الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فالحلف بالمصحف يمين منعقدة، تلزم الحانث فيها كفارة واحدة.
قال ابن ضويان الحنبلي -رحمه الله-: "وتنعقد بالقرآن وبالمصحف" وبسورة منه، أو آية؛ لأنه صفة من صفاته تعالى. فمن حلف به، أو بشيء منه: كان حالفا بصفته تعالى. والمصحف يتضمن القرآن.....وفيها كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة. منار السبيل في شرح الدليل.
وكفارة هذه اليمين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، ولا يصحّ التكفير بالصيام .إلا عند العجز عن الإطعام
وأمّا وعدك لربك بعدم الرجوع للمعصية، فإن كان بلفظ العهد، ففي وجوب .الكفارة بالحنث فيه خلاف بين أهل العلم، والأحوط إخراج الكفارة
واعلم أنّ استعمال الأيمان لحمل النفس على الإقلاع عن المعاصي، مسلك غير سديد.
والسبيل القويم هو الاستعانة بالله عز وجل، والتوبة النصوح، فالواجب عليك التوبة.
والتوبة تكون بالإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العود إليه، واحذر من تخذيل الشيطان، وإيحائه لك باليأس، والعجز عن التوبة، فذلك من .وسوسته ومكائده، فالإقلاع عن هذه المنكرات يسير -بإذن الله-
وإذا تبت توبة صحيحة، فلا تخش عقوبة على هذا الذنب؛ لأنّ التوبة تمحو ما قبلها، والتائب من الذنب، كمن لا ذنب له.
قال ابن تيمية -رحمه الله-: ونحن حقيقة قولنا أن التائب لا يعذب لا في الدنيا، ولا في الآخرة لا شرعا، ولا قدراً..." مجموع الفتاوى.
مع التنبيه على أن هذه الكفارة هي مقابل حنثك في يمينك ، لا في مقابل المعصية ، وإنما تحتاج لتوبة صادقة من فعل تلك المعصية .
أما تغليظ اليمين بوضع اليد على المصحف : فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحدٍ من أصحابه ، بل الظاهر أنه بدعة ، واليمين ينعقد بالقسم نفسه ، ولا حاجة لتغليظه بوضع اليد على المصحف .
قال القرطبي رحمه الله :
وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف ، قال ابن العربي : وهو بدعة ، ما ذكرها أحد قطُّ من الصحابة .
" تفسير القرطبي " ( 6 / 354 ) .
وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله رادّاً على من أجاز تغليظ اليمين بالمصحف - :
قال الشافعي : رأيتهم يؤكدون بالمصحف ، ورأيتُ " ابن مازن " وهو قاضي بصنعاء يغلظ بالمصحف .
قال أصحابه : فليغلظ عليه بإحضار المصحف ؛ لأنه يشتمل على كلام الله تعالى وأسمائه .
(قال ابن قدامة) : وهذا زيادة على ما أمر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في اليمين ، وفعلَه الخلفاء الراشدون ، وقضاتُهم ، من غير دليل ، ولا حجة يستند إليها ، ولا يترك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لفعل ابن مازن ، ولا غيره .
" المغني " ( 12 / 119 ) .
واعلم أن الله تعالى يقبل التوبة من عباده النادمين ، وأنه تعالى يحب التوابين ، ويحب المتقين ، فإذا أريت الله صدقاً في توجهك وتقربك لك : أعانك ، ووفقك ، وسددك ، ورقق قلبك ، وأدمع عينك .
واعلم أنه إن قسا القلب : قحطت العين ، فإذا أردت رقة القلب ، ودمع العين : فعليك بالطاعات ، فافعلها ، وبالمعاصي ، فاهجرها ، واحرص على الصحبة الطيبة ، ومجالس العلم، وعلى أذكار الصباح والمساء ، وعلى ورد قرآني تقرأه كل يوم ، واحرص على القيام والصيام ، فهما يرققان القلب ، ويهذبان الجوارح ، بتوفيق الله ، وفضله .
واحذر من القنوط من رحمة الله ، فالله تعالى عفوٌّ ، يحب العفو ، فسارع إلى ربك بتوبة صادقة ، واعزم على عدم العود لكل ما يُسخط ربك تعالى .
والله أعلم.
