بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، أنزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، خير من قرأ القرآن الكريم، وتدبر معانيه، ووقف على أسراره، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به فعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم المفلحون.
وبعد:
فإن علم التفسير يعد من أشرف العلوم، لشرف موضوعه، وهو القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي أنزله رب العالمين- سبحانه وتعالي- على أشرف الخلق وحبيب الحق محمد- صلي الله عليه وسلم- وعلي خير أمة أخرجت للناس، ففيه النور المبين لمن تمسك به، والشفاء لما في الصدور، قال-عز شأنه-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ من رَّبكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً } ( )
ومن هذا المنطلق اعتني به العلماء فحفظوه في الصدور، وكتبوه في السطور واتخذت هذه العناية أشكالًا مختلفة، كلٌ علي حسب ما يراه صاحبه أن ما يقوم به هو خدمة لكتاب الله-عز وجل.
أهمية الموضوع وسبب اختياره:
وسبب اختياري لهذا البحث:
أولًا: يُعدّ علم التفسير من أنفعِ العلومِ على الإطلاقِ؛ فهو يتعلّقُ بكتابِ الله تعالى، فعلمُ التفسير تُعرف من خلالهِ معاني القرآن الكريم، التي تُساعدُ المسلمَ على الاهتداء للعملِ الصالحِ، ونيلِ رضى الله سبحانهُ وتعالى، والفوز بجناتهِ، وذلك بالعمل بأوامرهِ التي وردت في كتابهِ الكريم، واجتناب نواهيه، وأخذ العبرة من قصصهِ، وتصديق أخباره، وبعلم التفسير يتبيّن الإنسان الحق من الباطل، ويزول أيُّ لبسٍ في الوصولِ إلى معاني الآيات ودلالاتها الحقيقيةِ، ومن خلالهِ يصل الفقيه إلى استنباطِ الأحكامِ الشرعية؛ إذ يُعتبر القرآن الكريم الدليل التفصيليّ الأول للمعرفةِ والاستدلالِ على الأحكامِ الشرعية العملية.
ثانيًا: لأنه ذُكرت آياتٌ كثيرةٌ في مواضع عديدة في القرآن الكريم، تحثُّ المسلم على فهمِ القرآن الكريم فهماً صحيحاً، ومعرفة المطلوب منه والعملِ بمقتضاهُ.
ثالثًا: أردت أن أساهم في علم التفسير بهذا البحث.
أهداف البحث:
1-إبراز موضوعات سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
2-إخراج دراسة موضوعية مستقلة بالألفاظ والآيات من أول سورة محمد إلى نهايتها.
3-تبيين معاني آيات سورة محمد وشرح تفسيرها مقسمة على هيئة موضوعات.
وهذا البحث الذي أقدمه بعنوان:( تفسير سورة محمد تفسيراً موضوعياً) دراسة موضوعية.
قسمته إلى: مقدمة، وتمهيد، ومبحثين، ثم الخاتمة، والفهارس.
خطة البحث:
المقدمة
وتتضمن: أهمية موضوع البحث، أهدافه، خطة البحث، المنهج المتبع في إنجازه.
التمهيد:
وفيه تعريف مفردات البحث: المراد بالتفسير لغة واصطلاحاً، ثم المراد بالمصطلح مُركباً (التفسير الموضوعي).
المبحث الأول: التعريف بسورة (محمد):
وفيه مطالب:
المطلب الأول: اسم السورة، وعدد آياتها، ونوعها.
المطلب الثاني: سبب نزول السورة، ومناسبتها لما قبلها وما بعدها.
المطلب الثالث: الوحدة الموضوعية في السورة.
المبحث الثاني:
المطلب الأول: افتتاح السورة بتحريض المؤمنين على القتال، وبيان حكم الأسرى والغنائم.
المطلب الثاني: تأييد الله تعالى ونصره للمؤمنين، والشقاء والخسارة للكافرين.
المطلب الثالث: صفات المنافقين، وما أعده الله لهم من عذاب ووعيد.
المطلب الرابع: وصف الجنة، ونعيمها المعد للمؤمنين.
المطلب الخامس: تدبر القرآن، وخطورة الإعراض عنه.
المطلب السادس: طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في رضاهما.
المطلب السابع: ختم السورة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله.
الخاتمة:
فتشتمل على أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
الفهارس: وتشمل: ثبت المصادر والمراجع، فهرس الموضوعات.
المنهج المتبع:
سلكت في هذا البحث المنهج الاستقرائي الموضوعي، وذلك على النحو الآتي: -
-عزوت الآيات إلى سورها بذكر رقم الآية واسم السورة بجانبها.
- وثقت الأقوال من المصادر الأصلية؛ فإن كان النقل بالنص وضعته بين قوسي تنصيص وأحلت على اسم الكتاب في الحاشية مباشرة، وما نقلته بالمعنى أحلت عليه في الحاشية بكلمة: انظر.
- أتعرض لذكر أقوال المفسرين مختصرة.
- وضحت غريب المعاني والمصطلحات.
- خرّجت الأحاديث من الصحيحين، فإن لم يكن الحديث فيهما خرجته من مظانه، ونقلت حكم العلماء عليه.
وقد بذلت كل ما في وسعي كي يخرج هذا البحث المتواضع في صورته المرجوة لأساهم به مع أساتذة أجلاء، وزملاء أعزاء.
وأسأل الله عز وجل أن ينفع بهذا البحث عباده وأن يكتب له القبول.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا الهداية والتوفيق
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
التمهيد : التفسير لغة واصطلاحاً:
التفسير لغة: تفعيلٌ من الفَسْرِ، وأصلُ مادَّتِه اللُّغوية تدلُّ على بيانِ شيءٍ وإيضاحِه ( )، ولذا قيلَ: الفَسْرُ: كَشفُ المغطَّى ( ).
وقيلَ: هو مأخوذٌ من قولِهم: فَسَرْتُ الحديثَ، أفسُرُهُ فَسْراً؛ إذا بيَّنتُه وأوضحتُه.
وفَسَّرْتُهُ تفسيراً: كذلك. ( )
والأشهرُ في الاستعمالِ: فَسَّرَ تفسيراً، بتشديدِ حرفِ السِّينِ في الماضي، وبه جاءَ القرآنُ، كما قالَ تعالى: {وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} ( )
التفسير اصطلاحاً: اختلفتْ عباراتُ المعرِّفينَ لمصطلحِ التفسيرِ، وكان فيها توسُّعٌ أو اختصارٌ، وممن عرَّفه:
* ابن جُزَيّ ( )، قالَ: (معنى التَّفسيرِ: شرحُ القرآنِ، وبيانُ معناه، والإفصاحُ بما يقتضيه بنصِّه أو إشارَتِه أو نجواه)( ).
* وعرَّفَهُ أبو حيان ( )، فقال:( التفسيرُ: علمٌ يُبحثُ فيه عن كيفيةِ النطقِ بألفاظِ القرآن، ومدلولاتِها، وأحكامِها الإفراديَّةِ والتركيبيَّةِ، ومعانيها التي تُحمَلُ عليها حالَ التركيبِ، وتتماتُ ذلك.)
ويُمكنُنا القولُ بأنَّ التَّفسيرَ: بَيَانُ القرآن الكريم.
التفسير الموضوعي:
التفسير الموضوعي يمكن القول عنه أنه علم حديث، لم يكن معروفاً كعلم مستقل فيما سبق، وإن كانت وجدت له لبنات، أشار إليها علماؤنا الأفاضل من خلال أقول النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه من بعده، أو التابعين من بعدهم.
ولم يفرد سابقا لهذا العلم مصنفات كغيره من العلوم، وإنما جاء في ثنايا بعض العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه.
ولأننا عرفنا لفظة التفسير لغة واصطلاحًا يجدر بنا الإشارة إلى معنى كلمة الموضوعي لغة قبل توضيح معنى التفسير الموضوعي كاملة.
- والموضوعي لغة: أصله من الوضع وهو أعم من الحط، ومنه الموضع، قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)( ) ويقال ذلك في الحمل : وضعت الحمل فهو موضوع، قال تعالى: (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ )( )
وقال تعالى:( وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ)( )
فهذا الوضع عبارة عن الإيجاد والخلق ووضعت المرأة الحمل وضعًا، قال تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)( )( )، إذن هو جعل الشيء في مكان ما وتثبيته، سواء أكان ذلك (الوضع بمعنى: الحط أو الإلقاء، تقول: وضع يضع وضعًا وضعة، ومنه الموضع.)( )
وهذا المعنى ملحوظ في التفسير الموضوعي؛ لأن المفسر يثبت كل آية في موضعها من المعنى الكلي للقضية التي يبحثها، مما يلزم المفسر الارتباط بمعنى معين وصفة معينـة، لا يتعداهما إلى غيرهما حتى يفرغ من تفسير الموضوع الذي التزم به ( ).
واصطلاحًا: (هو عبارة عن المبحوث بالعلم عن أعراضه الذاتية) ( ).
أما تعريف (التفسير الموضوعي): فقد عرفه أهل الاختصاص بعدة تعريفات أختار منها ما أظنه أجمعها: (هو علم يبحث في قضايا القرآن الكريم، المتحدة معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها، على هيئة مخصوصة، بشروط مخصوصة، لبيان معناها، واستخراج عناصرها وربطها برباط جامع). ( )
وقد أضيفت كلمة تفسير إلى كلمة موضوعي فصارتا علمًا على هذا اللون من التفسير.
يقول الدكتور محمد البهي: (التفسير الموضوعي ليس تفسير جملة من الآيات، ولا استخلاص مضمونها في وحدة قرآنية، وإنما هو استخلاص مضمون الكتاب ككل من نظرة موضوعية شاملة مرة، أو استخلاص موضوع محدد كمنهج القرآن في تطوير المجتمع، أو موقف القرآن من المادية مرة أخرى أو استخلاص هدف السورة الواحدة وما عنيت بإبرازه في إطار الدعوة كلها مرة ثالثة) ( ).
إذن حقيقة التفسير الموضوعي هو جمع متفرق من الآيات التي تتحدث عن موضوع أو لفظة أو جملة ودراسة هذا المجموع بعد تبويبه، واستنتاج الفوائد، واستخلاص الهدايات والعبر من هذا المجموع.
