الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، بَينَمَا نَحنُ قَبلَ أَيَّامٍ يُبَشِّرُ بَعضُنَا بَعضًا بِدُخُولِ الشَّهرِ العَظِيمِ، إِذْ تَصَرَّمَت لَيَالِيهِ سِرَاعًا، وَمَضَت أَيَّامُهُ المُبَارَكَةُ تِبَاعًا، وَهَا نَحنُ نَتَهَيَّأُ لِدُخُولِ العَشرِ الأَوَاخِرِ مِنهُ، وَنَستَعِدُّ لأَفضَلِ لَيَالي العَامِ عَلَى الإِطلاقِ، تِلكُمُ اللَّيَالي المُبَارَكَةُ النَّيِّرَةُ، الَّتي كَانَ رَسُولُنَا وَإِمَامُنَا – صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ – يَجتَهِدُ فِيهَا مَا لا يَجتَهِدُ فِي غَيرِهَا، حَتَّى لَقَد كَانَ يُحيِي اللَّيلَ كُلَّهُ، وَيَعتَكِفُ فِي مَسجِدِهِ وَيَتَجَنَّبُ نِسَاءَهُ، لِيَتَفَرَّغَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَمُنَاجَاتِهِ، وَيُدرِكَ لَيلَةَ القَدرِ وَيَحظَى بِبَرَكَاتِهَا، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: - كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ اَلْعَشْرُ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ, وَأَحْيَا لَيْلَهُ, وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ
أحيا الليل بالعبادة وسهره في الطاعة، طلبا للأجر والفضل ، وأيقظ أهله للصلاة بالليل, وشد مئزره واعتزل النساء ليتفرغ للعبادة صلوات الله وسلامه عليه.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الآخر ما لا يجتهد في غيره
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: (لَمْ يَكُن النَّبي صلى الله عليه وسلم إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ يُطِيقُ القِيَام إِلا أَقَامَهُ)
أَيُّهَا الإِخوَةُ – لَقَد كَانَ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – يَعتَكِفُ فِي هَذِهِ العَشرِ لِيَنقَطِعَ عَنِ الدُّنيَا وَمُلهِيَاتِهَا، وَلِيَتَفَرَّغَ لِلآخِرَةِ وَخَيرَاتِهَا وَبَرَكَاتِهَا، مُتَحَرِّيًّا لَيلَةَ القَدرِ وَنَفَحَاتِهَا، تِلكُمُ اللَّيلَةُ العَظِيمَةُ المُبَارَكَةُ، الَّتي لا يُحرَمُ خَيرَهَا إِلاَّ مَحرُومٌ، وَلا يَقُومُهَا إِلاَّ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ عَزُومٌ، وَالَّتي مَن أَدرَكَهَا فَقَامَهَا، فَكَأَنَّمَا قَامَ خيرا وافضل من الف شهر ، فَطُوبَى لِعَبدٍ أَحيَا اللهُ قَلبَهُ، فَانتَظَمَ فِي قَوَافِلِ القَائِمِينَ القانتين، الَّذِينَ ” تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا ” طُوبَى لِمَن قَامَ هَذِهِ اللَّياليَ كُلَّهَا حبا لله وخوفا من عذابه ورغبة في فضله، وَصَبَرَ نَفسَهُ وَصَابَرَ وَرَابَطَ، وَاستَعَانَ بِاللهِ وَلم يَعجَزْ أَو يَجزَعْ، وَلم يَضعُفْ أَو يكسل.
عباد الله :من لم يعتكف العشر كاملة فليعتكف ما تيسر له فلو دخل المسجد لصلاة العصر ونوى الاعتكاف ساعة أو ساعتين فله ذلك وكذلك من دخل المسجد قبل العشاء ونوى الاعتكاف ساعتين أو إلى صلاة القيام فله ذلك ولو كرر ذلك يوميا لكان حسن
والنبي كان يعتكف طلبا لليلة القدر وهي أفضل ليلة في ليالي العشر الأواخر من رمضان ولها فضائل كثيرة وكبيرة ومن فضائل ليلة القدر أن الله تعالى خصها بسورة كاملة، وشرفها بإنزال القرآن فيها؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾
قال أهل العلم في هذه السورة الكريمة فضائل متعددة لليلة القدر:
الفضيلة الأولى: أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
الفضيلة الثانية: ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم في قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾.
الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر.
الفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها، وهم لاينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة.
الفضيلة الخامسة: أنها سلام؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل.
عباد الله احذروا رحمكم الله من تتبع الرؤى والانشغال بالمنامات وضياع الوقت في الخوض مع الخائضين فإن ذلك مشغلة مضيعة ولا يرضاها عاقل لنفسه وَلَيسَ مِن شَرطِ تَحصِيلِ العَبدِ أَجرَ قِيَامِهَا أَن يَعلَمَ أَيَّ لَيلَةٍ هِيَ، وَلِذَا فَإِنَّهُ لَيسَ بِكَثِيرٍ عَلَى لَيلَةٍ كَهَذِهِ اللَّيلَةِ العَظِيمَةِ أَن يَقُومَ العَبدُ فِي طَلَبِهَا عَشرَ لَيَالٍ، وَمَعَ هَذَا فَقَد نَدَبَنَا رَسُولُنَا – صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ – إِلى التِمَاسِهَا فِي لَيَالي العَشرِ الأَوَاخِرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى : ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ))
الخطبة الثانية
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِذَا كَانَ قَد مَضَى مِنْ الشَّهرَ الفضيل شَطْرُهُ، وَاكْتَمَلَ بَدْرُهُ، وَلَيسَ بَعْدَ الكَمَالِ إلاَّ النُّقْصَانُ، فَاغْتَنِمُوا فُرَصَاً تَمرُّ مَرَّ السَّحَابِ، وَاجْتَهِدُوا فيهِ بِالطَّاعَاتِ قَبْلَ أَنْ يُغلَقَ البَابُ، فَقَد بَقِيَ ثُلُثٌه الَّذِي هُوَ الأَفضَلُ وَالأَكمَلُ، وَعَمَّا قَلِيلٍ نُوَدِّعُ الشَّهرَ وَكَأَنْ لَم يَكُنْ، وَتَبقَى الأَعمَالُ أَمَامَنَا خَيرَهَا وَشَرَّهَا ” فَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ. وَمَن يَعمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ” وَفي الحَدِيثِ القُدسِيِّ: ” يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعمَالُكُم أُحصِيهَا لَكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيرًا فَليَحمَدِ اللهَ، وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفسَهُ ”
فَاللهَ اللهَ – أَيُّهَا الإِخوَةُ – أَقبِلُوا عَلَى رَبِّكُم، وَاعمُرُوا أوقاتكم بِالطَّاعَاتِ، وَأَحيُوا هَذِهِ اللَّيَالي بِالقُرُبَاتِ، اِقرَؤُوا القُرآنَ، وَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ وَالاستِغفَارَ، وَتَصَدَّقُوا وَابذُلُوا، وَاعفُوا وَاصفَحُوا، وَاحذَرُوا القَطِيعَةَ وَالتَّلاحِيَ وَالشِّقَاقَ وَكَثرَةَ الجِدَالِ، فَإِنَّهَا مِن أَسبَابِ الحِرمَانِ مِنَ الخَيرِ، بَل لَقَد كَانَت مِن أَسبَابِ إِخفَاءِ لَيلَةِ القَدرِ، عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ – رَضِيَ اللهُ عَنهُ – أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ – خَرَجَ يُخبِرُ بِلَيلَةِ القَدرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنَ المُسلِمِينَ، فَقَالَ: ” إِنِّي خَرَجتُ لأُخبِرَكُم بِلَيلَةِ القَدرِ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَت، وَعَسَى أَن يَكُونَ خَيرًا لَكُم“
عباد الله إن في اتباعه -صلى الله عليه وسلم- تحصيل الهداية، قال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا)، وقال: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
قال أهل العلم فعل النبي صلى الله عليه وسلم في العشر يدل على حسن العبادة وقوة العزيمة وصدق الرغبة والأخذ بالأحسن والأكمل والاحوط فالواجب علينا أن نقدي به لنفوز ونفلح
ومما يعيننا على اغتنام هذه العشر الاستعانة بالله وسؤاله الاعانة والتوفيق والاكثار من التوبة والاستغفار والصدقة وتذكر سرعة الأيام وفجأة الأجل
فاغتنموا عظيم الأجر في ليلة العمر ليلة القدر في الليالي العشر
إخوة الإيمان: مِنْ أَعْظَمِ الِاغْتِرَارِ أَنَّ الْمُذْنِبَ يَرْجُو الْعَفْوَ مِنْ غَيْرِ نَدَامَةٍ، وَيَتَوَقَّعُ الْقُرْبَ مِنْ اللَّهِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ، وَيَنْتَظِرُ الْجَزَاءَ بِلَا عَمَلٍ وَيَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ مَعَ الْإِفْرَاطِ والكسل ، فكونوا أيها الإخوة أحقّ من دخل تحت قوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى } وتحت قوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ }
فنسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبّه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْماً نَافِعاً وَعَمَلاً صَالِحاً, اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيَماناً وَاحْتِسَاباً, اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا فَاتِحَةَ خَيْرٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينْ، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ, اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا إلى صراطك المستقيم