بالذم: من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي
تقدير الخير والشر، وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى
هذه الأبواب.
لأن المختلفين
فيها قد كفَّر بعضهم بعضًا بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه
من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا
النوع من الاختلاف»([14]).
والحديث يعتبر من أهم الأصول التي تدعو لتوحيد
الأمة تحت عقيدة واحدة، وهو مثالٌ واضحٌ للأمر بالالتزام بالجماعة وقد فهم بعضهم
الحديث بعكس ذلك فظنوا أن الحديث يسبب تفريق الأمة، فقاموا بتحريف زيادة
"كلها في النار إلا واحدة"، إلى "كلها في الجنة إلا واحدة، وهي
الزنادقة" أو إلى "تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة، إني أعلم
أهداها الجماعة" وهذه كلها زيادات موضوعة باتفاق علماء الحديث ومعناها باطلٌ
لا ريب في ذلك، فإن الحقّ واحدٌ والصراط المستقيم واحد، لا طريق سواه.
وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث فكان مما
قاله: «ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة و هم الجمهور الأكبر
والسواد الأعظم.
وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق
والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقة الناجية، فضلاً
عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة، وشعار هذه الفرق مفارقة
الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة
والجماعة"([15]).
أقول: من الملاحظ هنا أن جميع الفرق الضالة
-تقريباً- تشترك في أمر واحد و هو زعمهم أن أغلب المسلمين على ضلال.
بل يريد بعضهم أن يقنعنا بأن فرقتهم –التي لا
تتجاوز نسبة صغيرة جداً من المسلمين– هي على الصواب و باقي المسلمين على ضلال! وكل
الفرق تدعي اتباع القرآن، لكن بعضها يحاول إنكار السنة جزئياً، أما من أنكرها
كليةً فقد كفر، ولا يعتبر من هذه الفرق أصلاً.
إذ أن هذه الفرق هي من المسلمين الضالين العصاة،
وليست من الكفار.
ولذلك لا
يدخل الجهمية وغلاة الرافضة (الشيعة الإمامية) في هذه الفرق.
ويبقى مخالفة إجماع السلف هو الذي يثبت به التفرق
من الجماعة.
ثم قال شيخ الإسلام: «وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن
تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا
رسول الله، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، و أعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها،
وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها واتباعاً لها تصديقاً وعملاً، وحباً
وموالاة لمن والاها ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون المقالات المجملة إلى ما جاء
به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم و جمل كلامهم، إن
لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول.
بل يجعلون
ما بعث به الرسول من الكتاب و الحكمة (أي السنة) هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه،
وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وغير ذلك، يردونه إلى الله ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي
تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف، فما كان من معانيها موافقاً للكتاب والسنة
أثبتوه، وما كان منها مخالفاً للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى
الأنفس، فإن اتباع الظن جهلٌ.
واتباع هوى النفس بغير هدى من الله، ظلمٌ، وجماع
الشر: الجهل والظلم، قال الله تعالى (وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا) إلى
آخر السورة".
ثم قال مستدركاً: «ومما ينبغي أيضاً أن يعرف أن
الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد
خالف السنة في أصول عظيمة.
ومنهم
(الكلام هنا عن الأشاعرة) من يكون إنما خالف السنة في أمورٍ دقيقة، ومن يكون قد رد
على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه، فيكون محموداً فيما رده من
الباطل وقاله من الحق، لكن يكون قد جاوز العدل في رده بحيث جحد بعض الحق وقال بعض
الباطل.
فيكون قد
رد بدعة كبيرة ببدعةٍ أخف منها، ورد بالباطل باطلاً بباطلٍ أخف منه، وهذه حال أكثر
أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة (أهل الكلام من أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة
الذين ردوا على المعتزلة)، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولا يفارقون به
جماعة المسلمين، يوالون عليه ويعادون كان من نوع الخطأ، والله –سبحانه وتعالى–
يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك.
ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها:
لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنة، بخلاف من والى
موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر وفسّق مخالفه دون موافقه
في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل
التفرق والاختلافات"([16]).