المبحث الأول:
التعريف بسورة (محمد):
وفيه مطالب:
المطلب الأول: اسم السورة، وعدد آياتها، ونوعها.
المطلب الثاني: سبب نزول السورة، ومناسبتها لما قبلها وما بعدها.
المطلب الثالث: الوحدة الموضوعية في السورة.
المطلب الأول: اسم السورة، وعدد آياتها، ونوعها.
أسماء السورة:
الاسم الأول: سورة محمد: تسمى بسورة "محمد" وهي أشهر أسمائها، وبها عُرفت واشتهرت في التفاسير، وفي كتب علوم القرآن، وبها سُميت في المصحف الشريف، وقد جاءت هذه التسمية في كتب السنة، وفي ترجمة صحيح البخاري ( ).
وسبب هذه التسمية أن فيها إشارة إلى (أن الإيمان بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم متفرقًا أعظم بما نزل مجموعًا على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو من أعظم مقاصد القرآن) ( ).
إذن فقد تضمنت هذه التسمية الإشارة إلى مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو قدره، كما أن فيها تخليدًا لذكره.
ولأن هذه السورة تضمنت ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم صراحة، بل افتتحت السورة بذكره في ثاني آياتها.
وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى هذا السبب في قوله: " ووجهه أنها ذُكر فيها اسم النبي صلى الله عليه وسلم في الآية الثانية منها"( ).
الاسم الثاني: سورة القتال: وقد عُرفت بهذا الاسم أيضًا، واشتهرت به في كتب التفسير وعلوم القرآن، لأن السورة تضمنت حديثًا عن القتال وعن مشروعيته، وعن كثير من أحكامه، كما نُص فيها على لفظة "القتال" في قوله تعالى "وذكر فيها القتال"، ولذا فإن تسمية السورة بسورة القتال تسمية قرآنية كما ذكر ذلك الطاهر بن عاشور ( ).
وقيل تسمى سورة (القتال)، لدلالتها على ارتفاع حرمة نفوس الكفار المانعة من قتالهم، وما يترتب على القتال وكثرة فوائده-قاله المهايميّ-( ).
وذكر بعضهم أنها تسمى سورة القتال لأنها بينت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي المرحمة ونبي الملحمة وأنه يقتص من الظالم للمظلوم. ومن الواتر للموتور ( ).
ولذا جاءت أغراض السورة وموضوعاتها متلائمة مع هذه التسمية، ففيها التحريض على قتال المشركين، وترغيب المسلمين في الجهاد والاقدام عليه، وفي بيان ما أعده الله لهم جزاء جهادهم في الدنيا والآخرة.
الاسم الثالث: سورة (الذين كفروا)
قالَ السُّيُوطِيُّ: (وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت بالمدينة سورة {الذين كفروا}) ( ).
وقال الشَّوْكَانِيُّ: (وتسمّى سورة القتال، وسورة {الّذين كفروا}) ( ).
قالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ: (ووقع في أكثر روايات «صحيح البخاريّ» سورة {الّذين كفروا})( ).
عدد آيات سورة محمد ونوعها: وآياتها ثمان وثلاثون.
وهي مدنية بالاتفاق حكاه ابن عطية وصاحب «الإتقان» باستثناء آية (وكأين من قرية) فهي مكية.
وهذا هو رأي ابن عباس وقتادة ( )، ورأي جمهور المفسرين ( )، فهي مدنية على الأرجح من أقوال المفسرين وليس الاجماع ( )لأنه جاء عن النسفي قولًا غريبًا: أنها مكية.
وحكى القرطبي عن الثعلبي وعن الضحاك وابن جبير: أنها مكية، ولعله وهم ناشئ عما روي عن ابن عباس أن قوله تعالى: (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك)( ) نزلت في طريق مكة قبل الوصول إلى حراء، أي في الهجرة، قيل نزلت هذه السورة بعد يوم بدر وقيل نزلت في غزوة أحد.
وقد رد أبو حيان الأندلسي على قول ابن عطية أنها مدينة بإجماع فقال: (وقال ابن عطية أنها مدنية بإجماع وليس كما قال) ( ).
ووجدت أن الشهاب قد رد عليه كذلك: (هي مدنية على الأصح، ولا إجماع فيه كما قال ابن عطية، فإنه رُوي خلافه عن ابن عباس وبعض الصحابة، فلا وجه لدعوى الاجماع) ( ).
ولذا فالأصح من أقوال المفسرين أنها مدنية، يدل على ذلك خصائص السورة الموضوعية والأسلوبية، فلها من ذلك خصائص السورة الموضوعية والأسلوبية، فلها من ذلك الحظ الوافر.
وهي السورة السابعة والأربعون بحسب ترتيب المصحف العثماني، وهي السورة السادسة والتسعون بحسب نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة الحديد، وقبل سورة الرعد ( ).
المطلب الثاني:
سبب نزول السورة، ومناسبتها لما قبلها وما بعدها:
أولًا: سبب نزول السورة المباركة:
ورد في كتب التفسير أن سورة محمد سبب نزول سورة محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- هو ذمّ المشركين الذين كفروا بدعوة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ومدح الأنصار الذين آمنوا به -صلّى الله عليه وسلّم، فعن ابن عبّاس -رضي الله عنه- أنّه قال في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * والذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ}( )حيث الذين كفروا هم مشركو مكّة، والذين آمنوا هم الأنصار( ).
وجاء أن قوله تعالى (الذين كفروا) الآية، إشارة إلى أهل مكة الذين أخرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله (والذين آمنوا) الآية إشارة إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه، وفي الطائفتين نزلت الآيتان، قاله ابن عباس ومجاهد، ثم هي بعد تعم كل من دخل تحت ألفاظها ( ).
وذكر المفسرون أنه لما ذكر فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين قال: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات ولا يمنع من ذلك خصوص سببها، فقد قيل إنها نزلت في الأنصار، وقيل في ناس من قريش، وقيل: في مؤمني أهل الكتاب، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( ).
وفيها بعض الآيات التي تفرّدت بسبب نزول خاص بها، منها:
*سبب نزول آية: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} نزلت في أصحاب النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-الذين قتلهم المشركون في غزوة أحد ( ).
* عن ابن جريج في قوله: {ولو يشاء الله لانتصر منهم} ؛ قال: لأرسل عليهم ملكا فدمر عليهم، وفي قوله: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} ؛ قال: نزلت فيمن قتل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ( ).
*سبب نزول قوله تعالى {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم}
عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم -لما خرج من مكة إلى الغار -أراه قال-: التفت إلى مكة، وقال: "أنت أحب بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إلي، ولو أن المشركين لم يخرجوني؛ لم أخرج منك، فأعتى الأعداء: من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذحول الجاهلية"؛ فأنزل الله -تعالى-على نبيه -صلى الله عليه وسلم -: {وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (13)}( ).
* سبب نزول قوله تعالى: {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم (16)}
* عن ابن جريج؛ قال: كان المؤمنون والمنافقون يجتمعون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فيستمع المؤمنون منه ما يقول ويعونه، ويسمعه المنافقون فلا يعونه، فإذا خرجوا؛ سألوا المؤمنين ماذا قال آنفا؟ فنزلت: {ومنهم من يستمع إليك} ( )
* سبب نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (33)}
* عن أبي العالية؛ قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل؛ فنزلت: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم}؛ فخافوا أن يبطل الذنب العمل ( ).
ثانيًا: مناسبة لما قبلها وما بعدها:
تأتي سورة محمد بعد سورة الأحقاف في ترتيبها في المصحف، وبين هاتين السورتين ارتباط وثيق ومناسبة قوية سوغ معه أن تليها في المصحف الشريف.
وقد طفق العلماء ينظرون في أسرار هذا الترتيب، وأشار إليه أبو حيان فقال:( ومناسبة أولها لآخر ما قبلها واضح جدًا) ( ).
ولم يزد على هذا لأنه يرى أن مناسبتها للسورة التي قبلها أن حديثها عن الكفار، الذي بُدئت به متصل بما خُتمت به سابقتها سورة الأحقاف، التي ذكرت حالهم يوم يعرضون على النار، بسبب كفرهم وإيذاء الرسول وإنكار البعث، وقررت مصيرهم بقوله تعالى: {فهل يهلك إلا القوم الفاسقون} ( ) فهي مناسبة مشهورة معلومة.
وقال الألوسي في بداية تفسيره للسورة "لا يخفى قوة ارتباط أولها بآخر السورة قبلها، واتصاله وتلاحمه، بحيث لو سقطت من البين البسملة، لكانا كلاماً واحداً، لا تنافر فيه، كالآية الواحدة آخذاً بعضها بعنق بعض". ( )
وقال الرازي موضحًا هذه المناسبة في تفسيره: (أول هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة، فإن آخرها قوله تعالى: (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) ( ) فإن قال قائل كيف يهلك الفاسق وله أعمال صالحة كإطعام الطعام وصلة الأرحام وغير ذلك؟ مما لا يخلو عنه الإنسان في طول عمره فيكون في إهلاكه إهدار عمله وقد قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) ( ) وقال تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) أي: لم يبق لهم عمل ولم يوجد فلم يمتنع الإهلاك.)( )
أما مناسبتها مع ما بعدها فآخر سورة محمد يرتبط بأول سورة الفتح ارتباطاً واضحاً أيضاً، حيث ختم الله سورة محمد بقوله: (هَا أَنتُمْ هَـؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّـهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم)، فهذه الآية تحثّ المؤمنين وتدعوهم للإنفاق والبذل في سبيل الله -تعالى-( ) ثمّ يقول الله -تعالى- في أوائل سورة الفتح: (وَيَنصُرَكَ اللَّـهُ نَصْرًا عَزِيزًا* هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)،( )حيث يُبشر الله -تعالى- عباده المؤمنين الذين لبّوا دعوته للإنفاق في سبيله بنصره وتأييده لهم، وأيضاً فإن اسم السورة محمد يُناسبه أن يأتي بعد سورته سورة الفتح؛ لأن الفتح كان لمحمد -صلى الله عليه وسلم-. ( )
المطلب الثالث: الوحدة الموضوعية في السورة:
هناك ترابط شديد بين موضوعات سورة محمد، والملاحظ عليها أنها في الغالب تتحدث عن الجهاد في سبيل الله وما أعده الله عز وجل للمؤمنين المجاهدين في سبيل الله عز وجل، فيمكننا القول بأن موضوعها الأساسي هو الجهاد ونلخص الموضوعات فيما يأتي:
1-الحديث عن القتال وأحكامه، والأسرى، والغنائم.
