لَيَالِي الْعَشْر الْمُبَارَكَة
الخُطْبَةُ الأُوْلَى:
الحَمْدُ للهِ الَّذِي وفَّقَ بِرحَمَتِه مَن شاءَ مِن عبادِه، فعرَفوا أقدارَ مواسمِ الْخَيْرَات، وعمَروها بالإكثارِ مَن الطَّاعَات، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، خذَلَ مَن شاءَ بحكمتِه، فعَمِيَتْ مِنْهُم القلوبُ والبصائرُ، وفرَّطوا فِي تِلْك المواسمِ فَبَاءُوا بالخسائر، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا أقومُ الناسِ بطاعةِ ربِّه فِي البواطنِ وَالظَّوَاهِر، عَلَيْه وَعَلَى آلِه وأصحابِه والتابعينَ بإحسانٍ أُولي القلوبِ وَالْبَصَائِر، أَزْكَى الصلاةِ وأتمَّ السلامِ التامَّيْنِ إِلَى يومِ انكشافِ مَا فِي الضَّمَائِر.
أَمَّا بَعْد: أيُّها النَّاس ((اتَّقُوا اللَّه حَقّ تُقَاتِه)) فَهُو ــ جلَّ وَعُلَا أَهْل التَّقْوَى، وَأَهَلّ الْمَغْفِرَة، واعلموا أنَّه سُبْحَانَه قَد جَعَل اللَّيْل والنهار خِلفة لِمَن أَرَاد أنْ يَذَّكَّر أَو أَرَاد شكورًا، فَهُمَا خزائنُ الْأَعْمَال، ومراحلُ الْآجَال، يُودعهما الْإِنْسَان مَا قَامّ بِه فِيهِمَا مِن عَمَل، وَيَقْطَعُهُمَا مرحلةً مَرْحَلَة حَتَّى ينتهيَ بِه الْأَجَل، فَانْظُرُوا ـ سدَّدكم اللَّه وقوَّاكم عَلَى طَاعَتَه ــ مَاذَا تُودعونهما، وستعلَم كَلّ نَفْس مَا قدَّمت وأخرَّت فِي يُوم لا تَسْتَطِيع بِه الْخَلَاص ممَّا فَات: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}.
أيُّها النَّاس: لَقَد قَطَعَنَا الْأَكْثَر مِن شَهْر الصِّيَام، وَهَا نَحْن مُقْبِلِين عَلَى عَشْره الْأَخِيرَة، فمَن كَان مِنَّا قَامّ بحقِّه، فليُتمَّ ذَلِك، وَليَحمَد اللَّه عَلَيْه، وليسأله الْقَبُول، ومَن كَان مِنَّا فرَّط فِيْه وَأَسَاء، فليَتُب إِلَى ربِّه، فَبَاب التَّوْبَة مَفْتُوح غَيَّر مقفول{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}.
أيُّها الْمُسْلِمُون: لَقَد كَان نَبِيِّكُم وقدوتكم ﷺ يُعظِّم الْعَشْر الأواخِر مِن رَمَضَان، فيَهتَمَّ لَهَا اهتمامًا بالغًا، ويَجتهد فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة اجتهادًا شديدًا، ويُحيي لَيْلِهَا بِالصَّلَاة وَغَيْرهَا مِن الْعِبَادَات، إِذ صحَّ عَن أمِّ الْمُؤْمِنِين عَائِشَة ــ رَضِي اللَّه عَنْهَا ــ أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ)).
وصحَّ أنَّها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)).
ومِن شدَّة اجْتِهَادِه ﷺ بِالْعِبَادَة فِي هَذِه الْعَشْر أنَّه كَان يَخصُّها كلَّها بِالِاعْتِكَاف، إِذ صحَّ عَن أمِّ الْمُؤْمِنِين عَائِشَة رَضِي اللَّه عَنْهَا: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ)). يَفعل ذَلِك ﷺ تفرُّغًا لِعِبَادَة ربِّه سُبْحَانَه وَمُنَاجَاتُه، وتحرَّيًا لِإِدْرَاك فَضِيلَة لَيْلَة الْقَدْر الَّتِي قَال اللَّه سُبْحَانَه معظِّمًا شَأْنِهَا فِي كِتَابه الْعَزِيز: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ...}.ومعنى ذَلِك: أنَّها خيرٌ مِن ثَلَاثِين أَلْف لَيْلَة، خيرٌ مِنها فِي بَرَكَتَهَا وأجورها، وما يُفيِض فِيهَا الْمَوْلَى الْكَرِيم عَلَى عِبَادِه مِن الرَّحمة والغُفران، وَإِجَابَة الدُّعَاء، وَقَبُول الْأَعْمَال.
فَاجْتَهِدُوا ــ سدَّدكم اللَّه ــ فِي طَلَبهَا، وَتَحَروهَا فِي جَمِيع الْعَشْر، وَخُصُوصًا فِي اللَّيَالِي الْوِتْرِيَّة مِنها، فَإِن مَن حُرِمَ مِنْهَا فَهُو الْمَحْرُوم الْخَاسِر فَقَد صحَّ عَنْه ﷺ أنَّه قَال: ((مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
لِنَجَتَهد فِي طَلَب تِلْك اللَّيْلَة الشَّرِيفَة الْمُبَارَكَة، بِالْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَوَات الْمَفْرُوضَة، وكثْرة الْقِيَام، وَأَدَاء الزَّكَاة، وبذْل الصَّدَقَات، وَتَفْرِيج الْكُرُبَات، وَحِفْظ الصِّيَام مِمَّا يُنقِصه ويُفسِده، وَبِكَثْرَة الطَّاعَات، وَاجْتِنَاب السَّيِّئَات، والبُعد عَن الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء والمشاحنات، فإنَّ الشَّحْنَاء وَالتَّقَاطُع مِن أَسْبَاب حِرمان الْخَيْر فِي لَيْلَة القدْر، فَقَد خَرَج النَّبي ﷺ ليُخبِر أَصْحَابِه بِلَيْلَة الْقَدْر، فَتَخَاْصَم وَتَنَازَع رَجُلَان مِن الْمُسْلِمِين فَقَال ﷺ ((خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ)).
أيُّها الْإِخْوَة الْكِرَام: أمَا يَحْسُن بِنَا أنْ نُجرِّد قُلُوبِنَا وأوقاتنا مِن الْأَشْغَال فِي هَذِه الْعَشْر الْمُبَارَكَة المُعظَّمة، وأنْ نُقبِل فِيهَا بكلِّيتنا عَلَى طَاعَة ربِّنا ذِي العَظمة وَالْجَلَال، وأنْ نُكثِر مِن دُعَائِه وَاسْتِغْفَارِه لعلَّنا نُصادِف سَاعَة اسْتِجَابَة مِن ربِّنا الرَّحيم بِنا، فتصلُحَ أَحْوَالُنَا، وتزدادَ طاعاتنا، ونكونَ مِن السُّعَدَاء الَّذِين لا يَشْقَون أبدًا، ولا خوفٌ عَلَيْهِم ولا هُم يَحزنون.
أيُّها الإخوةُ: إنَّ بعضَ الْمُسْلِمِين إِذَا جَاء أوَّلُ رمضانَ جَدُّوا وَاجْتَهَدُوا فِي طاعةِ ربِّهم، والبُعدِ عمَّا حرَّم، اجتهادًا كبيرًا، وَهَذًّا طيِّبٌ جدًّا، وباركَ اللهُ لَهُم فِيْمَا عَمِلُوا، وضاعفَ أجورَهم...لكنَّهم ـ وَلِلأسف ـ إِذَا دخلتْ أفضلُ لَيَالِي رمضانَ ضَعُفوا، ودخلَهم الكسلُ والفُتورُ، وانشغلوا بالأسواقِ أَو بالتلفازِ أَو غيرِ ذَلِك، والأعظمُ والأدهى هُو التفريطُ فِي أداءِ الصلاةِ فِي الْمَسْجِد، وخاصَّةً الظُّهرِ والعصرِ فِي مثلِ هَذِه الأيَّام، وكان حقُّهم أن يَجْتَهِدُوا أكثرَ، فتزيدَ تلاوتُهم لِلْقُرْآن، ويَكثُرَ بُعدُهم عَن المحرَّماتِ وَالْمَكْرُوهَات، وتَعظُمَ محافظتُهم عَلَى الواجباتِ وَالْفَرَائِض.
وَلِنَعْلَم ـ عبادَ اللَّه ـ أنَّ مَن علاماتِ الْقَبُول، كَمَا يَقُوْل العلماءُ، هُو اتِّباعُ الحسنةِ بالحسنةِ.
أيُّها الْكِرَام: أَكْثَرُوا سدَّدكم اللَّه مِن الدُّعَاء فِي لَيَالِي الْعَشْر فَهُو مَن الْأَزْمِنَة الْفَاضِلَة الَّتِي يُرْجَى فِيهَا إجَابَة الدُّعَاء، وَخَاصَّة قَوْل (اللَّهُمّ انك عَفْو تُحِبّ الْعَفْو فَاعْف عَنِّي) فإنَّه دعاءٌ مباركٌ رغَّب فِيْه رَسُول اللَّه ﷺ، وأرشَد إلَيْه فِيهَا، ولا تَنْسَوْا والديكم وذرياتكم وَأَزْوَاجُكُم وأحبابكم و الْمُسْلِمِين مَن دعواتكم، وَتَذْكُرُوا فَإِن الْمِلْك يَقُوْل لِمَن دَعَا لِأَخِيه بِظَهْر الْغَيْب (آمِين وَلَك بِالْمِثْل)
بَارَك اللَّه لِي وَلِكَم فِيْمَا سَمِعْنَا مِن الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَالْوَعْظ وَالتَّذْكِير، وَنَفَعَنَا بِه، إنِّه جَوَاد كَرِيم.
الْخُطْبَة الثَّانِيَة
الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ عَلَى رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ، عبادَ اللهِ:
وَمَنّ الْوَصَايَا المهمَّةِ كَذَلِك: التوبةُ، وكثرةُ الاستغفارِ، والاجتماعُ وعدمُ الفرقةِ، وكثرةُ الصدقةِ والإحسانِ، وكثرةُ الصلاةِ، كَمَا كَان حالُ خليلِنا ﷺ، وَالتَّحَصُّن بِالْأَذْكَار وَالْأَوْرَاد طَرْفِي النَّهَار وَذَات الْأَسْبَاب.
وصلِ اللَّهُمّ عَلَى الْهَادِي النَّذِير وَالسِّرَاج الْمُنِير... اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد , اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا مَحَبَّتَهُ وَاتِّبَاعَهُ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً , اللَّهُمَّ احْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ وَأَسْقِنَا مِنْ حَوْضِهِ وَأَدْخِلْنَا فِي شَفَاعَتِهِ وَاجْمَعْنَا بِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم , وَوَالِدِينَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَصُوْم رَمْضَانَ وَيَقٌومهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْعُتَقَاءِ مِنَ النَّارِ, اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا, وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا التِي فِيهَا مَعَاشُنَا وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا التِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلامِ وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ للْهُدَى وَالرَّشَادِ, وَجَنِّبْهُمْ الْفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَما بَطَنْ, اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي دُورِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا، اللَّهُمَّ جَنِّبْ بِلادَنَا الْفِتَنَ وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن الغَلَا وَالوَبَا وَالرِّبَا وَالزِّنَا وَالزَلازِلَ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشَّرْكَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الملَّةِ وَالدِّينِ، يَا رَبَّ العَالَمِين، ودَمِّرْ أعداءَك أعداءَ الدِّينِ، وَأَرِنَا فِيهِم يومًا عجيبًا يَا ربَّ الْعَالَمِين ، اللَّهُمّ أصلحْ أحوالَ المسلمينَ فِي كلِ مكانٍ، واحْمِ حَوْزَةَ الدْينِ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَأْنَ المسْلِمِينَ , وَوَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّ شِرَارِهِمْ
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.
