موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

كيف تكون سعيدًا؟| سر السعادة | خطبة الجمعة مكتوبة

 الحَمْدُ لله، كَتَبَ الفَلاحَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنين، وَجعلَ الفَوْزَ لِحِزْبِهِ المُتَّقِين، وضَمِنَ السَّعَادَةَ لأوْلِيَائهِ المُخْلِصِين، أحمدُه تعالى وأَشْكُره، وأتوبُ إليه وأستغفره، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورَسولُه، وخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِه، وأَمِينُهُ على وَحْيِه، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليه، وعلى آلهِ وصَحبِه، ومَنِ اقْتَفَى أثَرَه، واتَّبَعَ سُنَّتَه، إلى يَومِ الدين..

 أمَّا بَعد: فَأُوصِي نَفْسِي وإيَّاكُم بتقوَى اللهِ عزَّ وجل، اتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، بالصَّبرِ والطَّاعَة؛ تُنَالُ السَّعَادة، (مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

أيُّها المُسلِمون:

كيف تكون سعيدًا؟

هذا عنوان خطبتنا وأسأل الله أن ينفع بها.

كل إنسان يتطلع للسعادة ويبحث عنها، لكن السعادة في الحقيقة ليست هدفًا في ذاتها، بل هي نتاج عملك وإخلاصك وتواصلك مع الآخرين بصدق .

إن السعادة تكمن في أن تصنع قراراتك بذاتك وبنفسك، أن تعمل ما تريد؛ لأنك تريده، لا لأنهم يريدون، أن تعيش حياتك مستمتعًا بكل لحظة فيها، أن تبحث عن الأفضل في نفسك وفيمن حولك .

إن السعادة الحقيقية لا توجد إلا بالإيمان بالله عز وجل والتزود من الأعمال الصالحة، قال الله تعالى : " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " .

وإذا نظرنا حولنا، رأينا كثيرًا من الناس يبحثون عن السعادة دون أن يجدوها؛ وذلك لأن مفهوم السعادة قد اختلط لديهم، وتشابك مع غيره من المفاهيم، فهناك من يعتقد أن السعادة بالمال وحده .

وهناك من يعتقد أن السعادة تكمن بوجود النفوذ والمكانة الاجتماعية .

وهناك من يعتقد أن السعادة تكمن بالطموح وتحقيق الذات .

ومن الناس من ينظر للجمال على أنه قمة السعادة .

وبعضهم يرى أن الصحة هي مصدر السعادة .

وأخيرًا، نجد فريقًا من الناس وهم قلة يرون أن الأعمال الخيرية والتطوعية التي يقومون بها هي غاية سعادتهم؛ لأنهم يرون أن سعادتهم تنبع من سعادة الآخرين؛ فابتسامة من طفل صغير، أو نظرة امتنان من شيخ كبير، أو دعوة صادقة من قلب امرأة ضعيفة تساوي لديهم الدنيا وما فيها من النعيم والخيرات .

وهذا النموذج يعتبر أحد النماذج التي ترى أن السعادة الحقيقية هي السعادة الأخروية، فهم على قناعة تامة ويقين جازم أن الدنيا فانية، ولن يبقى للإنسان سوى عمله الصالح الذي عمله .

أما النماذج السابقة فإنها تعتبر من النماذج التي ترى أن السعادة الحقيقية هي السعادة الدنيوية بحيث يعيش هؤلاء ليستمتعوا بالدنيا وما فيها، متناسين أن هناك حياة أخروية وهناك جزاء وحساب على أعمالهم التي عملوها في الدنيا .

باعتقاد أن السعادة الحقة تكمن في ثلاثة أمور هي : طاعة الله، وراحة البال، والقناعة .

فنحن حينما نستشعر رقابة الله تعالى لنا في كل لحظة، ونحاول بشتى جهودنا أن نطيعه في كل ما يصدر عنا من أقوال أو أعمال، حينها سنشعر بالراحة والسكينة تملأ نفوسنا، فنسعد بحياتنا ونهنأ بعيشنا؛ لأن الله تعالى سيكون معنا في كل لحظة وفي كل خطوة نخطوها .