2-الحديث عن المنافقين وصفاتهم وما أعدّ الله لهم من تهديد وعذاب، ووصف الجنة ونعيمها المُعدّ للمؤمنين.
3-الحديث عن تأييد الله -تعالى-ونصره للمؤمنين، والشقاء والخسارة للكافرين ( ).
4-الحديث عن القرآن الكريم، والدعوة إلى تدبّره وفهمه، والحثّ على ذلك.
فقد بدأت السورة مباشرة وبما يلفت النظر بالحديث عن الكفار أعداء الله والرسول، وإظهار غضب الله عليهم، وأردفت ذلك بوصف المؤمنين وبيان رضا الله عليهم، لإظهار الفرق الواضح بين الفريقين: (كذلك يضرب الله للناس أمثالهم).
ثم أمرت المؤمنين بقتال الكافرين قتالًا عنيفًا لا هوادة فيه، لأنهم كفروا واتبعوا الباطل، وبشرت المؤمنين بالنصر إن نصروا دين الله وصبروا في مواجهة الأعداء، وأبانت خذلان الكافرين لكراهيتهم ما أنزل الله، وفي هذا تعريف بجزاء المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة.
ثم عنيت بضرب الأمثال لكفار مكة وأمثالهم بالطغاة السابقين وكيفية تدميرهم بسبب طغيانهم: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ...)
ووصفت بعدئذ ألوان نعيم الجنة المعدة للمتقين للترغيب والإقبال على الإيمان والطاعة.
وانتقل البيان إلى وصف المنافقين والمرتدين ووعدهم وتهديدهم: (ومنهم من يستمع إليك.)
وذكرت في ثنايا ذلك أن الكافرين الصادين عن سبيل الله والمعادين للرسول لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم، ولن يغفر الله لهم، وذكرت بوجوب طاعة الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم.
وختمت السورة بما يناسب موضوعها الأصلي وهو الجهاد في سبيل الله، فدعت المؤمنين إلى تحقيق العزة والكرامة، وتجنب الضعف والوهن والمسالة ( ).
المبحث الثاني:
المطلب الأول: افتتاح السورة بتحريض المؤمنين على القتال، وبيان حكم الأسرى والغنائم.
المطلب الثاني: تأييد الله تعالى ونصره للمؤمنين، والشقاء والخسارة للكافرين.
المطلب الثالث: صفات المنافقين، وما أعده الله لهم من عذاب ووعيد.
المطلب الرابع: وصف الجنة، ونعيمها المعد للمؤمنين.
المطلب الخامس: تدبر القرآن، وخطورة الإعراض عنه.
المطلب السادس: طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في رضاهما.
المطلب السابع: ختم السورة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله.
المطلب الأول:
افتتاح السورة بتحريض المؤمنين على القتال، وبيان حكم الأسرى والغنائم:
قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ * فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}
وتعتبر أبرز فوائد سورة محمد أنها تتحدث عن موضوع الجهاد في سبيل الله وأحكامه، حيثُ تبدأ السورة بإعلان الحرب العامة الشاملةِ على الكافرين أعداء الله تعالى وأعداء هذا الدين القويم، وتؤكدُ السورة أنَّ عمل الكافرين إلى زوال لأنهم اتَّبعوا الكفر والباطل، وأمَّا المؤمنون فإنَّ الله يغفر لهم ويكفِّر عنهم سيئاتهم لاتباعهم ما أنزل الله من الهدى، قال تعالى: {ذلِكَ بأَنَّ الَّذينَ كفَرُوا اتَّبعُوا الباطِلَ وأَنَّ الَّذينَ آمنُوا اتَّبعُوا الحَقَّ منْ ربِّهِم كذَلِكَ يضرِبُ اللَّهُ للنَّاسِ أَمثالَهُمْ}( ).
فهذه الآيات الأولى مشتملات على ذكر ثواب المؤمنين وعقاب العاصين، والسبب في ذلك، ودعوة الخلق إلى الاعتبار بذلك، فقال: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} وهؤلاء رؤساء الكفر، وأئمة الضلال، الذين جمعوا بين الكفر بالله وآياته، والصد لأنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، التي هي الإيمان بما دعت إليه الرسل واتباعه.
فهؤلاء {أَضَلَّ} الله {أَعْمَالَهُمْ} أي: أبطلها وأشقاهم بسببها، وهذا يشمل أعمالهم التي عملوها ليكيدوا بها الحق وأولياء الله، أن الله جعل كيدهم في نحورهم، فلم يدركوا مما قصدوا شيئا، وأعمالهم التي يرجون أن يثابوا عليها، أن الله سيحبطها عليهم، والسبب في ذلك أنهم اتبعوا الباطل، وهو كل غاية لا يراد بها وجه الله من عبادة الأصنام والأوثان، والأعمال التي في نصر الباطل لما كانت باطلة، كانت الأعمال لأجلها باطلة( ).
وقد صدر التحريض على القتال بتوطئة لبيان غضب الله على الكافرين لكفرهم وصدهم الناس عن دين الله وتحقير أمرهم عند الله ليكون ذلك مثيرًا في نفوس المسلمين حنقًا عليهم وكراهية فتثور فيهم همة الإقدام على قتال الكافرين، وعدم الاكتراث بما هم فيه من قوة، حين يعلمون الله يخذل المشركين وينصر المؤمنين، فهذا تمهيد لقوله: (فإذا لقيتم الذين كفروا) ( )
وأما {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بما أنزل الله على رسله عمومًا، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله، وحقوق العباد الواجبة والمستحبة.
{كَفَّرَ} الله {عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} صغارها وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة. {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: {اتبعوا الْحَقُّ} الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم، الصادر {مِنْ رَبِّهِمْ} الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم، فلما كانت الغاية المقصودة لهم، متعلقة بالحق المنسوب إلى الله الباقي الحق المبين، كانت الوسيلة صالحة باقية، باقيا ثوابها.
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} حيث بين لهم تعالى أهل الخير وأهل الشر، وذكر لكل منهم صفة يعرفون بها ويتميزون {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة}
وفائدة هذه الموازنة والمقارنة أن تعرف عدوّك لأن الله يخذله ولا ينصره وأن تعرف أسباب قوتك وهي الاتصال بخالقك، ما قال الذين سكنوا في مكة وصدوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم، ولا قال الذين سكنوا المدينة، العبرة بالكفر والإيمان، الصفة التي تنصرك هي إيمانك والتي تخذله كفره أما الجنس واللون فلا يصلح أن يكون رابطة يقوم عليه قتال يرضي الله سبحانه وتعالى، الجنس واللون والوطن هذه أمور لا قيمة لها القيمة بالكفر والإيمان، تتكرر صفة الكفار والمؤمنين في السورة لتبغيض المؤمنين في حال الكافرين ولتهوين شأنهم لأن الله أضل أعمالهم وقال أيضًا (اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ) مما يُشعر بضعفهم الشديد، هذا كثير في هذه السورة.
وقد جاء في مقابلة الأوصاف الثلاثة التي أثبتت للذين كفروا بثلاثة أوصاف ضدها للمسلمين وهي: الإيمان مقابل الكفر، والإيمان بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مقابل الصد عن سبيل الله، وعمل الصالحات مقابل بعض ما تضمنه أضل أعمالهم، وكفر عنهم سيئاتهم مقابل بعض آخر مما تضمنه أضل أعمالهم، وأصلح بالهم مقابل بقية ما تضمنه أضل أعمالهم.
وزيد في جانب المؤمنين التنويه بشأن القرآن بالجملة المعترضة قوله: (وهو الحق من ربهم) وهو نظير لوصفه بسبيل الله في قوله: (وصدوا عن سبيل الله).
وتكفير السيئات غفرانها، لهم فإنهم لما عملوا الصالحات كفر الله عنهم سيئاتهم التي اقترفوها قبل الإيمان، وكفر لهم الصغائر، وكفر عنهم بعض الكبائر بمقدار يعلمه إذا كانت قليلة في جانب أعمالهم الصالحات ( ).
ويقول تعالى -: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} في الحرب والقتال، فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حَتَّى تثخنوهم وتكسروا شوكتهم وتبطلوا شرتهم، فإذا فعلتم ذلك، ورأيتم الأسر أولى وأصلح، {فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} أي: الرباط، وهذا احتياط لأسرهم لئلا يهربوا، فإذا شد منهم الوثاق اطمأن المسلمون من هربهم ومن شرهم، فإذا كانوا تحت أسركم، فأنتم بالخيار بين المن عليهم، وإطلاقهم بلا مال ولا فداء، وإما أن تفدوهم بأن لا تطلقوهم حتى يشتروا أنفسهم، أو يشتريهم أصحابهم بمال، أو بأسير مسلم عندهم.
وإمام المسلمين مخير في أسراه في خمسة أوجه: القتل، أو الاسترقاق، أو ضرب الجزية، أو الفداء، أو المن. ويترجح النظر في أسير أسر بحسب حاله من إذاية المسلمين أو ضد ذلك ( ).
وقال بعض المفسرين أن هذه الآية معارض ظاهرها لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}.
فذهب ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، والسدي، والضحاك، ومجاهد، إلى أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين} الآية، وأن الأسر والمن والفداء مرتفع، فإن وقع أسير قتل ولا بد إلا أن يسلم.
وروي نحوه عن أبي بكر الصديق، وذهب ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، إلى أن هذه مخصصة لعموم تلك، والمن والفداء ثابت.
وقال الحسن: لا يقتل الأسير إلا في الحرب، يهيب بذلك على العدو.