ففي الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور
حدثت وأمور ستحدث في المستقبل، فأخبر أن اليهود افترقوا إلى إحدى أو اثنتين وسبعين
فرقةً وشيعةً، وأن النصارى افترقت إلى إحدى أو اثنتين وسبعين فرقةً وشيعةً أيضًا،
والأمر المستقبلي أن هذه الأمة أيضًا ستفترق، ولكن إلى ثلاث وسبعين فرقةً اثنين
وسبعين فرقة منهم في النار، فهذه الفرق مخالفة لما كان عليه رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فمن كانت بدعته مكفرة فهو من أمة الدعوة، ومن كانت بدعته غير مكفرة
فليسوا كفارًا، بل هم مسلمون، ولكنهم مستحقون للعذاب، وأمرهم إلى الله عز وجل،
والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية والتي ستدخل الجنة،
ومن المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع
الفقه من أبواب الحلال والحرام من التفاوت في الاستدلال بأصول صحيحة، وإنما قصد
بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة
الصحابة وما جرى مجرى هذه الأبواب.
فإذا كان الدين واحدًا، والطريقة واحدة، لكن أخبر
النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق كَما افترقت الأمم التي قبلَها،
والحديث في هذا قد بلغ مبلغ التواتر؛ إذ روى حديثَ الافتراق عن النبي صلى الله
عليه وسلم ستَّةَ عشر صحابيًّا، وهو مُستفيضٌ إلى قوله (كُلُّهَا فِي النَّارِ
إِلا وَاحِدَةً)، إلى
هذا القدر متواترٌ؛ كما نص شيخ الإسلام في رسالةٍ شرح فيها هذا الحديث، ثم
الروايات بعد ذلك مُتفاوتة، والمقصود من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: (افْتَرَقَتِ
الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً -
وفي رواية: مِلَّةً - وَافْتَرَقَتِ
النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً -
وفي رواية: مِلَّةً - وَسَتَفْتَرِقُ
هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً) وفي
رواية(مِلَّةً)، الفرق
بين قوله: ملة، أو فرقة: أن الفرقة في أولها فُرْقَة عن الجماعة، ثم لا تزال هذه
الفُرْقَةُ تعظم، وتشتهر، وتترسَّخ في التاريخ، حتى تكون عند أهلها كالملَّة،
كالدِّيانة، والآن بعض الناس يقول: أنا مسلمٌ شيعي! فأصبح الرَّفض والتشيُّع في حق
أهله كأنه ملَّة، (ديانة) يتدينون بها.
والحديث أفاد أنَّ افتراق النصارى أكثرُ مِن افتراق
اليهود، وأن افتراق اليهود أقلُّ مِن افتراق النصارى، كما أفاد أن افتراق هذه
الأمة أكثرُ من الأمتين قبلنا، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَسَتَفْتَرِقُ
هَذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً).
والعدد هنا هل معناه أن هذه الفرقَ لم تتَجاوز
الثلاث والسبعين، فيكون العدد مُرادًا منه حقيقةُ المعدود؟ أو أن العدد يُراد
منه بيانُ الكثرة؟
قولان لأهل العلم، والأظهَرُ الثاني؛ لأن الأعداد
في الشريعة تأتي على ضربَين، فتأتي أعدادٌ يُراد منها حقيقةُ المعدود، من نحو قوله
تعالى: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ﴾ [المائدة: 89]، فلو أطعم تِسعًا
لا يكفي، بل لا بد مِن إتمام العشرة، وكذلك في فِدية الأذى في الإحرام إطعامُ
ستَّة مساكين، أو صيامُ ثلاثة أيام، ولو أطعَم خمسةً لا يكفي، وكذلك في كفارة
القتل، والظِّهار، وكفارة الوطء في رمضان في صيام شهرين مُتتابعَين؛ فإن لم يجد -
وهذا بعد العتق - فإطعامُ ستِّين مسكينًا، لو صام شهرًا وثمانيةً وعشرين يومًا لا
يُجزئ فلا بد من التتابع، ولا بد من شهرين، وكذلك في الإطعام، إذًا هناك أعدادٌ
تأتي يُراد منها حقيقة المعدود، وهذا قليل، وليس كثيرًا في الشريعة.
والضرب الثاني: تأتي أعداد يُراد منها بيانُ
الكثرة، وأكثر الأعداد في الشريعة على هذا النحو، الأعداد التي في القرآن والسنة،
ففي القرآن قال تعالى في المنافقين: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80]؛ يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (وَاللهِ
لَوْ أَنِّي عَلِمْتُ أَنِّي أَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ مَرَّةً أَسْتَغْفِرُ
لَهُمْ فَيُغْفَرُ لَهُمْ، لاسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ)! لو استغفر لهم النبي
مليون مرة لا يُغفر لهم، فهنا أُرِيدَ مِن العدد بيانُ الكثرة؛ بمعنى أنك لو
استغفرتَ لهم يا محمد مراتٍ كثيرة فلن يُغفَر لهم.