وراحة البال تجعل الإنسان يشعر بالاستقرار والهدوء النفسي، ويعيش بعيدًا عن التوتر والقلق الذي يصاحب الحياة الآن بإيقاعها المتسارع الذي يسرق الوقت والراحة من البشر بسبب سعيهم المحموم وراء المادة، أو لافتقادهم الإحساس بالأمان .

أما قديمًا كان الإنسان ينعم بالنوم الهانئ، فينام مرتاح البال؛ لأنه لم يظلم فلان، أو يسرق جهد فلان، أو.... أو .... كما يحدث في زماننا هذا .

أما القناعة وهي أن يؤمن الإنسان بما قسمه الله له من الرزق، بحيث يكتفي بما عنده دون أن يكون بحاجة إلى النظر لما في أيدي الآخرين، ولكن هذا لا يعني أن يكون الإنسان زاهدًا في دنياه فيتجرد من كل شيء، ولا يعمل من أجل حياة أفضل، بل إن عليه أن يسعى ويتوكل على الله تعالى حتى يحقق أحلامه في الدنيا وسعادته في الآخرة .

قال الله تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [النحل: 97].

قال تعالى : " وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا " [الإسراء: 19] .

حقيقة السعادة :

إذا أصبح العبد وليس همه إلا رضا الله وحده، تحمل الله سبحانه وتعالى عنه حوائجه كلها، وفرج له كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته.

 وحقيقة السعادة ومدارها في طاعة الله تعالى، والإيمان به، وإتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم .

عباد الله مَنْ أرَادَ السَّعَادَةَ؛ فَلْيَلْزَمْ وَحْيَ الله، وأَسْبَابُ الطمَأْنِينَةِ؛ هيَ في كِتَابِ الله، ومَنْ أَدْرَكَهُ هَمٌّ، أو تَغَشَّاهُ حُزْنٌ؛ لا يَدْرِي مَا سَبَبُه؛ فَلْيُرَتِّلْ آيَاتِ الله، وإذَا أصَابَتْكَ حَيْرةٌ، أو اخْتَلَفَتْ عَلَيْكَ الأمُور؛ فَارْجِعْ مِنْ فَورِكَ إلى الله: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ* الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ).

قالَ ابنُ القَيِّمِ رحمَهُ الله: "لا سَبِيلَ إلى السَّعَادَةِ والفَلاحِ، لا في الدُّنيَا ولا في الآخِرَةِ؛ إلَّا علَى أَيْدِي الرُّسُل، ولا سَبِيلَ لِمَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ علَى التَّفْصِيلِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، ولَا يُنَالُ رِضَا اللهِ البتَّةَ إلَّا علَى أَيْدِيهِم، فالطَّيِّبُ مِنَ الأَعمَالِ والأَقوَالِ والأخلاقِ؛ ليسَ إلَّا هَدْيُهُمْ الذي جَاؤوا به".

من أسباب السعادة:

عباد الله: مِنْ أعظمِ الأَسبَابِ الجَالِبَةِ للسَّعَادَة، المُنْجِيَةِ مِنَ الشَّقَاء، في الدُّنيَا والآخِرَة، التي جَاءَتْ في كِتَابِ اللهِ جَلَّ وعَلا:

1- الإِحْسَانُ إلى الوَالِدَيْن، والبِرُّ بهِم، أحيَاءً وأموَاتًا:

 فمَنْ كانَ بَارًّا بِوَالِدَيْهِ؛ جَعَلَهُ اللهُ مِنَ المُتَوَاضِعِينَ السُّعَدَاء، النَّاجِينَ مِنْ أسبَابِ الشَّقاء، قالَ اللهُ عَنْ عِيسَى : (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) وقالَ عَنْ يحيى : (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)، قالَ بعضُ العُلَمَاء: "لا تَجِدُ العَاقَّ.. إلَّا جَبَّارًا شَقِيًّا".

وعَاقِبَةُ العُقُوقِ مُعَجَّلَةٌ لِصَاحِبِهَا في الدُّنيا قبلَ الآخِرَة؛ هَمًّا ونَكَدًا وتَعَاسَة، وخَيْبَةً وشَقَاءً وخُذْلانًا.. 

