موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

ما حكم السحر في الإسلام ؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فقد جاء الإسلام ليحفظ للناس دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم، وجعل هذه الضرورات الخمس قواعد الخلق في رعاية مصالحهم ودفع مضارهم، فحرّم كل اعتداء عليها، فحرم الكفر والردة لإخلالها بأصل الدين، وحرم قتل النفس بغير حق، وحرّم الاعتداء على الأموال والأعراض والأنساب، وحرّم الاعتداء على العقول بكافة أنواع المسكرات الحسية والمعنوية .
والسحر لم يأت على قاعدة من هذه القواعد إلا وأفسدها، فالسحر والكفر قلما يفترقان، والسحر سبيل لتبذير المال وتضييعه، وهو مفسد للذرية بتفريق رباط الأسرة، وهو مدخل للزنا والاعتداء على الأعراض؛ وهو كذلك سبيل لاغتيال العقول وطمسها، فلا غرو حينئذ أن يقف الإسلام من السحر وأهله موقفا صارماً فقد حرم تعلمه وتعليمه، وأوجب كف الساحر عن سحره، وإقامة الحد عليه تطهيرا للمجتمع من شره ودجله، وحرم على الناس الذهاب إلى السحرة والاستعانة بهم .
وبين يديك - أخي القارئ – جملة من أحكام الشريعة الإسلامية، التي تبين لك كيف وقف الإسلام من السحر وأهله، وكيف تعامل مع أعمالهم وإفسادهم .
حكم الساحر في الشريعة الإسلامية:
اختلف أهل العلم في عقوبة الساحر
فذهب الحنفية إلى أن الساحر يقتل في حالين:
 الأول: أن يكون سحره كفرًا
 والثاني: إذا عرفت مزاولته للسحر بما فيه إضرار وإفساد ولو بغير كفر.
وقال الإمام مالك - رحمه الله تعالى
الساحر الذي يعمل السحر، ولم يعمل ذلك له غيرُه، هو مِثْل الذي قال الله - تبارك وتعالى - في كتابه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، فأرى أن يُقتَل إذا عمل ذلك هو نفسه؛ اهـ.
وعند الشافعية: إن كان سحر الساحر ليس من قبيل ما يكفر به، فهو فسق لا يقتل به، إلا إذا قتل أحداً بسحره عمداً فإنه يقتل به قصاصاً .
وذهب الحنابلة إلى أن الساحر يقتل حداً ولو لم يقتل بسحره أحدا، لكن لا يقتل إلا بشرطين: الأول: أن يكون سحره مما يحكم بكونه كفرا مثل فعل لبيد بن الأعصم، أو يعتقد إباحة السحر .
 الثاني: أن يكون مسلماً، فإن كان ذميا لم يقتل ; لأنه أقرَّ على شركه وهو أعظم من - السحر ، ولأن ( لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ) .
قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى 
وحَدُّ الساحر القتل، رُوِيَ ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجُندُب بن عبدالله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبدالعزيز، وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
 قال القرطبي - رحمه الله تعالى
اختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي، فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كُفرًا، يُقتَل ولا يُسْتَتابُ، ولا تُقبَل توبته؛ لأنه أمر يستسِرُّ به؛ كالزنديق، والزاني، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرًا بقوله: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102].
 وهو قول أحمد بن حنبل، وأبي ثور، وإسحاق، والشافعي، وأبي حنيفة؛ اهـ.
وقال ابن المنذر - رحمه الله تعالى -:
إذا أقر الرجل بأنه سحَر بكلام يكون كُفرًا، وجب قتلُه إن لم يتب، وكذلك لو ثبتت به عليه بيِّنةٌ، ووصفَتِ البينةُ كلامًا يكون كُفرًا.
وإن كان الكلام الذي ذَكَر أنه سَحَر به ليس بكفرٍ، لم يجُزْ قتله، فإن كان أحدث في المسحور جنايةً تُوجِبُ القصاصَ، اقتُصَّ منه، إن كان عمد ذلك، وإن كان مما لا قصاص فيه، ففيه دية ذلك.
 قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -:
وقد استَدل بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ [البقرة: 103] مَن ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وطائفة من السلف، وقيل: بل لا يكفر، ولكنْ حدُّه ضربُ عنقه؛ لما رواه الشافعي وأحمد قالا: أخبرنا سفيان - هو ابن عيينة - عن عمرو بن دينار أنه سمع بجلة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنِ اقتُلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلْنا ثلاث سواحر.
قال: وقد أخرجه البخاري في صحيحه. 
قال: وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتْها جارية لها، فأمرتْ بها فقُتِلت.
قال الإمام أحمد: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الساحر.
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -:
وعند مالك أن حكم الساحر حكم الزنديق، فلا تقبل توبته، ويُقتَل حدًّا، إذا ثبت عليه ذلك، وبه قال أحمد.
وقال الشافعي: لا يُقتَل إلا إن اعترف أنه قتَل بسحرِه فيُقتَل به؛ اه. 
الخلاصة:
ويتضح مما مر أن جمهور العلماء يقولون بقتل الساحر إلا الشافعي رحمه الله، يقول: لا يُقتَل إلا إذا قتَل بسِحْره، فيُقتَل قِصاصًا.
حكم تعلم السحر وتعليمه :
اتفق العلماء على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام.
 قال ابن قدامة - رحمه الله - في "المغني" "...فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم" وقال الإمام النووي رحمه الله في "شرح مسلم": " وأما تعلمه – أي السحر - وتعليمه فحرام ".
ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فذهب جمهور العلماء ومنهم مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفيره .
وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر.
واستدل الجمهور القائلون بكفر الساحر بقوله تعالى: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } قال الحافظ في "الفتح": " فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: { إنما نحن فتنة فلا تكفر } فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر فيكون العمل به كفرا وهذا كله واضح ".
واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) متفق عليه . 
قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها .
واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها " رواه الشافعي والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين . قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة : " لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها " .
قال الشيخ الشنقيطي : " التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر - هو التفصيل .
 فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة " البقرة " فانه كفر بلا نزاع .. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.
 هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء ."
فك السحر بالسحر ( النشرة )
اتفق الفقهاء على أن حل السحر بالرقى والأوراد الشرعية جائز ومشروع، أما حل السحر بسحر مثله فمحرم؛ لأنه لا يخرج عن كونه سحراً محرماً كغيره من أنواع .السحر
قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -:
أما من يَحُلُّ السحر؛ فإن كان بشيء من القرآن، أو بشيء من الذكر والإقسام، أو الكلام الذي لا بأس به، فلا بأس به، وإن كان بشيء من السحر، فقد توقف أحمد بن حنبل عنه؛ اهـ.
 قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -:
ويجاب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((النُّشْرة من عمل الشيطان))بأنه إشارة إلى أصلها، فمن قصد بها خيرًا، كان خيرًا، وإلا فهو شر.
قال: ولكن يحتمل أن تكون النُّشْرة نوعين؛ اهـ.
قلت: وهذا هو الصواب؛ فإن النشرة نوعان:
• الأول: النُّشْرة الجائزة، وهي حل السحر بالقرآن، والأدعية، والأذكار المشروعة.
• الثاني: النُّشْرة المحرمة: وهي حل السحر بالسحر، من استعانةٍ بالشياطين، وتقرُّبٍ إليهم، واستغاثة بهم، وإرضائهم، ولعل هذا النوع هو المقصود بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((النُّشْرة من عمل الشيطان))، وكيف يجوز هذا النوع من النُّشْرة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث عن الذهاب إلى السحرة والكهان، وبيَّن أن مَنْ صدَّقَهم فقد كفر بما أُنزِلَ على محمد - صلى الله عليه وسلم؟
 قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
النُّشْرَة: حلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:
• أحدهما: حلٌّ بسحرٍ مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمَل قولُ الحسن البصري، فيتقرَّب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
• والثاني: النُّشْرة بالرقية، والتعوُّذات، والدعوات المباحة، فهذا جائز.
هل يجوز تعلم السحر؟
 قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى -:
قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102] فيه إشارة إلى أنَّ تعلُّمَ السحر كُفْر؛ اهـ.
 قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -:
تعلُّم السحر وتعليمه حرام، لا نعلم فيه خلافًا بين أهل العلم.
قال أصحابنا: ويكفُر الساحر بتعلُّمه وفعله، سواء اعتقد تحريمه أو إباحته؛ اهـ.
 قال أبو عبدالله الرازي:
العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]؛ ولأن السحر لو لم يكن يُعْلم، لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا، فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟ اهـ.
فقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى -ردًا عليه :
وفي كلام الرازي نظر من وجوه:
أحدها: قوله: "العلم بالسحر ليس بقبيح"، إن عَنى به ليس بقبيح عقلاً، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عَنى به ليس بقبيح شرعًا، ففي هذه الآية الكريمة ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [البقرة: 102] تبشيع لتعلُّم السحر، وفي الصحيح: ((من أتى عرَّافًا أو كاهنًا، فقد كفر بما أنزل على محمد))، وفى السُّنن: ((من عقد عُقْدةً ونفث فيها، فقد سَحَر)).
وقوله: "ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك"، كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث، واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نصَّ على هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله السحر في عموم قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9] فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالِمين العلمَ الشرعي.
ولمَ قلتَ: إن هذا منه؟ ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجزة إلا به - ضعيفٌ بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلاً.
ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلَمون المعجز ويُفرِّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يَعلَمون السحر ولا تعلَّمُوه ولا عَلَّمُوه، والله أعلم؛ اهـ.
 قال أبو حيان في البحر المحيط:
وأما حكم تعلُّم السحر، فما كان منه يُعظَّم به غير الله من الكواكب والشياطين، وإضافة ما يُحدِثه الله إليها، فهو كفر إجماعًا، لا يحل تعلُّمه ولا العمل به، وكذا ما قُصِد بتعلُّمه سفْكُ الدماء، والتفريق بين الزوجين والأصدقاء.
وأما إذا كان لا يُعلَم منه شيء من ذلك؛ بل يحتمل، فالظاهر أنه لا يَحِل تعلمه، ولا العمل به.
وما كان من نوع التخييل، والدجل، والشعبذة، فلا ينبغي تعلُّمه؛ لأنه من باب الباطل، وإن قُصِد به اللهو واللعب، وتفريج الناس على خفة صنعته، فيُكْرَه؛ اهـ
قلت: وهذا كلام حسن جَيِّد، وهو الذي ينبغي التعويل عليه في هذا الأمر.

هذه بعض أحكام السحر تعلماً وتعليماً وممارسةً وهي أحكام صارمة، القصد منها التنفير عن هذا الفعل الشنيع واجتنابه، وحماية الناس من شره ومفاسده، فكم جلب السحر على الناس من شرور، وأوقع بينهم من عداوات، وأورث بينهم من أحقاد، وكم هدم من أسر، وأدخل من ضرر على العباد، ولا يمارسه إلا من باع دينه وذهب خلقه: { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } فينبغي للعاقل أن يجتبه أشد الاجتناب فلا يتعلمه مشافهة ولا قراءة من كتاب، ولا يأت ساحراً ولا يسأله 
فما وراءهم إلا الدمار والهلاك .
ما حكم السحر في القرآن ؟


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي