موقع الشيخ عبدالغفار العماوي

أدعو إلى الله على بصيرة

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

قصة مؤمن آل ياسين | خطبة الجمعة مكتوبة

 الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الْوَعْدِ الْأَمِينُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

فِي خِضَمِّ انْشِغَالِنَا بِالْحَيَاةِ، وَتَلَاطُمِ أَمْوَاجِ الدُّنْيَا، قَدْ نَنْسَى أَحْيَانًا جَوْهَرَ وُجُودِنَا وَالْغَايَةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقْنَا. 

لَكِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، بِبَيَانِهِ الْمُعْجِزِ وَقَصَصِهِ الْخَالِدِ، يَعُودُ لِيُوقِظَ فِينَا جَذْوَةَ الْإِيمَانِ، وَيُذَكِّرُنَا بِمَوَاقِفَ رِجَالٍ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.

 وَالْيَوْمَ، نَقِفُ مَعَ قِصَّةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا رَسُولًا، بَلْ كَانَ رَجُلًا بَسِيطًا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ، لَكِنَّهُ حَمَلَ فِي قَلْبِهِ إِيمَانًا كَالْجِبَالِ، وَحُبًّا لِلْحَقِّ جَعَلَهُ يَسْطُرُ بِدَمِهِ أَرْوَعَ قَصَصِ التَّضْحِيَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ. 

إِنَّهُ "صَاحِبُ يس"، الرَّجُلُ الَّذِي خَلَّدَ الْقُرْآنُ ذِكْرَهُ فِي سُورَةِ يس.

تَأملُوا مَعِي الْمَشْهَدَ، أَيُّهَا الْإِخْوَةُ... قَرْيَةٌ كَفَرَ أَهْلُهَا بِاللَّهِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولَيْنِ اثْنَيْنِ يَدْعُوَانِهِمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا التَّكْذِيبُ وَالْجُحُودُ. فَأَيَّدَ اللَّهُ رَسُولَيْهِ بِثَالِثٍ، فَاجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ، اسْتَكْبَرَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَٰنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾.

 وَفِيمَا هُمْ يَهُمُّونَ بِقَتْلِ الرُّسُلِ، وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى بَاطِلِهِمْ، يَأْتِي صَوْتُ الْحَقِّ مِنْ بَعِيدٍ، مِنْ أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ يَسْكُنُ الْبُسَطَاءُ وَالْمُسْتَضْعَفُونَ.

 يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَجَاۤءَمِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ رَجُلࣱ یَسۡعَىٰ قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾.

اللَّهُ أَكْبَرُ! رَجُلٌ وَاحِدٌ، يَأْتِي "يَسْعَى". 

لَمْ يَأْتِ مَاشِيًا مُتَرَدِّدًا، بَلْ جَاءَ مُسْرِعًا، تَدْفَعُهُ غَيْرَةٌ عَلَى الْحَقِّ، وَشَفَقَةٌ عَلَى قَوْمِهِ. 

لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ -فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ مُصَابًا بِالْجُذَامِ- وَلَا ضَعْفُهُ، وَلَا خَوْفُهُ مِنْ بَطْشِ الْقَوْمِ.

 لَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْحَقِّ فِي وَقْتِ الْمِحْنَةِ هُوَ خَذْلَانٌ مبينٌ.

فَمَاذَا كَانَ مَنْطِقُهُ؟ وَمَا هِيَ حُجَّتُهُ؟

لَقَدْ خَاطَبَ قَوْمَهُ بِمَنْطِقِ الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَبِقَلْبِ النَّاصِحِ الْأَمِينِ.

 لَمْ يَأْتِهِمْ بِتَعْقِيدَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ، بَلْ بِأَرْبَعِ حُجَجٍ بَسِيطَةٍ وَمُقْنِعَةٍ ، وَاضِحَةٍ كَالشَّمْسِ تَهْدِمُ بُنْيَانَ الشِّرْكِ مِنْ أَسَاسِهِ:

أولها: الدَّعْوَةُ الْخَالِصَةُ: ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا یَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرࣰا وَهُم مُّهۡتَدُونَ﴾.

 انْظُرُوا يَا قَوْمِ، هَؤُلَاءِ الرُّسُلُ لَا يُرِيدُونَ مِنْكُمْ مَالًا وَلَا مَنْصِبًا. 

دَعْوَتُهُمْ مُجَرَّدَةٌ مِنْ أَيِّ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، وَهَذَا أَوَّلُ دَلِيلٍ عَلَى صِدْقِهِمْ.

 وَفَوْقَ ذَلِكَ، هُمْ عَلَى هُدًى وَبَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ.

 فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ نَتْرُكَ مَنْ يَدْعُونَا لِلْخَيْرِ بِلَا مُقَابِلٍ، وَنَتَّبِعُ أَهْوَاءَنَا؟

الحجةالثانية: الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ: ﴿وَمَا لِیَ لَاۤ أَعۡبُدُ ٱلَّذِی فَطَرَنِی وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾.

 ثُمَّ يُوَجِّهُ السُّؤَالَ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يُوَجِّهُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

 أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْبُدَ الَّذِي خَلَقَنِي وَأَوْجَدَنِي مِنَ الْعَدَمِ؟ 

وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَالْمَآلُ، حَيْثُ الْحِسَابُ وَالْجَزَاءُ.

 إِنَّهَا الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا، عِبَادَةُ الْخَالِقِ الْمُنْعِمِ.

ثالثها: ضَعْفُ الْآلِهَةِ الْمَزْعُومَةِ وعجزها: ﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةً إِن یُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَـٰنُ بِضُرࣲّ لَّا تُغۡنِ عَنِّی شَفَـٰعَتُهُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُنقِذُونِ﴾. 

وَهَاهُنَا يَضْرِبُ لَهُمْ مَثَلًا عَمَلِيًّا.

 هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا، لَوْ أَرَادَ بِيَ اللَّهُ الرَّحْمَنُ أَيَّ ضُرٍّ، أَيُّ مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ مُصِيبَةٍ، هَلْ تَمْلِكُ أَنْ تَدْفَعَهُ عَنِّي؟ هَلْ تَنْفَعُنِي شَفَاعَتُهَا؟ هَلْ تَسْتَطِيعُ إِنْقَاذِي؟ 

الْجَوَابُ مَعْرُوفٌ: إِنَّهَا لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، فَكَيْفَ تَمْلِكُهُ لِغَيْرِهَا؟

رابعها: إِعْلَانُ الْحَقِّ الصَّرِيحُ: ﴿إِنِّیۤ إِذࣰا لَّفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ﴾. بَعْدَ هَذِهِ الْحُجَجِ الْوَاضِحَةِ، يُعْلِنُهَا صَرِيحَةً: إِنِ اخْتَرْتُ غَيْرَ اللَّهِ، وَاتَّبَعْتُ هَذِهِ الْآلِهَةَ الْبَاطِلَةَ، فَأَنَا فِي ضَلَالٍ وَاضِحٍ لَا شَكَّ فِيهِ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، مَا أَعْظَمَهَا مِنْ حُجَّةٍ! وَمَا أَبْلَغَهُ مِنْ بَيَانٍ! لَكِنْ هَلِ اسْتَجَابَ لَهُ قَوْمُهُ؟ هَلْ فَتَحُوا قُلُوبَهُمْ لِهَذَا النُّصْحِ الصَّادِقِ؟

لَا وَاللَّهِ!لَقَدْ أُغْلَقَتِ الْأَهْوَاءُ وَالْجَهْلُ وَالتَّقْلِيدُ الْأَعْمَى قُلُوبَهُمْ، وَأَعْمَى الْعِنَادُ بَصَائِرَهُمْ.

 فَلَمَّا رَأَوْا قُوَّةَ حُجَّتِهِ، وَصِدْقَ إِيمَانِهِ، لَمْ يَجِدُوا جَوَابًا إِلَّا لُغَةَ الْعُنْفِ وَالْبَطْشِ.

 لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَتَرَدَّدْ وَلَمْ يَخَفْ، بَلْ وَقَفَ أَمَامَهُمْ جَمِيعًا، وَأَمَامَ الرُّسُلِ، وَأَعْلَنَهَا مَدَوِّيَةً خَالِدَةً:

﴿إِنِّیۤءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ﴾.

إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمُ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ، فَاسْمَعُوا قَوْلِي، وَاشْهَدُوا عَلَى إِيمَانِي!

فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ ﴿فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ وَثَبُوا عَلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ﴾.

 قَتَلُوهُ وَلَكِنْ لَمْ يَقْتُلُوا دَعْوَتَهُ، وَرَجَمُوهُ وَدَاسُوهُ بِأَقْدَامِهِمْ وَلَكِنْ رَفَعَ اللَّهُ مَنْزِلَتَهُ، وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَانَ يَدْعُو لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".

انْتَهَتْ قِصَّةُ الرَّجُلِ فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ فِي الْآخِرَةِ. فَمَا هُوَ جَزَاؤُهُ؟

بِمُجَرَّدِ أَنْ فَاضَتْ رُوحُهُ إِلَى بَارِئِهَا، جَاءَهُ التَّكْرِيمُ الْإِلَهِيُّ الْفَوْرِيُّ:

﴿قِیلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ﴾.

لَا سُؤَالَ،لَا حِسَابَ، لَا انْتِظَارَ.

 مِنْ سَاحَةِ الْقَتْلِ وَالْعَذَابِ إِلَى رَحَابِ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ مُبَاشَرَةً.

 لَقَدْ صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَّقَهُ اللَّهُ.

 وَعِنْدَمَا رَأَى هَذَا النَّعِيمَ، وَشَاهَدَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ كَرَامَةٍ، هَلْ فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ؟ هَلِ اسْتَمْتَعَ بِنَعِيمِهِ وَنَسِيَ قَوْمَهُ؟

لَا! بَلْ تَأَلَّقَتْ طَهَارَةُ رُوحِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ قَوْلًا خَلَّدَهُ الْقُرْآنُ:

﴿قَالَ یَـٰلَیۡتَ قَوۡمِی یَعۡلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِی رَبِّی وَجَعَلَنِی مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِینَ (٢٧)﴾.

يَا لَيْتَهُمْ يَرَوْنَ! يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ سَبَبَ هَذَا الْفَوْزِ الْعَظِيمِ: مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِي، وَتَكْرِيمِي.

 لَقَدْ نَصَحَهُمْ حَيًّا، وَتَمَنَّى لَهُمُ الْهِدَايَةَ مَيِّتًا.

 مَا أَعْظَمَهَا مِنْ نَفْسٍ! وَمَا أَصْدَقَهُ مِنْ قَلْبٍ!

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

لَمْ تَنْتَهِ الْقِصَّةُ عِنْدَ مَقْتَلِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَدُخُولِهِ الْجَنَّةَ. 

فَمَاذَا حَلَّ بِقَوْمِهِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّاصِحَ الْأَمِينَ وَكَذَّبُوا الْمُرْسَلِينَ؟

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِینَ (٢٨) إِن كَانَتۡ إِلَّا صَیۡحَةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ فَإِذَا هُمۡ خَـٰمِدُونَ (٢٩)﴾.

لَمْ يَحْتَجِ الْأَمْرُ إِلَى جُيُوشٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِهَلَاكِهِمْ، فَالْأَمْرُ عَلَى اللَّهِ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ. 

لَقَدْ كَانَتْ مَجَرَّدَ صَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، صَوْتًا قَاصِفًا، فَإِذَا بِهِمْ جَمِيعًا صَرْعَى خَامِدُونَ، لَا حِسَّ لَهُمْ وَلَا حَرَكَةَ، انْتَهَتْ حَضَارَتُهُمْ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ، وَأَصْبَحُوا عِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، مَا هِيَ الدُّرُوسُ الَّتِي نَخْرُجُ بِهَا مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ؟

1. مَسْؤُولِيَّةُ كُلِّ فَرْدٍ: هَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ عَلَيْهِ مَسْؤُولِيَّةً تِجَاهَ دِينِهِ وَمُجْتَمَعِهِ. 

كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، مِنْ مَوْقِعِهِ، هُوَ دَاعِيَةٌ إِلَى الْخَيْرِ، آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهٍ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. 

لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، فَكَلِمَةُ حَقٍّ قَدْ تُوقِظُ أُمَّةً.

وأنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ لَمْ يَتْرُكْ نَصِيحَةَ قَوْمِهِ، وَيَكْتَفِ بِوُجُودِ الرُّسُلِ الثَّلَاثَةِ، بَلْ قَامَ مُؤَيِّدًا لِلرُّسُلِ، وَدَاعِيًا لِطَاعَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ.

2. قُوَّةُ البُرْهَانِ فِي سُهُولَةِ البَيَانِ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ سِرُّ قُوَّتِهَا فِي بَسَاطَتِهَا وَوُضُوحِهَا؛ فَهِيَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حُجَجٍ مُعَقَّدَةٍ، وَلَا إِلَى أَسَالِيبَ غَامِضَةٍ، بَلْ تَقُومُ عَلَى بَيَانٍ وَاضِحٍ يُخَاطِبُ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ. 

وَالْعَقْلِ الصَّحِيحِ.

 حُجَّةُ هَذَا الرَّجُلِ كَانَتْ بَسِيطَةً وَوَاضِحَةً، وَهَذَا هُوَ مَنْهَجُ الْقُرْآنِ.

3. الشَّفَقَةُ عَلَى الْخَلْقِ: الْمُؤْمِنُ الْحَقِيقِيُّ يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ هَمَّ هِدَايَةِ النَّاسِ، وَيَشْفَقُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، حَتَّى لَوْ آذَوْهُ. 

لَقَدْ نَصَحَ قَوْمَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَتَمَنَّى لَهُمُ الْخَيْرَ بَعْدَ مَمَاتِهِ.

4. عَاقِبَةُ الصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ:

انظُرُوا كَيْفَ أَنَّ تَضْحِيَتَهُ لَمْ تَذْهَبْ سُدًى؛ فَقَدْ نَالَ الْخُلُودَ فِي الْجَنَّةِ، وَنَالَ مَعَهُ ذِكْرًا خَالِدًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، يُتْلَى ذِكْرُهُ وَقِصَّتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

فَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ، رَفَعَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَجَعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ.

5. سُنَّةُ اللَّهِ فِي الظَّالِمِينَ: مَهْمَا تَجَبَّرَ الظَّالِمُونَ، وَمَهْمَا عَلَا صَوْتُ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ نِهَايَتَهُمْ مَحْتُومَةٌ. 

قَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ الظَّالِمَ، وَلَكِنَّهُ لَا يُهْمِلُهُ أَبَدًا ﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَیۡحَةࣰ وَاحِدَةً فَإِذَا هُمۡ خَامِدُونَ﴾.

فَلْنَكُنْ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – كَصَاحِبِ "يٰس"، نَحْمِلُ هَمَّ هَذَا الدِّينِ، وَنَنْصَحُ لِعِبَادِ اللَّهِ، وَنَدعُو للْحَقِّ مُشْفِقِينَ عَلَى الْخَلْقِ، مُخْلِصِينَ لِلَّهِ، وَنَثِقُ بِوَعْدِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَلِلدُّعَاةِ الصَّالِحِينَ بِالْفَوْزِ وَالنَّعِيمِ.

«فَيَا عِبَادَ اللهِ، هَذِهِ قِصَّةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ آمَنَ وَأَصْلَحَ، فَصَارَ أُمَّةً فِي مِيزَانِ اللهِ، فَكَيْفَ لَوْ صَدَقَتِ الأُمَّةُ كُلُّهَا مَعَ اللهِ؟!»

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَاهْدِ بِنَا وَاجْعَلْنَا عونًا لِمَنِ اهْتَدَى واتقى.

اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

قصة مؤمن آل ياسين | خطبة الجمعة مكتوبة


عن الكاتب

عبدالغفار العماوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

موقع الشيخ عبدالغفار العماوي