ومن هذا - والله أعلم - حديث الافتراق؛ أي: إن هذه
الأمة ستفترق افتراقًا كثيرًا أكثر من افتراق الأمتين قبلنا.
لكن مما ينبغي أن يُعلم أن هذه الفِرَق كلَّها في
النار، وهذا وَعيدٌ أنَّها في النار، والوعيد على قِسمين؛ فمِنها ما هي في النار
خالدةٌ مخلَّدة، وهي الفرق المرتدَّة التي أتَت ناقضًا مِن النواقض، ومكفِّرًا من
المكفرات، ومنها فرقٌ متوعَّدة بالنار على ضلالها لا على كفرها، وهي مَن أتت بِدعة
مفسِّقة، وهذا أيضًا تقسيم للبِدَع من حيث الحكمُ؛ فبِدعٌ مكفِّرة، ومبدعٌ
مفسِّقة.
كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلا وَاحِدَةً، وَهِيَ
الْجَمَاعَةُ، وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (هُمْ مَنْ
كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي).
وهذه فرقة، وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم
فرقة، وهي الفرقة الناجية المنصورة التي مرَّ التنويه بها، وبأوصافها، وخصائصٌهم
في أول شرح العقيدة، وهم الجماعة كما جاء في بعض الروايات، وفي بعضها: ((هُمُ
السَّوَادُ الأَعْظَمُ)).
وهذا يفسِّر الجماعة، وفي بعضها: (هُمْ مَنْ
كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي)؛ أي: على
سنَّتِه، فهَديُهم ومِنهاجهم هو طريقة وهديُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه.
ما هي أصول الفرق التي عنها تتفرَّق فرقٌ أخرى
كثيرة، تَزيد عن السبعين؟
أصول الفرق بحسب ظهورها:
الأولى الخوارج، في أنفُسِها افترقت، وقادت الخوارجُ بدعة الروافض؛ فإن الرفض بدعةٌ نشأَت مقابل الخروج، ثم بدعة القدَرية؛ نُفاة القدر، وهم المعتزلة، قابَلتْها بدعةُ الجبرية؛ بدعة الجهم، والخامسة المرجئة وهي ردَّة فعل لمذهب الوعيديِّين؛ فإن مذهب أهل الوعيد الخوارج والمعتزلة الذي نشأ في القرن الأول قابله بِدَع المرجئة بأصنافهم، والله أعلم
([1])أخرجه الترمذي (2641) واللفظ له، والطبراني (14/53) (14646)،
والحاكم (444) وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال عنه ابن تيمية: (هو حديث صحيح
مشهور)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وفي رواية معاوية بن أبي سفيان: (هي
الجماعة)، قال عنها ابن تيمية رحمه الله: (هذا حديث محفوظ)، وقال عنه الألباني:
صحيح، في السلسلة الصحيحة، وأخرجه أحمد 8377 بلفظ "افترقت اليهود على إحدى أو
اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"
([2])" مسند أبي يعلى " برقم (5910)، وأخرجه أحمد 2/332،
وأبو داود (4596) في السنة: باب شرح = السنة، وابن ماجه (3991) في الفتن: باب
افتراق الأمم، وأبو يعلى (5978) و (6117) من طرق عن محمد بن عمرو، بهذا الإسناد.
([6])«الفرق بين الفرق» (ص5) عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله
البغدادي التميمي الأسفراييني، أبو منصور (ت ٤٢٩هـ)، دار الآفاق الجديدة – بيروت، الطبعة:
الثانية، ١٩٧٧
([9])«التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين»
(ص16) طاهر بن محمد الأسفراييني، أبو المظفر (ت ٤٧١هـ)، المحقق: كمال يوسف الحوت، عالم
الكتب – لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م
([10])«الحوادث والبدع» (ص34) محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشى
الفهرى الأندلسي، أبو بكر الطرطوشى المالكي (ت ٥٢٠هـ) المحقق: علي بن حسن الحلبي، دار
ابن الجوزي، الطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م
