(( اثنتان عقوبتهما معجلة))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا .يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، فإَنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّـهِ ، وَخَيْرَ الْهُدَى ، هُدَى محمدٍ صلي الله عليه وسلم وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَارٍ ، مُعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ عِبادِ اللهَ ، اتَّقُوا اللهَ تَعالى ، واحْذَرُوا أسْبابَ سَخَطِهِ وعُقُوبَتِهِ ، واعْلَمُوا أَنَّ مِنْ الذُّنُوبِ ما تَكُونُ عُقُوبَتُها مُعَجَلَةً فِي الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ ، ومِنْ هذِه الذُّنُوبِ ، ما وَرَدَ في قَوْلِ النبيِّ صلي الله عليه وسلم :"بَابَانِ مُعَجَّلانِ عُقُوبَتُهُمَا في الدُّنْيا البَغْيُ والعُقُوقِ".
أمَّا العُقُوقُ يا عباد الله ، فُهُوَ الإساءةُ ، وتركُ الإحسانِ إلى الوالِدَيْنِ ، فَأَمَّا الإساءَةُ ،َ هِيَ مُحَرّمَةٌ بِكُلِّ أَنْواعِها ودَرَجاتِهَا ، ولَوْ كانَتْ في نَظَرِ الناسِ شَيْئًا يَسِيرًا ، فَيَدْخُلُ في ذلك تَعْبِيسُ الوَجْهِ، وكذلكَ أَخَفُّ عِباراتِ التَضَجُّرِ كَمَا قال تعالى ﴿فَلاَ تَقُل لَّـهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾وهَكَذا الإِحْسانُ يا عباد الله ، فَإِنَّه واجِبٌ بِجَمِيعِ أَنْواعِهِ ، بِالقَوْلِ والفِعْلِ والْمالِ، لأنَّ اللهَ أَمَرَ بالإحسانِ إِلَى الوالِدَيْنِ، وَلَمْ يُحَدِّدْ نَوْعًا مِنْ أَنْواعِ الإحسانِ، فَدَلَّ عَلَى عُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدِ.
فَمَنْ تَرَكَ الإحسانَ إِلَيْهِما ، فَهُوَ مُسِيءٌ لِوَالِدَيْهِ، وَعُقُوبَةُ العُقُوقِ يا عِبادَ اللهِ مُعَجَّلَةٌ فِي الدُّنْيا، مَعَ ما يُدَّخَرُ لِلْعاقِّ مِن العُقُوبَةِ فِي الآخِرَةِ مَا لَمْ يَتُبْ.
فَالعقوق سَبَبٌ لِحُلُولِ اللَّعْنَةِ، وذَهابِ بَرَكَةِ العُمُرِ والْمالِ، وَسَبَبٌ لِتَعْسِيرِ الأُمُورِ، وَسُوءِ السُّمْعَةِ وعُقُوقِ الأَبْناءِ فَإِنَّ الجَزاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ.
وَسَبَبٌ لِمَنْعِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ ، فَإِنَّ العاقَّ لا يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ والعِياذُ بِاللهِ ، وَسَبَبٌ لِبُغْضِ العِبادِ لَه ، أَضِفْ إلى ذلك ، ما يُبْتَلَى بِهِ مِن سُوءِ الخُلُقِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وبَذاءَةِ اللِّسانِ ، فَإِنَّ العاقَّ لا يَهْتَدِي إِلى الأخْلاقِ الطَّيِّبَةِ والعِياذُ بِاللهِ.
ومن الأحاديث التي وردت في التحذير من عقوق الوالدين:
*قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ»، قَالَ: وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقَالَ: «وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ.
*عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ، مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ، مَلْعُونٌ مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ» ..
وفي رواية ابن حبان: " وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَبَّ وَالِدَيْهِ ".
* وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبِرْنَا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ".
*عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ».
* وعنه رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».
* وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «لَا أُقْسِمُ، لَا أُقْسِمُ، لَا أُقْسِمُ»، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ: «أَبْشِرُوا أَبْشِرُوا، إِنَّهُ مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَاَجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ دَخَلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ»، قَالَ الْمُطَّلِبُ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو: أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُنَّ؟، قَالَ: نَعَمْ: «عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا».
* وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْتُ سَالِمًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ - الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ - وَالدَّيُّوثُ».
.. وفي رواية النسائي وابن حبان: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ».
* وعَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ».
* وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ».
* وفي رواية: «إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: قِيلَ: وَمَا عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ».
* استجابة دعوة الوالد على ولده العاق: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ».
وذكر ابن قدامة – رحمه الله- في " كتاب التوابين " عن الحسن بن على –رضي الله عنه -: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ مَعَ أَبِي حَوْلَ الْبَيْتِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ وَقَدْ رَقَدَتِ الْعُيُونُ وَهَدَأَتِ الأَصْوَاتُ إِذْ سَمِعَ أَبِي هَاتِفًا يَهْتِفُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ شَجِيٍّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَنْ يُجِيبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِي الظُّلَمِ... يَا كَاشِفَ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ قَدْ نَامَ وَفْدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَانْتَبَهُوا... وَأَنْتَ عَيْنُكَ يَا قَيُّومُ لَمْ تَنَمِ هَبْ لِي بِجُودِكَ فَضْلَ الْعَفْوِ عَنْ جُرْمِي... يَا مَنْ إِلَيْهِ أَشَارَ الْخَلْقُ فِي الْحَرَمِ إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لا يدركه ذو سرف ... فمن يَجُودُ عَلَى الْعَاصِينَ بِالْكَرَمِ قَالَ: فَقَالَ أَبِي: يَا بُنَيَّ! أَمَا تَسْمَعُ صَوْتَ النَّادِبِ لِذَنْبِهِ الْمُسْتَقِيلِ لِرَبِّهِ؟ الْحَقْهُ فَلَعَلَّ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ.
فَخَرَجْتُ أَسْعَى حَوْلَ الْبَيْتِ أَطْلُبُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمَقَامِ وَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَقُلْتُ: أَجِبِ ابْنَ عَمِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَوْجَزَ فِي صَلاتِهِ وَاتَّبَعَنِي.
فَأَتَيْتُ أَبِي فَقُلْتُ: هَذَا الرَّجُلُ يَا أَبَتِ.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: مِمَّنِ الرَّجُلِ؟
قَالَ: مِنَ الْعَرَبِ قَالَ: وَمَا اسْمُكَ؟
قَالَ: مُنَازِلُ بْنُ لاحِقٍ.
قَالَ: وَمَا شَأْنُكَ وَمَا قِصَّتُكَ؟
قَالَ: وَمَا قِصَّةُ مَنْ أَسْلَمَتْهُ ذُنُوبُهُ وَأَوْبَقَتْهُ عُيُوبُهُ فَهُوَ مُرْتَطِمٌ فِي بَحْرِ الْخَطَايَا.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: عَلَيَّ ذَلِكَ فَاشْرَحْ لِي خَبَرَكَ.
قَالَ: كُنْتُ شَابًّا عَلَى اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ لا أُفِيقُ عَنْهُ وَكَانَ لِي وَالِدٌ يَعِظُنِي كَثِيرًا وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ! احْذَرْ هَفَوَاتِ الشَّبَابِ وَعَثَرَاتِهِ فَإِنَّ لِلَّهِ سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ مَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وَكَانَ إِذَا أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ أَلَحَّ عَلَيَّ بِالْمَوْعِظَةِ فَأَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا فَحَلَفَ بِاللَّهِ مُجْتَهِدًا لَيَأْتِيَنَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ فَيَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَيَدْعُو عَلَيَّ فَخَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَيْتِ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا مَنْ إِلَيْهِ أَتَى الْحُجَّاجُ قَدْ قَطَعُوا... عُرْضَ الْمَهَامِهِ مِنْ قُرْبٍ وَمِنْ بُعْدِ إِنِّي أَتَيْتُكَ يَا مَنْ لا يُخَيِّبُ مَنْ... يَدْعُوهُ مُبْتَهِلا بِالْوَاحِدِ الصَّمَدِ هَذَا مُنَازِلٌ لا يَرْتَدُّ عَنْ عُقَقِي... فَخُذْ بِحَقِّي يَا رَحْمَانُ مِنْ وَلَدِي وشِلَّ مِنْهُ بِحَوْلٍ مِنْكَ جَانِبَهُ... يَا مَنْ تَقَدَّسَ لَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَلِدِ
قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا اسْتَتَمَّ كَلامَهُ حَتَّى نَزَلَ بِي مَا تَرَى ثُمَّ كَشَفَ عَنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَإِذَا هُوَ يَابِسٌ.