جَاءَ في الحَدِيث: (كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللهُ مِنهَا مَا شَاءَ إلَّا عُقُوقَ الوَالِدَيْنِ فإنَّهُ يُعَجِّلُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ قبلَ المَمَات) رواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَه.

2- ومِنْ أسبَابِ السَّعَادَةِ أيضا: لُزُومُ كِتَابِ الله، وتِلاوَتُهُ وتَدَبُّره، والفرَحُ به.

(طَهَ* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) فإنَّما أنزَلَهُ اللهُ عَليكَ لِتَسْعَدَ وتَطْمَئِنَّ وتَفْرَح: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

 فمَعَ القُرآن؛ لا شَقَاءَ ولا نَكَدَ ولا تَعَب، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)، ومَنْ غَلَبَتْ عَليهِ شِقْوَتُه: أعرضَ عنْ كتابِ الله، وضَلَّ عَنِ اتِّبَاعِ الهُدَى؛ (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ* قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ).. 

ومَنْ هَجَرَ القُرآنَ وأَعْرَضَ عَنْهُ؛ بُلِيَ بِعِيشَةٍ ضَيِّقَة، وحيَاةٍ تَعِيسَة، ونَفْسٍ بَئِيسَة، وسُوءِ العَاقِبَةِ في الدُّنيا والآخِرَة؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى).

وما ابْتُلِيَ النَّاسُ اليومَ بالهمِّ والحَزَنِ وضَعْفِ النُّفُوس؛ إلَّا بالإعرَاضِ عَنِ القُرآن؛ (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ).. 

فالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، وشَفَى بهِ الصُّدُور، ونوَّرَ بهِ القُلُوب، وأنزَلَهُ في أَبْلَغِ لَفْظٍ وأَعْجَزِ أُسْلُوب، (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)..

 بارَكَ الله لي ولكم في القُرآنِ والسُّنة، ونفعنا بما فيهما مِن الآياتِ والحكمة، أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم.

الحمدُ للهِ على عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ومِنَّتِه، والصلاةُ والسلامُ على رَسُولِ اللهِ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِه، أما بعدُ عبادَ الله:

3- فَمِنْ أَعظَمِ أسبَابِ السَّعَادَةِ كذلك: الصَّلاةُ والدُّعَاء:

 فهمَا السَّبَبُ الوَثِيق، والحَبْلُ المَتِين، بينَكَ وبينَ الله، بِهمَا كمَالُ العُبُوديَّة، وعِزُّ التَّوكُّل، بهمَا تَتَحَقَّقُ الأُمْنِيَاتُ، وتَنْقَضِي الحَاجَات، وتَطْمَئِنُّ القُلُوب، وتَعْرِفُ فَضْلَ ربِّها عليها.. وكيفَ يَسْعَدُ مَنْ لَمْ يَتَذَوَّقْ حَلَاوةَ الذِّكرِ والتَّوحِيد، ومُنَاجَاةَ رَبِّ العَالَمِين؟!

قالَ تعالَى علَى لِسَانِ سيدنا إبراهيمَ عَليهِ السَّلام: (وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) أَيْ: أَدْعُو ربِّي؛ عَسَى أنْ أَكُونَ سَعِيدًا، مُسْتَجَابَ الدَّعْوَة.

وسيدنا زكريَّا عَلَيهِ السَّلام؛ مِثَالٌ لِلعَبْدِ المُلِحِّ في الدُّعَاء، غيرَ يَائِسٍ ولَا قَانِط؛ إذْ أَحْسَنَ الظنَّ بربِّه، ورأَى آثَارَ دُعَائِه؛ قالَ تعالى عَلَى لِسَانِه: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)، فإذا حَصَلَتِ الاسْتِجَابَة؛ فقد تَمَّتْ لِلعَبْدِ سَعَادَتُه.. 

وكانَ نَبِيُّنا صلوات الله وسلامه عليه يَسْتَعِيذُ بِرَبِّه؛ (مِنْ دَعْوَةٍ لا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواهُ مسلم.

4 - الرضا بالقضاء والقدر:

 لِمَا يورثه ذلك من طُمأنينة وراحة بالٍ، حيث يوقِن الإنسانُ بأنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئَه، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبَه، وهذا الرِّضا هو أعظمُ علاج يمكن أن يُعالِج الإنسانُ به نفسَه؛ ليحصلَ على السعادة؛ لأنَّه يمثِّل القاسمَ المشترك بيْن السعداء، حيث يرضَوْن بما هم فيه، ويستمتعون به كما هو، دون تفكيرٍ في غيره، وليتَنا نتعلم الرِّضا من الأطفال الصِّغار، الذين يتكيَّفون مع أيِّ وضْع يُوجَدون فيه، ويَرضَوْن، فيشعرون - تبعًا لذلك - بالسعادة.

5- الابتسام في وجوه الناس:

 إنَّ الابتسام خُلُق فاضِل، وهو صدقةٌ؛ لِمَا جاء في الحديث: ((وتبسُّمُك في وجه أخيك صدقة))، وفائدته ما يُدخل في قلْب صاحبه من شعور بالسعادة، ونفْع الناس؛ إذ إنَّ أكثرَ الناس مهمومٌ حزين، شاكٍ مِن حاله وحياته، فإذا رأَوْا مَن يتبسم في وجوههم، استبشروا واستروحوا، ودخلتْ بشائرُ السعادة في نفوسهم، وصاحِب الابتسام ينعكِسُ عليه هذا، حين يردُّون على ابتسامه بالمِثْل، فتدخل السعادة قلبه، وهو السببُ الأصلي لها، فما زال الناسُ في شوْق للقائه، والانبساط إليه.

وما ظنُّك بإنسانٍ يجد الحفاوة أينما حلَّ، هل تظنُّه يكتئِب، أم هو في بِشْرٍ دائم؟! وهذا جزاؤه العاجِل، وما عندَ الله خير وأبقَى.

ومِن عجائب الابتسام أن يفطنَ إليه الغربيُّون مِن خلال التجرِبة والعادة، ويغفُلَ عنه المسلمون رغمَ أنه مِن دِينهم!

6- السلام:

 وهو اسمٌ على مسمًّى، وهو دُعاء لأخيك ولِمَن تُسلِّم عليه بالسَّلامة، وهو سبيلٌ إلى السعادة؛ لِمَا يُحدِثه في المجتمع، حيث يأمنُ الناسُ بعضُهم بعضًا؛ لأنَّه لا يفعله إلا مؤمِن قدِ استحكم الإيمانُ في قلبه؛ عملاً بهَديِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين أمرَنا بالسلام في قوله: ((والذي نفْسي بيده لا تدخلوا الجَنَّة حتى تؤمنوا، ولا تُؤمِنوا حتى تحابُّوا، أوَلاَ أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتُم؟ أفْشُوا السلامَ بينكم)).

فخُلق السلام داعيةٌ للأمْن في المجتمع، وإذا أمِن الناس فقد حصَّلوا شطرَ السعادة بإذن الله؛ لأنَّ "السعادة تنقسم إلى سعادة فردية، وسعادة اجتماعية".

7- صُنْع المعروف : 

جاء في الحديث عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: ((لا يحقرنَّ أحدُكم من المعروف شيئًا))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مِن أفْضل العملِ إدْخالُ السُّرور على المؤمِن)).

وصُنْع المعروف مِن أهمِّ خِصال السعادة التي يغفُل عنها الناس، وينطبق هنا ما ذكرْناه في الابتسام، ونَزيد عليه بألاَّ يحقر الإنسانُ شيئًا من المعروف والخير، فيُساعد المحتاج، ويُغيث الملهوف، ويَعود المريض، ويُرشِد السائل، ويَصنع لأخرقَ، ويسمع الأصمَّ، ويَتصدَّق على المحتاج، ويَبذل كلَّ معروف يستطيعه.

8- صِلة الرحم:

 لا شكَّ ولا مِرية أنَّ صلة الرَّحِم من أعظم المعروف الذي ذكرْناه في السبب السابق، ولكنَّها تَزيد عليه في أنها واجبةٌ، وهي سببٌ في الغِنى وطول العمر؛ كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزْقه، وأن يُنسأَ له في أثَره، فلْيَصلْ رَحِمَه)).

