الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإن اقتناء الكلب لا يجوز، فهذا هو الأصل، ويستثنى منه ما كان لحاجة، ففي الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط.
فعادة تربية الكلاب واقتنائها عادة سيئة دخلت على المسلمين من قبل أعدائهم وهي منافية للأحكام الشرعية.
وفي لفظ : ( مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ ...). البخاري (2154) ، ومسلم (2949) .
قال النووي :
" وَقَدْ اِتَّفَقَ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم اِقْتِنَاء الْكَلْب لِغَيْرِ حَاجَة ، مِثْل أَنْ يَقْتَنِي كَلْبًا إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ ، أَوْ لِلْمُفَاخَرَةِ بِهِ ، فَهَذَا حَرَام بِلَا خِلَاف". انتهى من " شرح صحيح مسلم" (1/448).
وذلك لأن " الكلب من البهائم الخسيسة القذرة ، ولما في اقتنائه من المضار والمفاسد ، من ابتعاد الملائكة الكرام البررة ، عن المكان الذي هو فيه ، ولما فيه من الإخافة والترويع ، والنجاسة والقذارة .
فإذا دعت الحاجة إليه لبعض ما فيه من منافع ومصالح ، كحراسة الغنم التي يُخشى عليها من الذئب والسارقين ، ومثل ذلك اقتناؤه للحرث ، وكذلك إذا قصد به الصيد ، فلهذه المنافع يسوغ اقتناؤه وتزول اللائمة عن صاحبه ". انتهى بتصرف من " تيسير العلام شرح عمدة الحكام (2/209).
عامة من شرح الحديث على أن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ ) يفيد التحريم .
ولم يخالف في ذلك ـ فيما نعلم ـ إلا ابن عبد البر من أئمة المحدثين ، وعلماء المالكية ، فذهب إلى أنه يفيد الكراهة لا التحريم .
قال ابن عبد البر :
" وفي هذا الحديث دليل على أن اتخاذ الكلاب ليس بمحرم وإن كان ذلك الاتخاذ لغير الزرع والضرع والصيد ؛ لأن قوله (... نقص من أجره كل يوم قيراط ) يدل على الإباحة لا على التحريم ؛ لأن المحرمات لا يقال فيها : من فعل هذا نقص من عمله أو من أجره كذا ، بل ينهى عنه لئلا يواقع المطيع شيئا منها، وإنما يدل ذلك اللفظ على الكراهة لا على التحريم " . انتهى من " الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار" (9/450).
وما ذهب إليه ابن عبد البر قول ضعيف تعقبه فيه غير واحد من أهل العلم .
قال الحافظ العراقي رحمه الله : " وَهُوَ عَجِيبٌ ؛ لِأَنَّ اسْتِدْلَالَنَا عَلَى التَّحْرِيمِ بِالنُّقْصَانِ مِنْ الْأَجْرِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ارْتِكَابِ مُحَرَّمٍ أَحْبَطَ ثَوَابَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ ، كَمَا كَانَ عَدَمُ قَبُولِ صَلَاةِ شَارِبِ الْخَمْرِ ، وَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَآتِي الْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا هُوَ الَّذِي أَحْبَطَ ثَوَابَهَا ".
وقال : " وَوَجْهُ التَّحْرِيمِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْأَجْرِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَهَا ". انتهى من " طرح التثريب " [6 /173]
وقال الحافظ ابن حجر: " ما ادعاه من عدم التحريم واستند له بما ذكره ليس بلازم ، بل يَحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراطٍ مما كان يعمله من الخير لو لم يتخذ الكلب .
ويَحتمل أن يكون الاتخاذ حراما ، والمراد بالنقص أن الاثم الحاصل باتخاذه يوازي قدر قيراط أو قيراطين من أجر ، فينقص من ثواب عمل المتخذ قدر ما يترتب عليه من الإثم باتخاذه وهو قيراط أو قيراطان ". انتهى من " فتح الباري" (5/7).
والله أعلم .