قَالَ: فَأُبْتُ وَرَجَعْتُ وَلَمْ أَزَلْ أَتَرَضَّاهُ وَأَخْضَعُ لَهُ وَأَسْأَلُهُ الْعَفْوَ عَنِّي إِلَى أَنْ أَجَابَنِي أَنْ يَدْعُوَ لِي فِي الْمَكَانِ الَّذِي دَعَا عَلَيَّ. قَالَ: فَحَمَلْتُهُ عَلَى نَاقَةٍ عُشَرَاءَ وَخَرَجْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ حَتَّى إِذَا صِرْنَا بِوَادِي الأَرَاكِ طَارَ طَائِرٌ مِنْ شَجَرَةٍ فَنَفَرَتِ النَّاقَةُ فَرَمَتْ بِهِ بَيْنَ أَحْجَارٍ فَرَضَخَتْ رأسه فمات فدفتنه هُنَاكَ وَأَقْبَلْتُ آيِسًا وَأَعْظَمُ مَا بِي مَا أَلْقَاهُ مِنَ التَّعْيِيرِ أَنِّي لا أُعْرَفُ إِلا بِالْمَأْخُوذِ بِعُقُوقِ وَالِدَيْهِ.
فَقَالَ لَهُ أَبِي: أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاكَ الْغَوْثُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمَرَهُ فَكَشَفَ عَنْ شِقِّهِ بِيَدِهِ وَدَعَا لَهُ مَرَّاتٍ يُرَدِّدُهُنَّ فَعَادَ صَحِيحًا كَمَا كَانَ.
وَقَالَ لَهُ أَبِي: لَوْلا أَنَّهُ قَدْ كَانَ سَبَقْتَ إِلَيْكَ مِنْ أَبِيكَ فِي الدُّعَاءِ لَكَ بِحَيْثُ دَعَا عَلَيْكَ لَمَا دَعَوْتُ لَكَ.
قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ أَبِي يَقُولُ لَنَا: احْذَرُوا دُعَاءَ الْوَالِدَيْنِ! فَإِنَّ فِي دُعَائِهِمَا النَّمَاءُ وَالانْجِبَارُ وَالاسْتِئْصَالُ وَالْبَوَارُ.
*** وَأَمَّا البَغْيُ يا عباد الله ، فَهُو التَّعَدِّي عَلَى الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، والتَسَلُّطُ والظُّلْمُ ، وَيَكُونُ عَلَى النَّفْسِ أَوْ العِرْضِ أو المالِ ، قال رسولُ الله صلي الله عليه وسلم ﴿فَإِنَّ دِماءَكُمْ ، وَأَمْوالَكُمْ وَأَعْراضَكُم ، عَلَيْكُمْ حَرامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا ، في بَلَدِكُمْ هذا ، في شَهْرِكُمْ هذا﴾
فالظلم محرم في شريعة الله تعالى، حرمه سبحانه على نفسه وعلى عباده، وتوعد عز وجل الظالمين بعذاب أليم في الدارين، وذلك لما له من عواقب وخيمة على الأفراد وعلى المجتمعات.
قال الله تعالى كما في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
الظلم طبع في نفوس بعض الناس، لا ينام إلا على ظلم الآخرين، ولا يقوم إلا على ظلم المساكين.
وقد أخبر عز وجل أن من الناس من هو كثير الظلم لنفسه ولغيره فقال سبحانه: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)، ويقول جل وعلا: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه مسلم، فللظلم عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وإليك أيها المسلم عشر عقوبات للظلم :
1- أن الظالم لا يُفلح في دنياه ولا أخراه: فمن سلك طريق الظلم، فإن بابه في النهاية مسدود، والخير منه موءود، وإن زين له شيطانه هذا الظلم، قال تعالى: (إنه لا يفلح الظالمون)، ويقول سبحانه: (قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون).
2- أن الظالم يحرم من الهداية والتوفيق، قال تعالى: (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ويقول سبحانه: (والله لا يهدي القوم الظالمين).
3- أن الظلم سبب لمصائب الدنيا من أوجاع وأسقام وفقر وذهاب الأولاد والأموال والقتل والتعذيب وغلاء الأسعار وغير ذلك، فما تعانيه الأمة اليوم هو بسبب وجود الظلم، وبما كسبت أيدي الناس.
يقول الله جل وعلا: ( وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون)، دون ذلك: أي قبل موتهم.
عقوبة شاملة للقرى الظالمة التي انتشر فيها الظلم وجاهر أهلها بها، التي لا يكاد يسلم منها أحد، بل تعم الصالح. ولقد ذكر لنا ربنا تبارك وتعالى ما فعله بالقرى الظالمة، قال سبحانه: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين)، وقال عز من قائل: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلةٍ وقصر مشيد).
ويقول جل وعلا: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً وعذبناها عذاباً نكراً، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسراً).
4- أن الظلم سبب لإهلاك الأمم، فقد أهلك الله أقواما وقرونا من الناس قبلنا وما زال يهلك الأمم لوجود الظلم في الأرض، فصار هذا الأمر سنة كونية، كلما كثر الظلم والفساد في الأرض نزل الهلاك والعقاب الأليم، قال سبحانه : (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين)، وقال تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا).
وقال تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)، والله تعالى لم يظلم هذه القرى وهذه الأمم بل هي ظلمت نفسها وظلمت غيرها فحق عليها عقاب ربها، قال تعالى: ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم) وقال تعالى: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة المسلمة إذا كانت ظالمة».
ولهذا قيل: «الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام».
5- أن الظالم تنزل عليه اللعنة يوم القيامة، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، يقول عز وجل: ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار)، ويقول تعالى: ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) فلا يكون لهذا الظالم يوم القيامة نصير ولا شفيع ولا حميم.
6- أن الظلمة يحرمون من شفاعة إمام المرسلين وشفاعة من يأذن الله في الشفاعة لعباده ،كما قال تعالى: (وما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع)، ويقول عز وجل: (وما للظالمين من أنصار).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وكل غالٍ مارق) رواه الطبراني بسند حسن.
7- أن الظالمين يصيبهم الندم والحسرة يوم القيامة: فكل ظالم سيندم هناك، ولات ساعة مندم، قال تعالى: (ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون)، وقال تعالى: ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً، يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً).
8- أن الظالمين مصيرهم العذاب الأليم في نار جهنم، وتكون هي نهايتهم فبئست النهاية، وساءت الخاتمة، قال تعالى: (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون).
فعاقبة الظالمين جهنم لا يموتون فيها ولا يحيون.
قال صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال: رجل وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله فقال: وإن كان قضيباً من أراك). رواه مسلم.
كما أن الظالم سيطوق يوم القيامة بسبب ظلمه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين). رواه البخاري.
هذا الذي ظلم قيد شبر من الأرض، تكون هذه عقوبته يوم القيامة، فكيف بالذي يظلم بما زاد عن ذلك.
9- أن الظالم يخسر حسناته بل قد تضاف سيئات من ظلمه على سيئاته بسبب ظلمه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء منه فليتحلله منه اليوم، من قبل أن لا يكون دينارا ولا درهما، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه). رواه البخاري.
10- أن الظالم قد تصيبه دعوة المظلوم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا، فإنه ليس دونها حجاب) رواه أحمد بسند حسن.
فكيف بالمظلوم إن كان مسلماً، وكيف بالمظلوم إن كان صالحاً تقيا.
وكان الأنبياء إذا يئسوا من ظلم الظالمين دعوا الله عليهم، قال تعالى على لسان نوح: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا).
فَبِرُّ الوالِدَيْنِ يا عباد الله ، سَبَبٌ لِسَعَةِ الرِّزْقِ ، وَطُولِ العُمُرِ، وانْشِراحِ الصَّدْرِ ، والثَّناءِ الحَسَنِ ، وَبِرِّ الأَبْناءِ ، والخُرُوجِ مِن الْمَآزِقِ والكُرُبَاتِ وَهُوَ أَيْضًا ،سَبَبٌ لِاسْتِجابَةِ الدُّعاءِ، فَإِنَّ النبيَّ صلي الله عليه وسلم بَيَّنَ أَنَّ أُوَيْسًا القَرَنِيَّ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ ، بِسَبَبِ بِرِّهِ بِأُمِّهِ.