ولا شكَّ أنَّ بسْطَ الرزق مِن أعظم الأشياء التي يسْعَى لها الإنسان، بل لو قلنا: إنَّ أعظم أسباب التعاسة في أيامنا هذه هو الخوفُ مِن الحاجة والفقر، لكنَّا محقِّين، فهلاَّ وصلتَ رَحِمَك، وقمتَ بحقهم؛ حتى تدخلَ السرور عليهم، وتسعد نفسك، فواللهِ لَجنيه تنفقه في صِلة رحمك أرْجى في أرباحه مِن ألف جنيه تاجرتَ به؛ ابتغاءَ الرِّبْح.

ومع ذلك، فإنَّ صِلة الرحِم تؤدِّي بك إلى أمور أخرى من أسباب السعادة، مثل: الابتسام وقضاء الحاجات، وإفشاء السلام والأمر بالمعروف، ونشْر العِلم، وغير ذلك من أمورٍ لا تحصل إلا بالاجتماعِ مع الأقارب والأرْحام.

9- المحافظة على صلاة الفَجْر في وقتها مع الجماعة: جاء في الحديث: أنَّ ((مَن صلَّى الفجر في جماعة، كان في ذِمَّة الله حتَّى يمسيَ))، فما ظنُّك بإنسان في حمايةِ الله ورعايته؟!

وجاء في حديث آخَرَ: أنَّ ((مَن أصبح والآخرةُ همُّه، جمَع الله عليه شَمْله، وأتتْه الدنيا وهي راغمة))، ولا شكَّ أنَّ من قام لصلاة الفجر ممَّن أهمتْه آخرتُه، وسعى لها، ومع كلِّ ما سبق، فإنَّ قرآن الفجر كان مشهودًا؛ حيثُ تشهده الملائكة، فقل لي بربِّك: كيف تكون حالُ مَن أدرك هذا؟!

10- المداومة على ذِكْر الله: 

وخاصَّة أذْكار الخروج من البَيْت؛ لأنَّ أكثر أسباب الهمِّ والقلق والضِّيق مِن الشيطان، فإذا بدأ الإنسانُ يومَه بذِكْر الله، وكان أوَّل ما يقوله عند خروجه مِن البيت كما جاء في الحديث: ((بسمِ الله توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله، قال الملَك: كُفيتَ وهُديتَ ووُقيتَ، فإذا سمع الشيطان ذلك تنحَّى، وقال لصاحبه: كيف لك برجلٍ كُفِي وهُدِي ووُقِي؟!)).

وذِكْر الله - عزَّ وجلَّ - دواءٌ للقلوب؛ قال - تعالى -: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وأعظم ذلك القرآن، فهو شِفاءٌ لِمَا في الصُّدور، وهو رحمةٌ للمؤمنين، وشفاء لأمراضهم النفسيَّة والبدنية، إذا كانوا ممَّن آمَن به واتَّبعه، وأنت واجدٌ أنَّ أكثر المصابين بالأمراض النفسية ممَّن لا يرفع بالقرآن رأسًا، وأقل الناس ضيقًا ومرضًا نفسيًّا هم العلماءُ الربَّانيُّون، وحَمَلة القرآن.

11- الاستغفار: وذلك أنَّ كثرة الاستغفار تحطُّ الخطايا، التي هي أكبرُ أسباب الشَّقاء وضِيق الصَّدر.

12- الاغْتسال بالماء الباردِ في أيَّام الصيف: ولذلك أثرٌ عجيبٌ في حصولِ السَّعادة مؤقَّتًا، وبشكل عاجِل، فالاغتسال مِثلُ المسكن المؤقَّت، سريع المفعول (البنادول)، ولابن تيمية كلامٌ جميل في تفسير سببِ ذلك.

13- الصَّدقة ولو بالقليل:

 كلَّما تيسَّر ذلك، واحرصْ على أن يكون ذلك في الصباح الباكِر، وفي أوَّل المساء؛ لتوافقَ دعاء الملائكة للمنفقِين: ((اللهمَّ أعطِ منفِقًا خلَفًا)).

