الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:
فإذا كان الجماع حصل قبل انتهاء الحيض فعليه أن يتوب إلى الله تعالى ويتصدق بدينار أو بنصفه كفارة لما فعل للأثر الوارد في ذلك، فإن الجماع أثناء الحيض محرم بنص الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وأما بعد انتهاء الحيض وقبل الغسل منه فهو محرم أيضاً على قول أكثر أهل العلم،..
ففي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار أو نصف دينار.) والحديث صححه الألباني، قال في عون المعبود شرح سنن أبي داود عند كلامه على هذا الحديث: قال الخطابي في المعالم ذهب إلى إيجاب الكفارة عليه غير واحد من العلماء منهم قتادة وأحمد بن حنبل وإسحاق وقال به الشافعي قديماً ثم قال في الجديد لا شيء عليه قلت ولا ينكر أن يكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان، وقال أكثر العلماء لا شيء عليه ويستغفر الله وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس ولا يصح متصلاً مرفوعاً والذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها وكان ابن عباس يقول إذا أصابها في فور الدم تصدق بدينار وإن كان في آخره فنصف دينار، وقال قتادة دينار للحائض ونصف دينار إذا أصابها قبل أن تغتسل وكان أحمد بن حنبل يقول هو مخير بين الدينار ونصف الدينار. انتهى.
وقال ابن قدامة في المغني عند قول الخرقي: فإن انقطع دمها فلا توطأ حتى تغتسل، وجملته أن وطء الحائض قبل الغسل حرام وإن انقطع دمها في قول أهل العلم، قال ابن المنذر: وهذا كالإجماع منهم.
وقال أحمد بن محمد المروزي: لا أعلم في هذا خلافاً، وقال أبو حنيفة: إن انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها وإن انقطع لدون ذلك لم يبح حتى تغتسل أو تتيمم أو يمضي عليها وقت صلاة.. ولنا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ).. يعني إذا اغتسلن هكذا فسره ابن عباس.. إلى أن قال: فشرط في الإباحة شرطين انقطاع الدم والاغتسال فلا يباح إلا بهما. انتهى.
أما من كان جاهلًا بالحكم فهو معذور بجهله، فالجهل بالحكم الشرعي عذر عند الله سبحانه وتعالى ، فقد رحم الله هذه الأمة وخفف عنها ، فرفع عنها الإثم في حالات الجهل والنسيان والإكراه.
وقد نص أهل العلم على أن من فعل المحرم جاهلا فلا شيء عليه.
قال النووي في "شرح مسلم" (3/204) :
" فإن كان ناسيا أو جاهلا بوجود الحيض ، أو جاهلا بتحريمه ، أو مكرها : فلا إثم عليه ولا كفارة ، وإن وطئها عامدا ، عالما بالحيض والتحريم ، مختارا ، فقد ارتكب معصية كبيرة ، نص الشافعي على أنها كبيرة ، وتجب عليه التوبة " انتهى .
إلا أن الواجب على كل مسلم السعي في التفقه في الدين ، وتعلم أحكام الشريعة وأخلاقها وآدابها ، وخاصة ما تمس إليه الحاجة من أمور العبادات وأحكام النكاح والبيوع وما يحتاج إليه في يومه وليلته ، ولا ينتظر حتى إذا قام بالفعل وانتهى ذهب ليسأل أو اعتذر بالجهل وعدم العلم ، فإن من يقصر في طلب العلم الشرعي الضروري يخشى عليه من الإثم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) .
والله أعلم .