وهَكَذا مَا يَتَعَلَّقُ بِالبَغْيِ ، فَإِنَّ ضِدَّهُ العَدْلُ والرَّحْمَةُ والإِحسانُ ، وصَنائِعُ الْمَعْرُوفِ ، يُرْوَى عن النبيِّ صلي الله عليه وسلمأَنَّه قال ﴿صَنائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوءِ﴾ وقال أيضاً ﴿صِلَةُ الرَّحِمِ ، وَحُسْنُ الخُلُقِ ، وحُسْنُ الجِوارِ ، تُعَمِّرُ الدِّيَارَ، وتَزيدُ فِي الأَعْمَارِ﴾ ولازِمُ ذلكَ ، أَنَّ ضِدَّ هذِه الأعْمالِ تُدَمِّرُ الدِّيارَ ، وتُقَصِّرُ فِي الأَعْمارِ .
وتَأَمَّلُوا يا عِبادَ اللهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ فَإِنَّ فِيهِ مَوْعِظَةً لِمَنْ تَوَلَّى أَمْرَ يَتِيمٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ مَجْنُونٍ ، أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِيهِ وفِي الإحسانِ إِلَيْهِ ، فَإِنَّه إنْ فَعَلَ ذلك ، حَفِظَ اللهُ ذُرِّيَّتَه مِن بَعْدِه ، مُكافَأَةً لَهُ عَلَى صَنِيعِهِ ، فَأَحْسِنُوا رَحِمَكُم اللهُ إلى اليَتامَى والضُّعَفَاء ِ والأَرامِلِ ، وَأَبْشِرُوا بِحِفْظِ اللهِ لِذُرِّيَّاتِكُمْ مِنْ بَعْدِكُمْ ، ولا تَخافُوا عَلَيْهِمْ ولا تَحْزَنُوا ، فَإِنَّ هذا ضَمَانٌ مِن اللهِ لَكُمْ مُتَحَقِّقٌ لا مَحَالَةَ ، ونِعْمَ الضَّامِنُ ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين ، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين ، وَلا عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين ، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ ، صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ، وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيرا ً، أما بعد:
فمعاشر المؤمنين عبادَ الله ، رَوَى الإمامُ مسلمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال:قال رسولُ اللهِ صلي الله عليه وسلم ﴿بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِن الأَرْضِ ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ ،اِسْقِ حَدِيقَةَ فُلان ، فَتَنَحَّى ذلك السَّحابُ ، فَأَفْرَغَ ماءَهُ فِي حَرَّةٍ ، فَإِذا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّراجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّه ، فَتَتَبَّعَ الماءَ ، فَإِذا رَجُلٌ قائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ ، يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحاتِه، فَقالَ لَهُ يا عَبْدَاللهِ ، ما اسْمُكَ ؟ قال فُلانٌ ،لِلاسْمِ الذي سَمِعَ فِي السَّحابَةِ ،فَقالَ لَهُ يا عَبْدَاللهِ ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَن اسْمِي ؟ فَقالَ إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الذي هذا ماؤُهُ يَقُولُ ،اسِقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ ، لِاسْمِكَ ،فَمَا تَصْنَعُ فِيها ؟ قال أَمَا إِذْ قُلْتَ هذا ، فَإِنِّي أَنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها ، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ، وآكُلُ أَنَا وَعِيالِي ثُلُثًا ، وَأَرُدُّ فِيها ثُلُثَه﴾.
فانْظُرُوا رَحِمَكُم اللهُ ، كَيْفَ أَنْزَلَ اللهُ البَرَكَةَ عَلَى هذِهِ الحَدِيقَةِ، واعْلَمُوا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ البَرَكَةِ ، لَيْسَتْ خاصَّةً بِحَدِيقَةِ هذا الرَّجُلِ ، بَلْ هِيَ عامَّةٌ لِكُلِّ صاحِبِ مالِ ، يَقُومُ بِمِثْلِ هذا العَمَلِ العَظِيمِ ، سَواءً كانَ زِراعَةً أو تِجارَةً ، أوْ راتِبًا شَهْرِيًّا.
اللهم أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ ، واجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ المَعْرُوفِ والإِحْسانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك ، وتحول عافيتك ، وفُجاءة نقمتك وجميع سخطك ، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ، اللهم احفظنا بالإسلام قائمين ، واحفظنا بالإسلام قاعدين واحفظنا بالإسلام راقدين ، ولا تُشمت بنا عدوا ولا حاسدين ، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%81%D8%A7%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%88%D9%8A%20(5).png)