وذهب أكثر العلماء إلى أن أهل الكتاب فيهم المن والفداء وعباد الأوثان، ليس فيهم إلا القتل، فخصصوا من المشركين أهل الكتاب، وخصص من الكفار عبدة الأوثان.
وأما مذاهب الأئمة: 1-مذهب أبي حنيفة أن الإمام يخير في القتل والاسترقاق.
2-مذهب الشافعي أنه مخير في القتل والاسترقاق والفداء والمن.
3-مذهب مالك أنه مخير في واحد من هذه الأربعة، وفي ضرب الجزية.
والظاهر أن قوله: (وإما فداء)، يجوز فداؤه بالمال وبمن أسر من المسلمين. ( )
وهذا الأمر مستمر {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي: حتى لا يبقى حرب، وتبقون في المسألة والمهادنة، فإن لكل مقام مقالًا، ولكل حال حكمًا، فالحال المتقدمة، إنما هي إذا كان قتال وحرب.
فإذا كان في بعض الأوقات، لا حرب فيه لسبب من الأسباب، فلا قتل ولا أسر.
إن الحرب دواء مر، ولكن لمرض أمر، وكما قال شوقي: الحرب في حق لديك شريعة ومن السموم الناقعات دواء...! ( )
{ذَلِكَ} الحكم المذكور في ابتلاء المؤمنين بالكافرين، ومداولة الأيام بينهم، وانتصار بعضهم على بعض {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ} فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على ألا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم.
{وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} ليقوم سوق الجهاد، ويتبين بذلك أحوال العباد، الصادق من الكاذب، وليؤمن من آمن إيمانا صحيحا عن بصيرة، لا إيمانا مبنيا على متابعة أهل الغلبة، فإنه إيمان ضعيف جدا، لا يكاد يستمر لصاحبه عند المحن والبلايا.
{وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لهم ثواب جزيل، وأجر جميل، وهم الذين قاتلوا من أمروا بقتالهم، لتكون كلمة الله هي العليا.
فهؤلاء لن يضل الله أعمالهم، أي: لن يحبطها ويبطلها، بل يتقبلها وينميها لهم، ويظهر من أعمالهم نتائجها، في الدنيا والآخرة.
{سَيَهْدِيهِمْ} إلى سلوك الطريق الموصلة إلى الجنة، {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} أي: حالهم وأمورهم، وثوابهم يكون صالحًا كاملًا لا نكد فيه، ولا تنغيص بوجه من الوجوه.
{وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي: عرفها أولا، بأن شوقهم إليها، ونعتها لهم، وذكر لهم الأعمال الموصلة إليها، التي من جملتها القتل في سبيله، ووفقهم للقيام بما أمرهم به ورغبهم فيه، ثم إذا دخلوا الجنة، عرفهم منازلهم، وما احتوت عليه من النعيم المقيم، والعيش السليم ( ).
فهذه الآيات الأولى قد بينت في بدايتها أن الله أبطل أعمال الكافرين لإعراضهم عن الحق واتباع الباطل، والوقوف في وجه الدعوة ليصدوا الناس عن دين الله، وأنه -سبحانه -كفّر عن المؤمنين سيئاتهم؛ لأنهم نصروا الحق وسلكوا طريقه واتبعوا ما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم -.وكذلك بينت -بإطناب -وجوب الدفاع عن الحق وما يتطلبه ذلك عند لقاء الكفار في بدء المعركة ونهايتها، وذكرت جزاء من قتل في سبيل الله {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}. ( )
المطلب الثاني: تأييد الله تعالى ونصره للمؤمنين، والشقاء والخسارة للكافرين.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}
ثم نادى المؤمنين وبين لهم أن المؤمنين الذين ينصرون دين الله، سينصرهم الله وسيمكن لهم في الأرض، أما الذين كفروا فلهم التعاسة، وضياع الأمل، لأنهم كرهوا ما أنزل الله على رسوله، فأحبط الله أعمالهم، وأذهبها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، بسبب عدم إيمانهم.
فالآيات المباركة واضحة المعنى وهي تشير إلى أن الله تعالى يؤيد عباده المؤمنين وينصرهم على الكافرين به سبحانه وتعالى، وتبين الآيات كذلك أن الخسارة للكافرين بإبطال أعمالهم وكذلك بهزيمتهم.
فلما ذكر أنه لو شاء الله لانتصر منهم علم منه أن ما أمر به المسلمين من قتال الكفار إنما أراد منه نصر الدين بكسر شوكة أعدائه الذين يصدون الناس عنه، أتبعه بالترغيب في نصر الله والوعد بتكفل الله لهم بالنصر إن نصروه، وبأنه خاذل الذين كفروا بسبب كراهيتهم ما شرعه من الدين.
فالجملة استئناف ابتدائي لهاته المناسبة، وافتتح الترغيب بندائهم بصلة الإيمان اهتمامًا بالكلام وإيماء إلى أن الإيمان يقتضي منهم ذلك، والمقصود تحريضهم على الجهاد في المستقبل بعد أن اجتنوا فائدته مشاهدة يوم بدر ( ).
والمعنى: إن تنصروا دين الله ورسوله ينصركم على عدوكم ويفتح لكم ويثبت أقدامكم في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام ( ).
فتبدأ الآية بهذا الأمر منه تعالى للمؤمنين، أن ينصروا الله بالقيام بدينه، والدعوة إليه، وجهاد أعدائه، والقصد بذلك وجه الله، فإنهم إذا فعلوا ذلك، نصرهم الله وثبت أقدامهم، أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطمأنينة والثبات، ويصبر أجسامهم على ذلك، ويعينهم على أعدائهم، فهذا وعد من كريم صادق الوعد، أن الذي ينصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه، وييسر له أسباب النصر، من الثبات وغيره.
وأما الذين كفروا بربهم، ونصروا الباطل، فإنهم في تعس، أي: انتكاس من أمرهم وخذلان.
{وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} أي: أبطل أعمالهم التي يكيدون بها الحق، فرجع كيدهم في نحورهم، وبطلت أعمالهم التي يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله.
ذلك الإضلال والتعس للذين كفروا، بسبب أنهم {كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} من القرآن الذي أنزله الله، صلاحا للعباد، وفلاحا لهم، فلم يقبلوه، بل أبغضوه وكرهوه، {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}. ( )
قال ابن عباس: يريد في الدنيا القتل، وفي الآخرة التردي في النار ( ).
قال بعض المفسرين وقوله تعالى: {كرهوا ما أنزل الله} يريد القرآن.
وقوله: {فأحبط أعمالهم} يقتضي أن أعمالهم في كفرهم التي هي بر مقيدة محفوظة، ولا خلاف أن الكافر له حفظة يكتبون سيئاته.
واختلف الناس في حسناتهم.
فقالت فرقة: هي ملغاة يثابون عليها بنعم الدنيا فقط.
وقالت فرقة: هي محصاة من أجل ثواب الدنيا، ومن أجل أنه قد يسلم فينضاف ذلك إلى حسناته في الإسلام، وهذا أحد التأويلين في قول النبي عليه السلام لحكيم بن حزام: «أسلمت على ما سلف لك من خير»
فقوم قالوا تأويله: أسلمت على أن يعد لك ما سلف من خير.
وقالت فرقة معناه: أسلمت على إسقاط ما سلف لك من خير، إذ قد ثوبت عليه بنعم دنياك.
وذكر الطبري أن أعمالهم التي أخبر في هذه الآية بحبطها: عبادتهم الأصنام وكفرهم.
ومعنى: (أحبط) جعلها من العمل الذي لا يزكو ولا يعتد به، فهي لذلك كالذي أحبط ( ).
المطلب الثالث: صفات المنافقين، وما أعده الله لهم من عذاب ووعيد.
وانتقل البيان إلى وصف المنافقين والمرتدين ووعدهم وتهديدهم، ( )وبين سبحانه وتعالى حال المنافقين والمهتدين عند استماع آيات العقيدة، فقال تعالى متحدثًا عن المنافقين وصفاتهم: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}
وذكر تعالى من صفاتهم أيضًا عند نزول الآيات العملية في الآيات التي تليها: { وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ( ٢١ ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ( ٢٢ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( ٢٣ ) ﴾
ثم هددهم سبحانه وتعالى بفضحهم: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}
هذه آيات تتحدث عن المنافقين، فالعظة لا تصل إلى قلوبهم لانطماسها بما يشغلها من الدنيا ويبعدها عن الإسلام، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة وأحيانا يتناول المنافقين بما يسوءهم ويكشفهم، ويعرّي رذائلهم، فإذا خرجوا من خطبة الجمعة قال المنافقون لعبد الله بن مسعود ولعبد الله بن عباس: ماذا قال آنفا؟ يقولون ذلك استهزاء واستكبارا.
إن قلوب المنافقين قاسية، لم تتفتح للهدى والإيمان، وقلوب المؤمنين فيها هداية زادها الله هداية، ومنحهم التقوى والقبول، إن القيامة قادمة ومحمد صلى الله عليه وسلم من أشراطها، ثم تخاطب الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمته، أن داوموا على الإيمان بالله وتصديق رسوله، والاستغفار والتوبة، والله تعالى عليم بحركتكم بالنهار، وبهجوعكم بالليل، أو هو عليم بأعمالكم في الدنيا، وبنهايتكم في الآخرة، وسيجازيكم على ذلك بما تستحقون ( ).
فالآيات تبين موقف المؤمنين والمنافقين من الآيات العملية، التي تحث على الجهاد والزكاة والصلاة، فالمؤمنون يتشوقون لنزول سورة تحث على الجهاد والزكاة، وتكلفهم بما يقربهم من ربهم، أما المنافقون فإذا سمعوا الآيات التي تحث على الجهاد والزكاة فإنهم يصيبهم الهول والويل، فلو صدقوا الله في الجهاد لكان طريقهم إلى الجنة مفروشا بالعمل الصالح وحسن النية.
ثم تقول الآيات :جدير بكم إذا توليتم وأعرضتم عن هدي القرآن وتكاليف الإسلام، أن تعودوا إلى صفات الجاهلية، وهي الفساد في الأرض، وتقطيع الأرحام، ومن فعل ذلك فقد لعنه الله وطرده من رحمته، وأعمى بصيرته عن رؤية الحق، والاهتداء بآيات الله. ( )
فالسورة تحدثت بإسهاب عن المنافقين، وعما جبلوا عليه من الإنكار لما يسمعون من الرسول حيث كانوا يقولون لأولى العلم: {ماذا قال آنفًا}؟ تماديًا في الإعراض عن الحق وعلى جهة الاستهزاء، واستمرت آيات السورة تعدد مساوئهم مع تحذير المؤمنين أن يكونوا بينهم حتى لا يستمعوا لتثبيطهم، وهددتهم بهتك أستارهم بإظهار الرسول على أحقادهم التي يخفونها حيث كانوا يقولون ما لا يفعلون {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} ( ).
فبدأت الآيات بقوله تعالى﴿ وَمِنْهُمْ ﴾يعني: ومِن المنافقين الكفار، لذلك قال قتادة هم المنافقون ( )﴿ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾أي يستمع إلى حديثك -أيها النبي -﴿ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾أي انصرفوا من مجلسك:﴿ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾: أي قال هؤلاء المنافقون لمن حضروا مجلسك من أهل العلم بكتاب الله -على سبيل الاستهزاء -:﴿ مَاذَا قَالَ آَنِفًا ﴾؟ يعني ماذا قال محمد قبل قليل؟ (يشيرون بذلك إلى أنهم لم يكونوا مهتمين بحديثه صلى الله عليه وسلم) قيل: ذلك لابن مسعود، وعن ابن عباس أنا منهم، وقد سميت فيمن سئل وأراد رضي الله تعالى عنه أنه من الذين أوتوا العلم بنص القرآن( ) ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ أي ختم على قلوبهم، فلا تفهم الحق ولا تهتدي إليه، ﴿ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ﴾ في الكفر والضلال،﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ يعني: وأما الذين اتَّبَعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من الحق، ولم يتَّبعوا أهوائهم: ﴿ زَادَهُمْ ﴾ الله ﴿ هُدًى ﴾ ليَثبتوا على الحق ﴿ وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾: أي وفقهم للتقوى، ويَسَّرها لهم، فحَبَّبَ إليهم الطاعات، وكَرَّهَ إليهم المعاصي.
والمعنى الإجمالي أن منهم أي من الكفار فئة المنافقين، من يستمع إليك في خطبة الجمعة وغيرها، وهم المنافقون، كانوا يحضرون مجلس الرسول ويسمعون كلامه، فإذا خرجوا قالوا للذين أوتوا العلم أي لعلماء الصحابة كابن مسعود وابن عباس، استهزاء وسخرية، ماذا قال آنفا أي ما الذي قال في هذه الساعة؟ استهزاء واستعلامًا ( ).
فمع الحديث عن المؤمنين المجاهدين والكافرين المعتدين تطرق الحديث إلى المنافقين لكشف النقاب عن سرائرهم المريضة ولحماية المجتمع من شرورهم.
إن هؤلاء الناس يشاركون المسلمين مجلسهم حول الرسول الكريم.
ويستمعون إلى ما يصدر من توجيهات، ولكن بقلوب مدخولة، وقد يشاركون في عبادات خفيفة التكاليف.
وقد ينقلون إلى خصوم الإسلام ما يدور بين النبي وصحبه ولهم تعليقات تكشف المخبوء من كفرهم {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفًا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم}.
وهذا استفهام مشرب بالتجاهل أو بالسخرية.
يتشوق المؤمنون إلى نزول آيات من كتاب الله ليتسابقوا إلى العمل بما فيها من تكاليف أو جهاد، ويقولون: هلا أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة جديدة، لنستمع إلى وحي السماء، وننفذ أوامر ربنا إذا طلب منا الجهاد، فإذا أنزل الله سورة محكمة، واضحة في أوامرها، لا تحتمل وجها آخر، بل هي صريحة في طلب الجهاد، فإن المنافقين يعتريهم الخوف والخور، والجبن والتردد، وينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم،﴿ نظر المغشي عليه من الموت... ﴾وهو الذي نزل الموت بساحته، فأبلس واضطرب، وأغمي عليه من الخوف والجبن.
بيد أن وجوههم تسود وفرائصهم ترعد عندما ينزل أمر بالقتال فهم ليسوا أصحاب عقائد يدفعون عنها، وتعلقهم بمصالحهم الدنيوية يجعلهم جبناء {فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت}.
ووزر المنافقين مضاعف، فإن هناك كفارًا لا يدرون عن الإسلام شيئًا ويحاربونه بغباوة.
أما هؤلاء المنافقون فمقيمون بين ظهراني المسلمين يستمعون إلى الوحي النازل ويرمقون سيرة صاحب الرسالة فمالهم عذر.
﴿ فأولى لهم ﴾. أي: فالويل والهلاك لهم، كما قال سبحانه وتعالى:﴿ أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى ﴾( ) أي: هلاكًا وسعيرًا لك.
أي: طاعة وقول معروف خير لهم، أو:﴿ فأولى لهم ﴾أي: خير لهم طاعة وقول معروف، فيا ليتهم في وضع أفضل مما هم عليه، بحيث يقابلون طلب الجهاد، بقولهم:﴿ طاعة ﴾لله ورسوله واستجابة لأمرهما، ويقولون: سمعنا وأطعنا.
﴿ فإذا عزم الأمر... ﴾أي: جد الجد، وجاءت ساعة الصفر، وبدأ تنفيذ الجهاد عمليًا، فلو صدقوا الله في الإيمان والعزيمة والجد، وانضموا قولا وعملا وسلوكا وتنفيذا لجيش المسلمين، لكان ذلك خيرا لهم، حيث يحصلون على الغنيمة عند النصر، أو الثواب على الجهاد، والجنة في الآخرة ( ).
إن الله كشف أولئك المنافقين، وهم على كل حال ستكشفهم مسالكهم وتدل عليهم أعمالهم.
بل إن لأقوالهم رنينًا يفضح خباياهم {ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم} ( ).
المطلب الرابع: وصف الجنة، ونعيمها المعد للمؤمنين.
قال الله تعالى:﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾.
هذا تعقيب على الآية السابقة: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم؟}
ففي قوله تعالى: «مثل الجنة التي وعد المتقون» في هذا، جواب على هذا السؤال الذي أثارته الآية السابقة وقد جاء هذا الجواب في صورة سؤال يحتاج هو الآخر إلى جواب، ولكن جواب هذا السؤال قريب واضح، يكاد يمسك باليد.
فما هي إلا نظرة يلقيها الإنسان إلى أهل الجنة وما يلقون فيها من نعيم، وإلى أهل النار، وما يساق إليهم من عذاب، حتى يرى هذا البعد البعيد بين حال هؤلاء وأولئك، أصحاب الجنة، وأصحاب النار، من كان على بينة من ربه، ومن زين له سوء عمله فرآه حسنا، ومن هنا كان من المناسب، ذكر الجنة، وما فيها من ألوان النعيم.
وقوله تعالى: «مثل الجنة التي وعد المتقون» هو استفهام يرد به على الاستفهام في قوله تعالى: {أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله}
والتقدير: كلا، ليس من كان على بينة من ربه، كمن زين له سوء عمله، وكيف يكونان متماثلين؟ أمثل الجنة التي وعد المتقون، ينعمون فيها بما يشاءون كمثل النار التي يلقى فيها المجرمون، يطعمون من جمرها، ويشربون من لهيبها؟ ( ).
فقوله تعالى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} الآية: هذه الآية كلام مستأنف مسوق لشرح محاسن الجنة الموعودة للمؤمنين في قوله -تعالى – آنفا {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} وتصوير نعيمها، وتعداد خيراتها، ومقارنة نعيم أهلها بعذاب أهل الجحيم.
والمعنى باختصار: مثل الجنة الموعودة للمؤمنين، وشأنها العجيب ما يتلى عليكم من جلائل النعم، في هذه الجنة أنهار من الماء النقي المتجدد الذي لم يداخله كدر، ولم يلحقه تغير في لون أو طعم لطول مكثه، وأنهار من لبن لم تطرأ عليه حموضة ولم يستكره له طعم، كما يحدث في ألبان الدنيا، وأنهار من خمر لذيذ الطعم مستساغ المذاق ليس فيها كراهية ريح، ولا غائلة سكر، ولا يجد شاربها إلاَّ اللذة والمتعة، وأنهار من عسل خالص صرف مصفى من الشمع، ومن جميع الشوائب وفضلات النحل، وفيها غير هذا من كل الثمرات، وأصناف المطعومات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وكل ذلك من الوفرة والكثرة بحيث لا يخاف منه حرمان، ولا إقلال، ولهم قبل هذا مغفرة واسعة من ربهم تمحو ذنوبهم، وترفع درجاتهم.
وقوله تعالى: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} معناه: أمَثَل الجنة التي أعدت للمتقين وعلمتم أوصافها كمثل جزاء من هو خالد في النار متهاوٍ في دركاتها، شرابُهم فيها الحميم الشديد الحرارة، فإذا شربوا منه قطع أمعاءهم؟!
والتعبير عن فريق المؤمنين بالمتقين يؤذن بأن الإيمان والعمل الصالح من باب التقوى الذي هو عبارة عن فعل الواجبات بأسرها، وترك السيئات عن آخرها ليتقي عذاب الله على تركها.
كما أن التعبير عن فريق الكافرين بمن هو خالد في النار، لإبراز مهانتهم بسوء مآلهم، وتأبيد عذابهم ( ).
فيضرب المثل للنعيم المنتظر {مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} إلخ. وذاك خلال تسبيح موصول وعبادة تقر بها العين {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام واخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ( ).
فيصف القرآن نعيم المتقين، فيذكر أحيانا نعيم الجنة الحسي، وأحيانا ما هو أعلى وأسمى، وهو رضوان الله ومودته ومعيته سبحانه، مثل:﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا ﴾( ).
ووصفت بعدئذ ألوان نعيم الجنة المعدة للمتقين للترغيب والإقبال على الإيمان والطاعة ( ).
والله تعالى عليم بعباده ومشاربهم وأذواقهم وطوائفهم.
وهنا يفصل القرآن نعيم الجنة، ويشوق المتقين إلى ما فيها، وكل ما فيها طيب طاهر نظيف، طازج مشرق:﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ﴾( ).
فلما بين الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بين الفرق بينهما في مرجعهما ومآلهما، وكما قدم من على البينة في الذكر على من اتبع هواه، قدم حاله في مآله على حال من هو بخلاف حاله ( ).
ومعنى الآية: صفة الجنة التي وعد الله بها عباده المتقين، الذين راقبوا الله وأطاعوه، فاستحقوا أن ينالوا جزاءه في الآخرة، في هذه الجنة ما يأتي :
١-أنهار من ماء طازج لم يداخله كدر، ولم يتغير لونه أو طعمه.
٢-أنهار من لبن سليم طازج لم يتغير طعمه بحموضة أو رائحة كريهة كألبان الدنيا.
٣-أنهار من خمر لذيذة الطعم، ليس فيها كراهية ريح، ولا غائلة سكر، ولا يجد شاربها إلا اللذة والمتعة.
٤-أنهار من عسل مصفى، قد صفي من القذى، وما يكون في عسل الدنيا قبل التصفية، من الشمع وفضلات النحل وغيرها.
٥-﴿ ولهم فيها من كل الثمرات... ﴾وأنواع الفاكهة اليانعة ذات الألوان البديعة، والروائح الذكية، والطعوم الشهية.
٦- ﴿ ومغفرة من ربهم... ﴾ أي :وقد غفر الله ذنوبهم، وسترها عليهم، وأمنهم يوم الفزع الأكبر، وتجاوز عن السيئات، وكافأهم على الحسنات بفضله ورحمته.
وبذلك جمع لأهل الجنة بين النعيم الحسي والنعيم المعنوي فيما يأتي :
١- الماء :وبدأ به لأنه لا يستغنى عنه في الدنيا.
٢- اللبن :وهو يجري مجرى الطعوم لكثير من العرب في غالب أوقاتهم، فهو حاجة من حاجات الجسم.
٣- الخمر :وهي لذة ونعيم لمن استوفى الضروريات والحاجيات، واحتاج إلى اللذائذ والكماليات.
٤- العسل :وفيه الشفاء والحلاوة.
٥- المغفرة والستر والرحمة، والتجاوز والحنان والفضل من الله( ).
المطلب الخامس: تدبر القرآن، وخطورة الإعراض عنه.
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( ٢٥ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ( ٢٦ ) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ( ٢٧ ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ( ٢٨ )}
يقول -تعالى ذكره -: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام، ويتفكرون في حججه التي بينها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون (أم على قلوب أقفالها) يقول: أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعبر، وبهذا قال أهل التأويل ( ).
أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه، لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء تحذر، ولعرفهم بربهم، وأسمائه وصفاته وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل.
(أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أي: قد أغلق على ما فيها من الشر وأقفلت، فلا يدخلها خير أبدًا؟ هذا هو الواقع ( ).
فهلا تدبر هؤلاء المنافقون أو الكافرون القرآن، وأمعنوا النظر والتأمل في هداياته وآدابه وتشريعاته، وحلاله وحرامه، وقصصه وأمثاله، وما اشتمل عليه من عظات وعبر تفتح القلوب، وتلين لها الأفئدة، وتخشع لها الجبال الراسيات، لكن هؤلاء لم يهتدوا، فهم بين أمرين :إما أنهم لا يتأملون القرآن ولا يتدبرون ما فيه، وإما أنهم يتدبرون ويقرأون القرآن، لكن قلوبهم مغلقة، كالبيوت التي وضعت الأقفال على أبوابها، فلا يستطيع الإنسان دخولها.
وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار، خصوصًا المنافقين، والآية توبيخ لهم، وأمر بتدبر القرآن وتفهمه، ونهى عن الإعراض عنه، وقد وردت محققة لمعنى الآية المتقدمة، فإنه تعالى قال : ﴿ أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم ﴾ لقد طردهم الله من رحمته بسبب نفاقهم ومرض قلوبهم وخيانتهم.
قال تعالى : ﴿ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ﴾( ) ( )
ففي هذه الآية يقول تعالى آمرا بتدبر القرآن وتفهمه وناهيًا عن الإعراض عنه فقال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) أي بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أنه تلا: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به ( ).
هو سؤال يتردد في صدور من ينظرون إلى هؤلاء الذين كانوا على طريق الإيمان، ثم لم يلبثوا أن انحرفوا عنه، وضلوا سواء السبيل ثم ألقى بهم بعيدا عن دائرة المؤمنين.
فكل من كان بمشهد منهم من المؤمنين، يسأل هذا السؤال: ما بال هؤلاء الأشقياء، قد ألقوا بأنفسهم في مواقع الهلاك، وقد كانت آيات الله بين أيديهم؟ أمع آيات الله يكون عمى وضلال؟ وكيف وهي صبح مشرق، ونور مبين؟ أمران لا ثالث لهما، هما العلة التي جاء منها هذا البلاء الذي حل بهؤلاء الأشقياء المناكيد، إما لأنهم لم يتدبروا القرآن، ولم يحسنوا الإصغاء إليه، والاتصال به، والأخذ عنه، وإما لأنهم تدبروا وأصغوا، وحاولوا أن يتصلوا بالقرآن، ولكن كانت قلوبهم مغلقة، ومختومًا عليها، فلا ينفذ إليها شعاع من هدى أبدًا.
وسواء أكان هذا أو ذاك، فإن الداء منهم، وفيهم وليس من آيات الله، ولا في آيات الله، فما في آيات الله هدى، وحق ونور.
وهذا مثل قوله تعالى {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين}. ( )
ولا يصح أن يكون الاستفهام في قوله تعالى {أفلا يتدبرون القرآن} للتحضيض، بمعنى هلا، لأن التحضيض إنما يكون لمن يرجى منه إتيان ما يحض عليه، وهؤلاء قد سبق الحكم عليهم بأن الله قد لعنهم فأصمهم وأعمى أبصارهم، فكيف يدعون بعد هذا إلى تدبر القرآن؟ ( ).
ثم تبين الآيات المباركة خطورة الإعراض عن القرآن وعدم تدبره فيقول تعالى بعد الأمر بتدبر القرآن الكريم﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ﴾فكأن المعنى يشير إلى أن السبب الرئيسي في ارتداد هؤلاء المنافقين هو الاعراض عن القرآن الكريم وهداياته وعدم تدبره!
وقيل :إن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، الذين خالطوا المسلمين وشاهدوا هداية الله لهم، ثم رجعوا إلى الكفر، وقيل :نزلت في بعض اليهود، دخلوا في الإسلام، وشاهدوا هداية القرآن، وتوفيق وأمانة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مرضت قلوبهم وحقدوا وحسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، فعادوا إلى اليهودية، وقيل :نزلت في بعض الكفار.
والأولى أن نقول : إن الآية عامة، وتشمل كل من تنطبق عليهم.
والمعنى :إن الذين دخلوا في الإسلام، ثم نكصوا على أعقابهم، ورجعوا إلى الضلال بعد أن تبين لهم الهدى، وعادوا إلى الكفر بعد أن شاهدوا نور الإسلام، وإعجاز القرآن وفضله وبركته وهدايته، وآدابه وتشريعاته، هؤلاء وقعوا أسرى لإغراء الشيطان، ووسوسته لهم بطول الأمد والاغتراف من الملذات، والمغانم الدنيوية، فآثروا العاجلة على الباقية، كما قال تعالى: ﴿ بل توثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى ﴾( ).
ثم بين سبحانه وتعالى السبب الثاني في ارتدادهم بعد تركهم تدبر القرآن وهو طاعتهم للكفار الذين يكرهون ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ)
وقيل إن المنافقين قالوا لليهود سرا: سنقف معكم عند الحصار والحرب والله سبحانه مطلع على أسرار هؤلاء المنافقين.
ثم تعرض الآيات موقف المنافقين عند الموت والغرغرة، والإنسان في أضعف حالاته، والملائكة تضرب وجوههم، وتضرب أدبارهم التي ارتدوا عليها ورجعوا إلى الكفر بعد الإسلام، ذلك لأن المنافقين ساروا على طريق يغضب الله، ولا يرضيه، فأصاب أعمالهم بالإحباط والضياع ( ).
فكيف يكون حال هؤلاء العصاة المنافقين إذا ما انتهت حياتهم، وحضرت الملائكة لاستخراج أرواحهم، وتعاصت الأرواح عن الخروج من الجسد، واشتدت الحشرجة، والملائكة يضربون وجوههم من الأمام، وأدبارهم من الخلف، هل يستطيعون أن يتلونوا أو ينافقوا عند موتهم، وهو آت لا شك في ذلك؟
المطلب السادس: طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في رضاهما.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)}.
هو دعوة كريمة، والتفاتة رحيمة، من رب كريم رحيم، إلى عباده المؤمنين، وقد طال وقوفهم مع حديث الله سبحانه وتعالى إلى المنافقين، فشاقهم أن يسمعوا حديثًا من الله سبحانه عنهم، فناداهم الحق جل وعلا، واستدناهم منه، ثم أسمعهم ما فيه رشدهم، وصلاحهم، وفوزهم في الدنيا والآخرة، فطاعة الله وطاعة الرسول، شرط أول من شروط المؤمن، فإنه لا إيمان بغير طاعة، وتسليم، وانقياد، وإن عصيان الله وعصيان رسوله، لا يبقى على إيمان، إذ لا يجتمع إيمان وعصيان.
وإذا أخلى الإيمان مكانه من القلوب، لم يبق غير الكفر، وغير بطلان العمل، لمن تبدل الكفر بالإيمان.
فالآية دعوة للمؤمنين أن يحفظوا إيمانهم، ويوثقوه، بالطاعة لله ورسوله.
وفى الآية تهديد للمؤمنين الذي لا يلتفتون إلى أنفسهم ولا يحرسونها من النفاق، أن يدخل عليهم فيطرد الإيمان من قلوبهم، ثم لا يكون لهم بعد هذا عمل إلا بطل وفسد! ( ).
والمعنى: أي يا أيها المؤمنون بالله ورسوله أطيعوا الله تعالى وأطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم، بامتثال أوامرهما واجتناب نواهيهما، ولا تبطلوا حسناتكم بالردة أو بالمعاصي الكبائر، وبالرياء والسمعة، والمن والأذى ( ).
وكأن في الآية تحذير للذين آمنوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أعداءهم من الكفار والمنافقين.
فتكون هذه الآية من جملة ثمرة الابتلاء وغايته، فكما هددت الآية قبلها الكافرين وأوعدتهم جاءت هذه الآية تنبه المؤمنين إلى مداومة الطاعات والحرص على سلامتها.
فكأنها تقول لهم فيا أيها الذين صدقوا في إيمانهم وتمحيص عقيدتهم، وسلكوا مسالك الطاعة، داوموا على هذه الأعمال الصالحة واحرصوا على سلامتها لتنالوا ثوابها، فلا تُلْبِسُوها غشًّا ولا نفاقًا، ولا تخلطوها بِعُجْب أو رياء، ولا تذهبوا بها مذهبا يأكل الحسنات من منٍّ أو أذى.
وقيل: إن ناسًا من بني أسد قد أسلموا، وقالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -: قد آثرناك، وجئناك بنفوسنا وأهلينا كأنهم يمنُّون، فنزلت ( ).
فلما بين حال الكفار أمر المؤمنين بلزوم الطاعة في أوامره والرسول في سننه." ولا تبطلوا أعمالكم" أي حسناتكم بالمعاصي، قاله الحسن، وقال الزهري: بالكبائر، ابن جريج: بالرياء والسمعة.
وقال مقاتل والثمالي: بالمن، وهو خطاب لمن كان يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه، وكله متقارب، وقول الحسن يجمعه.
وفيه إشارة إلى أن الكبائر تحبط الطاعات، والمعاصي تخرج عن الإيمان.
واحتج علماؤنا وغيرهم بهذه الآية على أن التحلل من التطوع-صلاة كان أو صومًا-بعد التلبس به لا يجوز، لأن فيه إبطال العمل وقد نهى الله عنه.
وقال من أجاز ذلك-وهو الإمام الشافعي وغيره-: المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، فنهى الرجل عن إحباط ثوابه.
فأما ما كان نفلا فلا، لأنه ليس واجبا عليه، فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع، والتطوع يقتضي تخييرا.
وعن أبي العالية كانوا يرون أنه لا يضر مع الإسلام ذنب، حتى نزلت هذه الآية فخافوا الكبائر أن تحبط الأعمال.
وقال مقاتل: يقول الله تعالى إذا عصيتم الرسول فقد أبطلتم أعمالكم ( ).
المطلب السابع: ختم السورة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله.
قال الله تعالى : {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ( 36 ) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ( 37 ) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ( 38 ).}
وفي ختام السورة تتجه الآيات إلى ترقيق القلوب، وبيان هوان الدنيا، وسرعة تحولها، فمتاعها قليل، وهي كاللعب واللهو، أما الإيمان والتقوى وطاعة الله فثوابها مضمون، والمطلوب من المؤمن نسبة الزكاة، وهي نسبة عادلة، فالله لا يطلب منا جميع أموالنا، مع أنه هو الذي خلقنا ورزقنا، وإن سألنا إياها وألحف في السؤال، فيشتد البخل بها، والحقد على الدين والرسول الكريم، لأن المال شقيق الروح، وطالب جميع المال يستثير الأحقاد والأضغان، إن الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال هدف من أسمى الأهداف، وها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل بماله، ومن يبخل فضرر البخل عائد على نفسه، والله غني عنكم، لا تنفعه طاعتكم، ولا تضره معصيتكم، وأنتم الفقراء إلى رحمته وفضله وثوابه، وإذا أعرضتم عن الإسلام فإن الله من المؤمنين رجالا غيركم، لهم عزائم الأبطال ولن يكونوا أمثالكم، بل أطوع لله منكم، وقد تحقق لهذا الدين أن احتضنه العرب حينا، ثم الفرس حينا، فكان الفقهاء والعلماء والمترجمون والنحاة والأدباء من بلاد الفرس وسمرقند وبخارى وبلاد ما وراء النهر، وكان للأندلس وعلماء المغرب دور نشيط في خدمة الدين، وكان لمصر وأفريقيا وللقارة الهندية دور في حفظ الحديث والتشريع، وهكذا لم يتعصب الإسلام للعرب كجنس، بل بين أن العربية اللسان، وأن كل من تكلم العربية فهو عربي( ).
فهذا تزهيد منه لعباده في الحياة الدنيا بإخبارهم عن حقيقة أمرها، بأنها لعب ولهو، لعب في الأبدان ولهو في القلوب، فلا يزال العبد لاهيا في ماله، وأولاده، وزينته، ولذاته من النساء، والمآكل والمشارب، والمساكن، لاعبا في كل عمل لا فائدة فيه، بل هو دائر بين البطالة والغفلة والمعاصي، حتى تستكمل دنياه، ويحضره أجله، فإذا هذه الأمور قد ولت وفارقت، ولم يحصل العبد منها على طائل، بل قد تبين له خسرانه وحرمانه، وحضر عذابه، فهذا موجب للعاقل الزهد فيها، وعدم الرغبة فيها، والاهتمام بشأنها، وإنما الذي ينبغي أن يهتم به ما ذكره بقوله: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا) بأن تؤمنوا بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتقوموا بتقواه التي هي من لوازم الإيمان ومقتضياته، ولهذا قال: (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ) أي: لا يريد تعالى أن يكلفكم ما يشق عليكم، ويعنتكم من أخذ أموالكم، وبقائكم بلا مال، أو ينقصكم نقصا يضركم، ولهذا قال: ( إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ) أي: ما في قلوبكم من الضغن، إذا طلب منكم ما تكرهون بذله.
والدليل على ذلك أنكم ( تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ) أي: فكيف لو سألكم، وطلب منكم أموالكم في غير أمر ترونه مصلحة عاجلة؟ أليس من باب أولى وأحرى امتناعكم من ذلك.
ثم قال: (وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) لأنه حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا.
فإن الله هو (الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) تحتاجون إليه في جميع أوقاتكم، لجميع أموركم، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا) عن الإيمان بالله، وامتثال ما يأمركم به (يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) في التولي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله ( ).
قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان.
وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.
وقوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل) أي: لا يجيب إلى ذلك (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) أي: إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه (والله الغني) أي: عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه دائما، ولهذا قال تعالى: (وأنتم الفقراء) أي: بالذات إليه، فوصفه بالغنى وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ينفكون عنه.
وقوله تعالى: (وإن تتولوا) أي: عن طاعته واتباع شرعه (يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأوامره.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه ثم قال «هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس» ( ).
قال الحسن: هم العجم، وقال عكرمة: هم فارس والروم، قال المحاسبي: فلا أحد بعد العرب من جميع أجناس الأعاجم أحسن دينا، ولا كانت العلماء منهم إلا الفرس.
وقيل: إنهم اليمن، وهم الأنصار، قاله شريح بن عبيد.
وكذا قال ابن عباس: هم الأنصار، وعنه أنهم الملائكة، وعنه هم التابعون.
وقال مجاهد: إنهم من شاء من سائر الناس.
" ثم لا يكونوا أمثالكم" قال الطبري: أي في البخل بالإنفاق في سبيل الله.
وحكي عن أبي موسى الأشعري أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (هي أحب إلي من الدنيا) ( ).
الخاتمة
أحمد الله سبحانه وأشكره على أن وفقني لإتمام هذا البحث وأسأله سبحانه أن يزيدني من فضله ومَنِّهِ؛ إنه جواد كريم.
وبعد:
فكتاب الله تعالى أحسن الحديث ذكرًا وأصدقه خبرًا وأكمله هدى وأوضحه بيانًا وأعذبه لفظًا وأجله قدرًا.
وكانت هذه الإضاءة طوافًا بين يدي كتاب الله حيث كان طوافنا بحثًا عن معاني هذه السورة المباركة (سورة محمد) فقد عشت مدة من الزمن مع هذا الموضوع الشيق الممتع، أتأمَّل أقوال مفسري السّلف، وأغوص في دقائقها، وأجلي غوامضها، وقد خلصت إلى جملة من النتائج أذكر أبرزها فيما يلي:
-تفسير السلف أصل أصيل وركن ركين من أصول التفسير، ولا يجوز لطالب الحق إهماله أو تركه إذ بتركه وإهماله يقع الباحثون في مزالق خطيرة، وأخطاء كبيرة.
- علم التفسير هو علمٌ يُعرفُ به فَهْمُ كتابِ اللهِ المنَزَّلِ على نبيه محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وبيانُ معانيه، واستخراجُ أحكامِه وحِكَمِهِ.
- التفسير الموضوعي يمكن القول عنه أنه علم حديث، لم يكن معروفاً كعلم مستقل فيما سبق، وإن كانت وجدت له لبنات، أشار إليها علماؤنا الأفاضل من خلال أقول النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه من بعده، أو التابعين من بعدهم، ولم يفرد سابقا لهذا العلم مصنفات كغيره من العلوم، وإنما جاء في ثنايا بعض العلوم المتعلقة بالقرآن الكريم وعلومه.
- التفسير الموضوعي هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر.
-من أسماء سورة محمد سورة القتال، وقد عُرفت بهذا الاسم أيضًا، واشتهرت به في كتب التفسير وعلوم القرآن، لأن السورة تضمنت حديثًا عن القتال وعن مشروعيته، وعن كثير من أحكامه، وكذلك سميت بسورة الذين كفروا.
- عدد آيات سورة ثمان وثلاثون، وهي مدنية بالاتفاق.
- ورد أن سورة محمد سبب نزول سورة محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-هو ذمّ المشركين الذين كفروا بدعوة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، ومدح الأنصار الذين آمنوا به -صلّى الله عليه وسلّم-.
-موضوعات السورة في الغالب تتحدث عن الجهاد في سبيل الله وما أعده الله للمؤمنين المجاهدين في الجنة، وصفات المنافقين الذين لم يستجيبوا لأوامر الله بالجهاد في سبيله.
- تحدثت السورة عن أهل الايمان وكيف أن الله تعالى سيصلح بالهم وسيدخلهم الجنة.
- وكذلك ذكر الله تعالى في السورة أمثلة لأنهار الجنة التي أعدها لعباده المؤمنين.
-أمر الله تعالى في السورة بتدبر القرآن الكريم والعمل بما فيه من الآيات المحكمات.
- وجه الله تعالى النداء لعباده المؤمنين بلزوم طاعته سبحانه وطاعة رسوله.
- تعرضت السورة لذكر الانفاق في سبيل الله تعالى، وحذرت من البخل.
-ختمت السورة بتحذير شديد للمؤمنين في حالة عدم الاستجابة لأوامر الله تعالى، وأنه في حالة عدم الاستجابة سيستبدل قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.
أهم مراجع البحث
===================================
- القرآن الكريم/كلام الله عز وجل/الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
-مقاييس اللغة، لابن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، سنة النشر: 1399 – 1979م
-جامع التفاسير، للراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت: 502هـ) تحقيق أحمد حسن فرحات، الناشر، دار الدعوة.
- تهذيب اللغة، المؤلف: محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ) المحقق: محمد عوض مرعب الناشر: دار إحياء التراث العربي بيروت الطبعة: الأولى، 2001م
-جمهرةُ اللغةِ، لابنِ دريدٍ، وهو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي الدوسي، (ت ٣٢١هـ) المحقق: رمزي منير بعلبكي الناشر: دار العلم للملايين -بيروت الطبعة: الأولى، ١٩٨٧م
–كتابَ العينِ، المؤلف: أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت ١٧٠هـ) المحقق: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، الناشر: دار ومكتبة الهلال
-المحيطَ في اللغةِ، لابنِ عبادٍ، المؤلف: إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني، المشهور بالصاحب بن عباد (المتوفى: 385هـ) تحقيق: محمد حسن آل ياسين.
- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب المؤلف: إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ) تحقيق وتعليق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور الناشر: دار التراث للطبع والنشر، القاهرة
- معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر، تأليف: عادل نويهض، دار النشر: مؤسسة النويهض الثقافية الطبعة الثالثة (1409هـ -1988م).
- التسهيل لعلوم التنزيل، المؤلف: محمد بن أحمد بن جزي الكلبي أبو القاسم، المحقق: محمد سالم هاشم، دار الكتب العلمية، 1415 – 1995م
- تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب المؤلف: أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745هـ) المحقق: سمير المجذوب، المكتب الإسلامي الطبعة: الأولى، 1403هـ - 1983م
-نكث الهميان في نكت العميان المؤلف: صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (المتوفى: 764هـ) علق عليه ووضع حواشيه: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1428 هـ - 2007 م
-الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، المؤلف: ابن حجر العسقلاني؛ أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر، دائرة المعارف العثمانية -حيدر آباد 1349 ه
-شذرات الذهب في أخبار من ذهب (ت: الأرناؤوط)، المؤلف: عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العكري الحنبلي، أبو الفلاح، المحقق: عبد القادر الأرناؤوط -محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، 1406 – 1986
-البرهان في علوم القرآن (ط. التراث)، المؤلف: بدر الدين الزركشي، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث
-تفسير التحرير والتنوير، المؤلف: ابن عاشور؛ محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر
-مدخل إلى علوم القرآن والتفسير، الدكتور فاروق حمادة، مكتبة المعارف
-مناهل العرفان في علوم القرآن (ط. الحلبي)، المؤلف: محمد عبد العظيم الزقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1362 – 1943م
-مذكرة علوم القرآن، كتبها لطلاب الدراسات العليا بقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين، عام 1419 - 1410.
-مفردات ألفاظ القرآن، مفردات ألفاظ القرآن (ت: داوودي)، المؤلف: الراغب الأصفهاني، المحقق: صفوان عدنان داوودي، دار القلم -الدار الشامية، 1430 -2009م
-المدخل إلى التفسير الموضوعي، المؤلف: أ. د. إبراهيم بن صالح بن عبد الله الحميضي، الطبعة: الثالثة (مزيدة ومنقحة / 1442 -2020م).
- مباحث في التفسير الموضوعي، د. مصطفى مسلم 1430ه 2009م
- نحو القرآن، المؤلف: أحمد عبد الستار الجواري، مكتبة اللغة العربية – بغداد، 2006م
- تفسير القاسمي (محاسن التأويل)، المؤلف: محمد جمال الدين القاسم، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي: 1376 – 1957م
- تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (ط. المعرفة) المؤلف: الزمخشري؛ محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم، دار المعرفة 1430 – 2009م
-المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية) (ط. العلمية)، المؤلف: عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي أبو محمد، المحقق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، 1422 – 2001م
- حَاشِيةُ الشِّهَابِ عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القَاضِى وكِفَايةُ الرَّاضِى عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوي المؤلف: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي المصري الحنفي (المتوفى: 1069هـ): دار صادر بيروت
- معاني القرآن، المؤلف: أبو جعفر النحاس أحمد بن محمد (المتوفى: 338هـ) المحقق: محمد علي الصابوني، جامعة أم القرى -مكة المكرمة الطبعة: الأولى، 1409
- مفاتيح الغيب=التفسير الكبير=تفسير الرازي، المؤلف: الفخر الرازي؛ محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي، دار الفكر 1401 – 1981م
- تفسير أحمد حطيبة
- التفسير الوسيط للقرآن الكريم، المؤلف: مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
- التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، المؤلف: د وهبة بن مصطفى الزحيلي، دار الفكر المعاصر-دمشق الطبعة: الثانية، 1418 ه
- التفسير الموضوعي للغزالي ط دار الشروق
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان = تفسير السعدي (ط. دار السلام)، المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مكتبة دار السلام للنشر والتوزيع – الرياض، 1422 – 2002م
- التفسير القرآني للقرآن، المؤلف: عبد الكريم يونس الخطيب (المتوفى: بعد 1390هـ) ط: دار الفكر العربي -القاهرة
-كتاب المفصل في موضوعات سور القرآن، علي بن نايف
- الإتقان في علوم القرآن الكريم/جلال الدين السيوطي /دار الفكر.
- أعلام الموقعين/ابن القيم الجوزية/دار الكتب العلمية.
- تاج العروس/الزبيدي/دار الفكر.
- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي/المبار كفوري/دار الكتب العلمية/بيروت /لبنان /الطبعة الأولى 1410هجرية/1990م.
- التعريفات/ الجرجاني/دار عالم الكتب.
- تفسير زاد المسير/ دار الفكر.
- تفسير القرآن العظيم/ابن كثير/دار إحياء التراث العربي.
-تفسير القرآن الكريم عبد الله شحاتة.
- التفسير الوسيط/الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي/ الطبعة الثالثة 1410هجرية/1989م
- جامع البيان/ابن جرير الطبري/دار المعرفة1990م.
- الجامع الصحيح/الإمام مسلم/دار العربية بيروت/لبنان.
- الجامع لأحكام القرآن الكريم /القرطبي/دار الكتب العلمية.
- روح المعاني/العلامة الآلوسي/دار إحياء التراث العربي/بيروت.
- سنن ابن ماجة / دار إحياء التراث العربي.
- سنن أبي داود /دار إحياء التراث العربي.
- شرح الطحاوية في العقيدة السلفية/العلامة أبي العز الحنفي/تحقيق/أحمد محمد شاكر/وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد 1418هجرية.
- صحيح الإمام البخاري/ دار إحياء التراث العربي.
- صحيح الإمام مسلم بشرح النووي/دار الفكر 1401هجرية/1981م.
- فتح الباري/ابن حجر العسقلاني/ دار الفكر.
- فتح القدير/الإمام الشوكاني/دار الفكر بيروت.
- الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية: تأليف سليمان بن عمر العجيلي الشافعي الشهير بالجمل/دار الفكر.
- القاموس المحيط/الفيروزآبادي/مؤسسة الرسالة/1993م.
- الكليات/أبي البقاء/مؤسسة الرسالة/الطبعة الأولى 1413هجرية/1993م
- لب الألباب في تحرير الأنساب/ الجلال السيوطي/دار الكتب العلمية.
- لسان العرب/ابن منظور/دار إحياء التراث العربي.
- مختار الصحاح/الرازي/دار الكتب العلمية.
- مسند الإمام أحمد/دار إحياء التراث العربي.
- معجم الألفاظ والأعلام العربية/محمد إسماعيل إبراهيم/دار الفكر.
- معجم مفردات ألفاظ القرآن/للعلامة الراغب الأصفهاني/دار الفكر/بيروت/لبنان.
* *
الفهرس
المقدمة 2
أهمية الموضوع وسبب اختياره: 2
خطة البحث: 3
التمهيد 5
التفسير لغة واصطلاحاً: 6
التفسير الموضوعي: 7
المبحث الأول: 9
التعريف بسورة (محمد): 9
المطلب الأول 10
اسم السورة، وعدد آياتها، ونوعها. 10
عدد آيات سورة محمد ونوعها: 12
المطلب الثاني: 14
أولًا: سبب نزول السورة المباركة: 14
ثانيًا: مناسبة لما قبلها وما بعدها: 16
المطلب الثالث: الوحدة الموضوعية في السورة: 18
المبحث الثاني: 20
المطلب الأول: 21
افتتاح السورة بتحريض المؤمنين على القتال، وبيان حكم الأسرى والغنائم: 21
المطلب الثاني: تأييد الله تعالى ونصره للمؤمنين، والشقاء والخسارة للكافرين. 27
المطلب الثالث: صفات المنافقين، وما أعده الله لهم من عذاب ووعيد. 29
المطلب الرابع: وصف الجنة، ونعيمها المعد للمؤمنين. 34
المطلب الخامس: تدبر القرآن، وخطورة الإعراض عنه. 38
المطلب السادس: طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والسعي في رضاهما. 43
المطلب السابع: ختم السورة بالدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله. 45
الخاتمة 48
أهم مراجع البحث 51
الفهرس 586
.png)