الْمَدْرَسَة الرَّمَضَانِيَّة
الْخُطْبَة الأُوْلَى
الْحَمْدُ لِلَّهِ، شَرَعَ فَأَحْكَمَ، وَكَلَّفَ فَيَسَّرَ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ تَفَضَّلَ عَلَيْنَا بِشَهْرِ الرَّحَمَاتِ، وَمَنَحَنَا مَوْسِمَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا إِمَامُ الْعَابِدِينَ، وَسَيِّدُ الْمُتَنَسِّكِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ وَآلِهِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ أَمَّا بَعْدُ: فأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فِي مَوْسِمٍ هُوَ مِنْ أَجَلِّ مَوَاسِمِ التَّقْوَى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: كُلُّ تَشْرِيعَاتِ اللَّهِ لَهَا مَقَاصِدُ سَامِيَةٌ، وَحِكَمٌ بَلِيغَةٌ، وَأَسْرَارٌ بَدِيعَةٌ، وَمَا كَانَ لِلْحَكِيمِ أَنْ يَشْرَعَ شَيْئًا دُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَائِهِ لِعِبَادِهِ مَنَافِعُ جَلِيلَةٌ، أَوْ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ؛ فَتَشْرِيعَاتُهُ؛ (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) وَقَلِيلٌ مَنْ يُدْرِكُ حِكْمَتَهُ وَإِحْسَانَهُ فِيهَا؛ وَمِنْ هُنَا كَانَ مُهِمًّا أَنْ يُدْرِكَ الْعَبْدُ حِكَمَ الْعِبَادَاتِ وَمَقَاصِدَهَا وَأَسْرَارَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَأَهْدَافَهَا، لَا لِيَتَوَقَّفَ عَمَلُهُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا؛ بَلْ لِيَكُونَ أَنْشَطَ اجْتِهَادًا فِيهَا وَإِتْقَانًا، وَأَدْعَى لِإِخْلَاصِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَبُولِهَا؛ يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-"مَنْ فَهِمَ حِكْمَةَ الشَّارِعِ كَانَ هُوَ الْفَقِيهَ حَقًّا".
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: إِنَّ الصِّيَامَ مَنْ أَعْظَمِ الشَّرَائِعِ غِذَاءً لِلرُّوحِ، وَمِنْ أَفْضَلِهَا تَعْدِيلًا لِلسُّلُوكِ؛ وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ السَّامِيَةُ مِنْ أَهَمِّ مَا قَصَدَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ تَحْقِيقَهُ مِنْ خِلَالِهِ، وَهُوَ مَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَدِلَّة كَمَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ -ﷺ-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُوَ مَا قَدْ يَتَصَوَّرُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ وَغَيْرِهَا فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَتَعَالَوْا بِنَا -أَيُّهَا الصَّائِمُونَ- نَسْتَعْرِضُ صُوَرًا مِنْ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَعَدَدًا مِنْ تِلْكُمُ الْأَهْدَافِ السُّلُوكِيَّةِ، مِنْ خِلَالِ مَدْرَسَةِ الصِّيَامِ التَّرْبَوِيَّةِ:
أَوَّلًا: تَحْقِيقُ تَقْوَى اللَّهِ فِي الْقَلْبِ، وَتَعْزِيزُ قِيمَتِهِ، وَتَحْصِيلُ تَعْظِيمِهِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ؛ فَتَقْوَى اللَّهِ -تَعَالَى- إِذَا غُرِسَتْ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَثْمَرَ كُلَّ فَضِيلَةٍ، وَنَبَذَ كُلَّ رَذِيلَةٍ؛ وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الْغَايَةِ وَرَدَتْ مَقْرُونَةً بِفَرِيضَةِ الصِّيَامِ؛ (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
إِذَا لَم يكنْ فِي السمعِ منِّي تصاونٌ وُفِّي بَصَرِي غضٌ وُفِّي مَنْطِقِيّ صمتُ
فحظّي إذْن مَن صُومِي الجوعُ والظما وَإِنّ قلتُ إنّي صمتُ يومًا فَمَا صمتُ
ثَانِيًا: تَهْذِيبُ الرُّوحِ وَإِصْلَاحُهَا، وَتَزْكِيَةُ الْمُضْغَةِ وَتَنْقِيَتُهَا؛ وَلَا غَرَابَةَ كَوْنَهَا مَحَلَّ نَظَرِ اللَّهِ -تَعَالَى-، كَمَا أَنَّهَا أَسَاسُ صَلَاحِ الْجَوَارِحِ وَاسْتِقَامَتِهَا وَتَقْوِيمِ سُلُوكِهَا؛ فَالْقَلْبُ سَيِّدُ الْجَوَارِحِ، وَمِنْهُ تَأْتِي الْأَوَامِرُ، وَالْجَوَارِحُ تَبَعٌ لَهُ، وَمِنْهُنَّ تَحْصُلُ الِاسْتِجَابَةُ وَيَجْرِي التَّنْفِيذُ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: "إِنَّ الصَّوْمَ يُسَكِّنُ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، وَيَكْسِرُ سَوْرَتَهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ؛ مِنَ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ".
ثَالِثًا: تَقْوِيَةُ الشُّعُورِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَالرَّحْمَةِ بِالْآخَرِينَ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يَعِيشُونَ حَيَاةً رَاقِيَةً خَاصَّةً يَتَقَلَّبُونَ فِيهَا بَيْنَ نِعَمِ اللَّهِ، وَرُبَّمَا لَا يَفْقِدُونَ شَيْئًا مِمَّا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهُمْ، وَلَوْ حُدِّثُوا عَنْ أَحْوَالِ الْمُعْدَمِينَ وَالْمُعْسِرِينَ وَمَأْسَاةِ الْمَنْكُوبِينَ وَالْمُتَضَرِّرِينَ وَدُعُوا إِلَى التَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ، رُبَّمَا مَا تَأَثَّرُوا لَهُمْ، وَلَا رَحِمُوا لِحَالِهِمْ، وَلَا حَدَّثَتْهُمْ نُفُوسُهُمْ بِإِسْهَامِ الْفُقَرَاءِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَإِشْرَاكِهِمْ مِنْ نِعَمِهِمْ؛ فَكَانَ الصِّيَامُ هُوَ الْوَسِيلَةَ التَّرْبَوِيَّةَ لِتَحْقِيق هَذَا الشُّعُور .
وَالْغَنِيُّ حِينَ يُؤَدِّي عِبَادَةَ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ يُمَارِسُ دُرُوسًا تَرْبَوِيَّةً عَمَلِيَّةً مِنْ حَيَاةِ الْفُقَرَاءِ، وَيَعِيشُهَا وَاقِعًا، وَيُدْرِكُ حِينَهَا مَا يُقَاسُونَهُ مِنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَيُعَانُونَهُ مِنْ حَاجَةٍ وَحِرْمَانٍ، وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الْغَنِيِّ لِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ تَعَبُّدًا وَهِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَاضِرَةٌ، فَإِنَّ الْمِسْكِينَ تَرَكَهَا تَعَبُّدًا وَهُوَ يَفْقِدُهَا، وَإِذَا كَانَ الْغَنِيُّ حُرِمَهَا شَهْرًا لَكِنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِهَا كُلَّ عُمْرِهِ، فَإِنَّ الْمِسْكِينَ حُرِمَهَا شُهُورًا وَمِنْهَا رَمَضَانُ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
رَابِعًا: تَرْبِيَةُ الصَّائِمِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالِاسْتِجَابَةِ؛ فَكَمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَنَّ الْعِبَادَاتِ وَرَدَتْ مُبَيَّنَةً عَدَدُهَا وَكَيْفِيَّتُهَا وَصِيَغُهَا وَكَذَا مَوَاقِيتُهَا؛ وَمِنْهَا الصَّلَاةُ أَعْظَمُ فَرِيضَةٍ، وَأَكْثَرُهَا حُضُورًا فِي حَيَاةِ الْعَبْدِ، وَنَتِيجَةً لِمَا يَحْصُلُ فِيهَا خَاصَّةً، وَغَيْرِهَا عَامَّةً، مِنَ التَّفْرِيطِ وَالتَّسَاهُلِ شُرِعَ الصَّوْمُ تَرْبِيَةً لِلْعِبَادِ عَلَى الدِّقَّةِ وَحُسْنِ الِانْضِبَاطِ؛ لِأَنَّ مَوَاقِيتَهُ دَقِيقَةٌ، لَا مَجَالَ فِيهَا لِلتَّقْدِيمِ وَلَا لِلتَّأْخِيرِ؛ فَمَتَى طَلَعَ الْفَجْرُ الصَّادِقُ لَزِمَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ عَلَى مَنْ وَجَبَ فِي حَقِّهِ الصَّوْمُ؛ (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وَفِي الْمُقَابِلِ مَتَى غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَفْطَر ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبْلَهَا وَلَوْ بِدَقَائِقَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
خَامِسًا: مِنْ دُرُوسِ رَمَضَانَ التَّرْبَوِيَّةِ تَعْدِيلُ أَخْلَاقِ الصَّائِمِ، وَتَقْوِيمُ سُلُوكِهِ، وَصَوْنُ جَوَارِحِهِ، وَكَفُّهَا عَنْ أَنْ تُمَارِسَ حَرَامًا أَوْ تُزَاوِلَ مُنْكَرًا؛ فَهَيْبَةُ رَمَضَانَ وَحُرْمَتُهُ وَتَصْفِيدُ الشَّيْطَانِ وَمَرَدَتِهِ، وَتَرْكُ الْعَبْدِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ تَعَبُّدًا لِلَّهِ -تَعَالَى- وَفِعْلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، كُلُّ ذَلِكَ يُهَذِّبُ النُّفُوسَ وَيُزَكِّيهَا؛ وَحِينَهَا تَكُفُّ النُّفُوسُ أَوَامِرَهَا لِلْجَوَارِحِ بِفِعْلِ مَا لَا يَنْبَغِي أَوْ تَرْكِ مَا يَنْبَغِي.
وَالنَّتِيجَةُ اسْتِقَامَةُ الْجَوَارِحِ، فَلَا تُقَارِفُ الْحَرَامَ أُذُنٌ وَلَا عَيْنٌ وَلَا لِسَانٌ وَلَا يَدٌ وَلَا رِجْلٌ؛ فَجَمِيعُهَا يُدْرِكُ قَوْلَهُ -ﷺ-: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" وَعِنْدَهَا نَفْهَمُ أَنَّ الصِّيَامَ جُنَّةٌ مِنَ الْآثَامِ، وَهُوَ مَا أَدْرَكَهُ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَعَلَّمُوهُ مِنْ مَدْرَسَتِهِ؛ قَالَ جَابِرٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ،... وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً!!". وَالْعَبْدُ -أَيُّهَا الصَّائِمُونَ- إِذَا أَدْرَكَ أَنَّ أَهْوَنَ الصِّيَامِ هُوَ تَرْكُ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ هُوَ كَفُّهُ عَنْ مَنَاهِي اللَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاسْتِجَابَتُهُ لِمَرَاضِيهِ، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ مُمَارَسَتَهُ الطَّاعَاتِ وَتَجَنُّبَهُ الْمَنْهِيَّاتِ شَهْرَ رَمَضَانَ، سَيُصْبِحُ هَذَا دَرْسًا تَرْبَوِيًّا يَصِيرُ ثَقَافَةً دَائِمَةً لَدَيْهِ وَسُلُوكًا مُسْتَمِرًّا بَقِيَّةَ عَامِهِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صَلَاحَ الْحَالِ وَالنِّيَّةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْمَآلِ؛ قُلْتُ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَة الثَّانِيَة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ أَنْبِيَائِهِ وَأَفْضَلِ رُسُلِهِ؛ أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: سَادِسًا: مِنَ فَوَائِدِ الْصِّيَامِ التَّرْبَوِيَّةِ؛ أّنَّهُ يَرَبِّي عَلَى خَلْقِ الِانْضِبَاطِ بَدَلًا مِنَ الِارْتِجَالِيَّةِ، وَدِقَّةِ الْمَوَاعِيدِ بَدَلًا مِنَ الْعَشْوَائِيَّةِ، وَالْعَمَلِ وَفْقَ الْمِزَاجِ؛ خُصُوصًا لِمَنْ فَقَدَ الْوَازِعَ الدِّينِيَّ، أَوْ مَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ رِقَابَةٌ بَشَرِيَّةٌ؛ فَرَمَضَانُ هُوَ مَدْرَسَتُهُ التَّرْبَوِيَّةُ لِتَطْبِيقِ هَذِهِ الصِّفَةِ النَّبِيلَةِ، وَتَحْقِيقِ هَذِهِ الْقِيمَةِ الْجَمِيلَةِ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: "إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تُمْسِكُوا، وَلَكِنْ أَمْسِكُوا إِذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ"؛ وَالصَّائِمُ إِذَا ضَبَطَ فِي رَمَضَانَ مَوَاعِيدَ سُحُورِهِ وَفِطْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَقِيَامِهِ؛ فَسَيُصْبِحُ هَذَا الْخُلُقُ صِفَةً بَارِزَةً فِيهِ، وَخُلُقًا مَوْسُومًا بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ بَعْدَ عَوْنِ اللَّهِ.
سَابِعًا: الصِّيَامُ يُرَبِّي الْعَبْدَ عَلَى الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَكَتْمِ الْغَيْظِ؛ وَفِيهِ يَتَمَثَّلُ الصَّائِمُ كُلَّ صُوَرِ الصَّبْرِ؛ فَيَصْبِرُ عَلَى طَاعَةِ الصِّيَامِ مُؤْمِنًا بِشَرْعِيَّتِهِ، مُحْتَسِبًا أَجْرَهُ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَا مُنِعَ فِيهِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ فِي غَيْرِهِ، وَصَارَ فِيهِ مِمَّا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ، وَصَبَرَ عَلَى تَبِعَاتِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ مِنْ تَعَبٍ وَنَصَبٍ وَجُوعٍ وَإِرْهَاقٍ وَغَيْرِهَا؛ وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ -ﷺ- الصَّائِمَ عَلَى صَوْنِ صَوْمِهِ بِإِمْسَاكِ جَوَارِحِهِ، وَضَبْطِ تَصَرُّفَاتِهِ؛ فَقَالَ: "فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ؛ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" فالصِّيَامُ سُلْطَانٌ عَلَى الرُّوحِ وَالْجَوَارِحِ؛ لأَنَّه يُعْطِي الْعَبْدَ الْإِرَادَةَ وَالْقُوَّةَ فِي ضَبْطِ غَضَبِهِ، وَكَبْحِ حِدَّتِهِ، وَالصَّائِمُ إِذَا لَزِمَ الصَّبْرَ خِلَالَ شَهْرِهِ فَسَيَخْرُجُ مِنْ مَدْرَسَةِ رَمَضَانَ بِنَفْسٍ مُسْتَقِرَّةٍ، وَخُلُقٍ لَيِّنٍ، وَإِرَادَةٍ قَوِيَّةٍ، يُمَارِسُهَا سُلُوكًا وَيَعِيشُهَا وَاقِعًا.
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكرِهِ وَحُسَنِ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ الْأَعْمَالِ. وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالْقيامِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَصُومُه وَيقومهُ إِيمَانَاً وَاحْتِسَابَاً، اَللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِيننا اَلَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنا, وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانا اَلَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا, وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنا اَلَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنا, وَاجْعَلْ اَلْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ, وَاجْعَلْ اَلْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ, اَللَّهُمَّ اِنْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا, وَعَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا, وَارْزُقْنَا عِلْمًا يَنْفَعُنَا, اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والْمُسْلمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، اللَّهُمّ احْمِ حَوْزَةَ الدْينِ، اَللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَأْنَ بِلَادِ المسْلِمِينَ وَاحْقِنْ دِماءَهُم، وَوَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ وَاكْفِهِمْ شَرَّ الأَشْرَارِ وَكَيْدَ الكُفَّارِ، اللَّهُمَّ اُنْصُرْ إِخْوَانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِ مَكَانٍ يَا قَويٌ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى عبدِكَ وَرَسولِكَ محمدٍ وَعَلَى آلهِ وصحبِهِ أَجْمَعينَ.