14- المسح على رأس اليتيم: 

ولذلك أثرٌ عجيب، خاصَّة إذا صاحبَه مداعبةٌ لليتيم، وتطييب لخاطرِه، وجلوس وأكْل معه، وكذلك الضُّعفاء والمساكين، ونتيجة ذلك شعورٌ بالسعادة العاجِلة، مع كسْب ثناء هؤلاء الضُّعفاء ودعائهم، ويلحق بهذا السعيُ على الأرْملة والمسكين، وكلِّ محتاج متعفِّف لا يُفطَن له.

15- حضور حِلَق الذِّكْر، ومجالِس العلم وتدارس القرآن: 

حيث تتنزَّل على أصحابها الملائكةُ، وتغشاهم رحمة الله، وتُغفَر ذنوبهم، ويذكُرهم الجليل - تبارك وتعالى - فيمَن عنده، وتدعو لهم الكائناتُ مع الملائكة رِضًا بما يصنعون مِن طلبٍ للعِلم، ومشْي في سبيله.

16- النُّصح للمسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في لِين ورِفْق وتُؤدَة: وذلك أنَّ المنكَرات تؤثِّر على نفس مَن يراها، فيضيق صدرُه إذا لم يُنكرْها، وذلك مِن شؤم المعاصي، وأقل مراتِب الإنكار بالقَلْب.

17- النظر في أحوال الناس مِن حولك: 

لتعرفَ أنَّ هناك مَن هو أشدُّ بلاءً منك، فتسكن عند ذلك نفسُك، ويذهب عنك الضِّيق، وتتجه للاستفادةِ ممَّا آتاك الله، وتشكره إذْ عافاك مما كتبَه عليهم.

 فلا تستكثرْ على نفسك أن تعيشَ في سعادة، وتنشرها فيمَن حولك، وحاول ألاَّ تكون سببًا في الكآبة، فهنالك حولَنا من الظروف والمشكِلات ما يكفي لجلْب الكآبة.

وتذكَّر أنَّ مِن خير الأعمال ((سرورًا تُدخِله على مؤمِن))، وأنَّ خير الناس أنفعُهم للناس، وتفكَّر في الأشخاص الذين تشتاق لهم، وتحبُّ رؤيتَهم، وستجد حتمًا أنَّ الرابط فيما بينهم أنَّهم ممَّن يُدخل السرور على قلْبك.

عِبادَ الله: دُنيَاكُمْ هَذهِ دَارُ مَمَر، يُوشِكُ المَرءُ مِنهَا أنْ يَرتَحِل، ومَهْمَا أُعطِيَ فيهَا العَبْدُ مِنَ مُتَعِها؛ فلابُدَّ لَهُ مِنْ لِقَاءِ اللهِ عزَّ وجَل، (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).. هُنَاكَ؛ إمَّا سَعَادَةٌ أبَدِيَّة، أو شَقَاءٌ لا نهايةَ له..

 ولِذَلِك: لم تَرِدِ السَّعَادَةُ في كِتَابِ الله؛ إلَّا معَ ذِكْرِ الآخِرَة، لِنَعْلَمَ أنَّ السَّعَادَةَ الأَبَدِيَّةَ الحقيقيَّةَ؛ في الدَّارِ البَاقِيَةِ الأُخرويَّة.. قالَ تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ* وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ* يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).

اللهمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم، يا ذا الجلال والإكرام؛ اجْعَلْنَا مِنَ عبادك السُّعَدَاء، وجَنِّبْنَا أسبَابَ الشَّقَاء، اللهمَّ إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هَنِيَّة، ومِيتَةً سَوِيَّة، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ ولا فَاضِح، أَعِذْنَا يا مُعِيذَ مَنِ اسْتَعَاذَ به؛ مِنَ الهَمِّ والحَزَن، ومِنَ العَجْزِ والكَسَل، ومِنَ الجُبْنِ والبُخْل، ومِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجَال.. برحمتكَ يا أرحمَ الراحمين.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحمِ حوزةَ الدين.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. 

سُبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عما يَصِفون، وسَلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.


كيف تكون سعيدًا؟| سر السعادة | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي