إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عزوجل في السر والعلن فهي وصية الله للأولين والآخرين.
وبعد:
فعن عقبة ابن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله ما النجاة؟
فقال لي : (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)
أخرجه احمد في مسنده
تأمل هذا الحديث الذي وصف لنا طريقاً موجزاً إلي النجاة.
في زمن كثرت فيه الفتن وكثر فيه القيل والقال وكثر فيه النهش في الأعراض، وبري أعراض الناس لبعضهم إلا من رحم الله.
وصارت مجالس الناس تغص بالغيبة والنميمة.
وأعقل الناس من إذا تكلم عنده أحد على أحد أسكته ولم يخرج من مجلسه إنكاراً لفعله.
يأتي هذا الحديث ليرسم لنا طريقاً محدداً للنجاة.
لمن يريد النجاة!
لكن للأسف بعض الناس لا يريد النجاة، يريد أن يهلك مع الهالكين!
يقول عندما يوعظ كل الناس تفعل هذا، كل الناس تغتاب كل الناس تنم!
هو لا يريد النجاة.
لذلك قال عقبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء يؤرقه، فجلس في ليله يبحث ما هو طريق النجاة، وكيف أنجو من عذاب الله في الآخرة، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة جمل مختصرة، لم تكن خطبة طويلة يصف بها النجاة بتفاصيلها، لكنه اختصر له الموضوع، كأنه يقول له اللبيب بالأشارة يفهم، قال له( أمسك عليك لسانك) انتبه!
حينما سمع معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له ( ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ ) عندما أخبره عن فضل الصلاة والصيام والصدقة وكذا، قال ألا اخبرك بملاك ذلك كله؟ قال معاذ بلي يا رسول الله، فأخذ بلسانه قال: (كف عليك هذا)!!
الطريق واحد، فقال معاذ متعجباً يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟
فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.) ( أخرجه الترمذي)
كثير من الناس لا يفهم هذا.
لا يفهم أن كلامه هذا مكتوب معدود.
قال الله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)
قال بعض العلماء إني أعلم من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة.
لأنه يعلم أنه مسؤول، لأنه يعلم قول الله عز وجل (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين).
لا تتخيل أن هذا الكلام الذي تتكلم به لا تسأل عنه، ستسأل عن كل لفظ، ستسأل عن كل كلمة، ستسأل، لذلك حذر رسول صلى الله عليه وسلم من خطر الكلمة.
فقال صلى الله عليه وسلم (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله) كلمة واحدة يا رسول الله، نعم (لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفا)
كم من كلمات هدمت بيوتاً، كم من كلمة شردت اطفالاً صغاراً، كم من كلمات سببت في هدم الكثير من الأعمال، كم من كلمات فرقت بين الأخ وأخيه، قالها في ساعة غضبه فأمسكها الآخر وقال انتهي الأمر.
كم من كلمة مزقت أرحاماً، كم من كلمة ألقاها الشيطان على لسان أحدهم فهدمت علاقات واسعة.
ألم يقل ربنا عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن (قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) لا يقول لهم قولوا الحسنى، وإنما يقولوا التي هي أحسن، حتى لا يأخذ الشيطان الكلام يزينه ويزخرفه وينفخ فيه فتقطع الأرحام وتقطع الأواصر.
لذلك حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من اللسان (أمسك عليك لسانك) فإن لم يفعل، إن لم يمسك لسانه، لم يعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم، سيهلك بلسانه لا محالة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من يضمن لي ما بين فخذيه وما بين فكيه أضمن له الجنة).
هذه المسألة من الآن يضمن لسانه؟ من الآن يضمن؟ من يتكلم في القيل والقال في الغيبة والنميمة وهي فاكهة المجالس؟ من منا لا يشي بالآخرين، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث( لا يدخل الجنة قتات) وفي رواية نمام.
الله اكبر النمام، نعم جريمته لسانه سمع هذا يتكلم فأخذ كلامه فنقله للآخرين، ثم يقول لك بلسان بارد أنا لم أرد إلا الخير، بئس ما فعلت.
قال الحسن لأحدهم عندما كان الحسن يدرس في مسجده فغاب يوماً عن درس الفجر، فقام أحد الناس فتكلم في الحسن، فلما سمعه أحدهم ممن يقول في زمننا أنا لم أرد إلا الخير، أنا نقلت لك الذي حصل، يظن المسكين أنه فعل خيراً، وهو قد سماه الحسن بريد الشيطان، فذهب الرجل إلى الحسن فطرق بابه وقال يا إمام إنك اليوم غبت عن المجلس فقال فلان عنك كذا وكذا، نقل الذي حصل، فقال له ( أما وجد الشيطان بريداً غيرك يرسله إلى؟)
الله أكبر، النمام بريد الشيطان، هو البوسطة الذي يحمل للشيطان كلامه، ثم ذهب الحسن فأخذ طبقًا من فاكهة وذهب الي الرجل الذي وقع فيه ثم طرق بابه فأعطاه الفاكهة، فقال الرجل متعجباً ما هذا؟ قال (هذا ما أكافئ به من أهدى إلي حسناته في الصباح)
أنت أهديت لي حسناتك في الصباح وأنا الآن أكافئك على هذا الفعل.
قال أحدهم لو كنت مغتاباً أحدًا من الناس لأغتبت أبي وأمي لأنهم أحق الناس بحسنات، الله أكبر.
انظر يا عبد الله ماذا يفعل هذا اللسان، يهدم لك الحسنات، يهدم لك الاعمال الصالحات، تصلي وتصوم وتقرأ القرآن وتصلي في الليل وتصدق، وتزعم أنك من عباد الله الصالحين، فيأتي لسانك فيهدم كل هذا!
قيل للنبي صل الله عليه وسلم( إن فلانة من الناس تصلي وتصوم وتقوم الليل لكنها تؤذي جيرانها بلسانها)
هذا الفعل أنها لا تضبط اللسان، تتكلم عن هذه وهذا، وتغتاب هذا وتكذب على هذا وتفتري علي هذه، وإذا جاءها الأذان الله اكبر أصلي، إذا جاءها الفجر تقوم ثم تقرأ ورد القرآن، الله أكبر، وتمسك بالمسبح، ثم إذا جلست تكلمت عن هذه وهذه، وخاضت في عرض هؤلاء، فيأتي يوم القيامة كل هؤلاء يأخذوا حسناتها فلذلك قال رسول الله عنها (لا خير فيها هي في النار).
دخل عمر بن الخطاب يومًا على أمير المؤمنين أبي بكر فوجده يمسك بلسان نفسه!
أمسك لسانه يجذبه، فقال عمر له مه يا أمير المؤمنين، ماذا تفعل؟
قال اسكت يا عمر هذا الذي اوردني الموارد!
أبو بكر يقول عن لسانه أورده الموارد فماذا نقول نحن عن ألسنتنا؟
هل تستطيع أن تعد كم كلمة تكلمت بها في اليوم؟ كم غيبة تكلمت فيها؟ كم نميمة نقلتها؟
تعال الآن إلى هاتفك وانظر إلى الصادر والوارد.
وانظر كم ساعة تكلمت فيها هذا الأسبوع، كم فيها من كذب وخداع وغش؟ أو كلمة نقلتها.
ألا تخشى أن يحاسبك الله عز وجل عن هذه الكلمات؟
امسك عليك لسانك..
إذا أردت النجاة تمسك هذا اللسان.
قال ابن مسعود ( لا شيء احوج بطول السجن من اللسان)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ما من يوم يصبح فيه ابن آدم الا والاعضاء كلها تكفر اللسان، تقول له إنما نحن بك فإذا استقمت استقمنا وإذا اعوججت اعوججنا)
اللسان، إذا ضبط لسانك ضبط عباداتك، لا تقل لي أنا سريع الغضب فأسب وأشتم، اضبط لسانك.
إِذا فعلت هذا ما الفرق بينك وبين عابد كذا وكذا، أنت مسلم تعلم قول رسول الله صل الله عليه وسلم ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
الله أكبر
سلم المسلمون من لسانه، فلم ينم عليهم، ولم ينقل عنهم كلام، ولم يسيء إليهم، ولم يذهب يغتابهم في ظهورهم.
لذلك قال الله عز وجل (ويل لكل همزة لمزة)
ويل عذاب شديد، وقال بعض العلماء واد في جهنم، لمن يا الله؟ قال الله( لكل همزة لمزة) ومعنى همزة : العياب الطعان في الناس في وجوههم أو من خلفهم، وقالوا أيضاً عن اللمزة أنه إذا مر أحدهم به لمزه إما بعينه وإما بكلامه، فهو يطعن فيهم، فكل الناس عنده أشرار، كل الناس عنده سيئين.
فلان هذا كذا، وكما قال بعض العلماء يجلسون ثلاثة في المجلس فإذا قام أحدهم اغتابوا الذي ذهب، هذه عادة كثير من الناس ليس هذا أبدًا بالمؤمن الذي يطعن في الناس.
قال رسول الله صل الله عليه وسلم( الا أخبركم بخياركم قالوا بلى يا رسول الله، قال( الذين إذا رأوا ذكر الله) الله أكبر، بعض الناس عندما تراه تذكر الله، وقال( ألا أخبركم بشراركم) قالوا بلى يا رسول الله قال( الطعانون العيابون الباغون للبراء العنت)
الذي يطعن في الناس، يسب الناس، يغتاب الناس، يطعن في أعراضهم.
انظر إلى هذا المشهد النبوي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً في معتكفه فجاءت اليه السيدة صفيه فجلست معه ما جلست ثم طفقت لتخرج من المسجد فرآها رجلان من الناس ورآهم رسول الله صل الله عليه وسلم فقال له صل الله عليه وسلم لهما علي رسلكما فوقف الرجلان ثم قال لهم انها صفية زوجتي
الله أكبر
رسول الله صل الله عليه وسلم يسد أبواب الشيطان، أبواب الكلام في وجه الشيطان فقال الرجلان له يا رسول الله سبحان الله وهل نظن عنك شئً يا رسول الله قال ان الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم في العروق فلا تظن غير ذلك فتهلكا.
يعني تظن أن هذه امراة كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنها مغطاة بنقابها فلا تعرفون من هي فأخبرتهم أنها زوجتي حتى ينقطع هذا عن الشيطان.
فلا تطعن في الناس ولا تغتاب الناس ولا تنم على الناس، ولا تتسلط علي الناس، ولا تتجسس علي الناس.
قال الله عز وجل( ولا تجسسوا) بعض الناس يريد أن يتقصى عن الناس، يعرف كل كبيرة وصغيرة، والله نهى عن ذلك وقال (ولا تجسسوا) لا تتجسس، لا تتطلع على عورات الناس.
وقف الرسول على المنبر يومًا صلى الله عليه وسلم فقال (يا معشر من امن بلسانه ولم يدخل الايمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته وفضحه ولو كان في عقر داره)
أنت يا من تنم ويا من تغتاب ويا من تريد أن تطلع على عورة فلان لتفضحه بين الناس، أبشر فإن الذي سيفضحك هو الله الذي سيسلط عليك من يهتك سترك هو الله...
قال النبي صلى الله عليه وسلم( إن من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه)
ليس هذا ذنباً عادياً، لا تظن أنه شيئًا عادياً أنك تقول أنا ما فعلت شيء، أنا تكلمت بلساني هذا، من أكبر الكبائر أن تستطيل بلسانك في عرض أخيك المسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ناهياً كل مؤمن عن الوقوع في أعراض المؤمنين
قال صلى الله عليه وسلم (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله يوم القيامة رضغة الخبال) قيل ما رضغة الخبال يا رسول الله؟ قال عصارة أهل النار من القيح والصديد.
يسكن فيها لماذا؟ ويشرب منها لماذا؟ لأنه قال في فلان هذا ما ليس فيه، اغتابه ووقع فيه، ونقل ليسئ إليه، ونقل لكي يؤذى، أبشر برضغة الخبال يوم القيامة، والإنسان يحذر من هذه الذنوب المتعلقة بخلق الله، فإن الله عز وجل يسامح في حقه، سبحانه وتعالى إذا تاب الإنسان تاب الله عليه، أما من وقع في الناس وهتك أعراضهم هذا ينبغي عليه لكي تقبل توبته كما قال العلماء أن يستسمح هؤلاء الناس، من يستطيع أن يفعل هذا؟
انظر كم شخص تكلمت فيه؟ كم شخص وقعت فيه؟ كم شخص اغتبته؟ كم شخص نقلت كلام عنه سيئًا؟
هذا يوم القيامة سيقف لك على الصراط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( يضرب بقنطرة بين الجنة والنار يقتص الناس فيها مظالم كانت بينهم في الدنيا) فلم ينجو إلى الجنة إلا من طهر نفسه من الغيبة والنميمة والبهتان والكذب والزور والغش والخداع كل هذه.
كل هذه خطايا اللسان..
لذلك قال القائل:
امسك لسانك أيها الإنسان... لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه... كانت تهاب لقائه الشجعان
أسال الله عز وجل أن يوفقني وإياكم لحفظ هذا اللسان، وأن يطهرنا من القول الباطل وأن يجعلنا من الذين يقولون الخير فقط
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى جميع اخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا ثم أما بعد؛
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما النجاة؟
فقال لي( امسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك)
تدري ما هو ملخص النجاة؟
في الثلاثة هذه أنك تنشغل بنفسك.
رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه إلى هذا المعنى في الثلاثة.
الأولى: امسك عليك لسانك؛
فلا تتكلم بشر، ولا تتكلم في ما لا يعنيك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيراً او ليصمت)
عندما تريد أن تتكلم قل هذا الكلام هل يقربني إلى الله أم يبعدني عنه؟ تمسك.
إذا كان يرضي الله تتكلم، إذا كان لا يرضي الله تسكت.
إذاً في هذه الاولي إنشغال بنفسك، الأولى هذه تنشغل بلسان نفسك، في اصلاح نفسك.
قيل لبعض العلماء لم لا تتكلم عن فلان الذي فعل كذا وكذا؟
قال يا هذا ما انتهيت من عيوب نفسي حتى اتكلم في عيوب الناس.
أنا يا مسكين عندي عيوب أريد أن أصلحها فانشغل بنفسي.
لذلك جاء في الحديث أن النبي صل الله عليه وسلم قال (يبصر احدكم القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه)
يعني القذاة الصغيرة يراها في عيون الناس وهو عنده جذع شجرة في عينه ولا يراه!
فهذا حال الذي ينشغل بعيوب الناس، أنت عندك عيوب عندك لم تتخلص منها كيف تنشغل بعيوب الناس؟
لم تغض بصرك إلى الآن، لم تحافظ على الصلاة إلى الآن.
عندك عقوق إلى الآن.
عندك قطع أرحام إلى الآن.
لم تطهر نفسك من الآثام إلى الآن.
مازلت تنظر إلى الحرام إلى الآن ثم تتكلم عن الناس! انشغل بهذه.
لذلك قال بعض العلماء: من غضب الله عليه اشغله بالناس عن نفسه.
هذه علامة غضب الله عليك أنك تنشغل بكل العيوب إلا العيوب التي فيك أنت لا تنشغل بها...
لذلك لا تتكلم إذا حدثتك نفسك وقالت فلان فعل، قل لها يا عين للناس أعين وألسن يتكلمون بها.
ومن طعن في الناس طعنوا فيه، فامسك نفسك عن هذا فلا تتكلم في عيوب الناس، ولا تنقل عن الناس، ولا تغتاب الناس، ولا تنمهم.
وإياك وسوء الظن عندما تري احداً يفعل شيئًا التمس له عذراً.
قال بعض الصحابة: لو أنني رأيت خمراً علي لحية أخي لظننت به خيراً وقلت لعلها سكبت عليك.
انظر كيف كانت قلوبهم الطاهرة.
لا يظنون، أما بعض الناس الآن يرى رجلا يمشي مع امرأة، يقول فلان هذا، وهذه ليست زوجته، إذًا من هي؟
سأذهب خلفه لأرى، من وإلى أين سيذهب، وماذا سيفعلون.
ما هذا؟ هل هذه اخلاق الإسلام والمسلمين.
فمن اخلاق الإسلام أن تستر على اخوانك فكأنك لا ترى ولا تسمع.
كما قلت لك إن الذي يتتبع عورات الناس يتتبع الله عورته احفظ هذه.
ثم كانت الثانية : قال (وليسعك بيتك)؛ انشغل أيضاً بنفسك وبيتك وأهلك.
لا تنشغل بالناس من حولك، أصلح بيتك، ابحث في أولادك وأهلك.
هل حافظوا علي الصلاة؟ هل حفظوا شيئاً من القرآن؟
انشغل، يسعك بيتك، لا تخرج إلا لصلاة أو لعمل أو لصلة أرحام أو لبر والدين أو صلة اخوانك لله.
وتذهب إلى بيتك، تغلق هذا البيت عليك، تتعبد لله، تذكر الله، تدخل في حديث رسول الله ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.
كيف يفعل هذا من طيلة يومه في عمله ثم طيلة ليله في المقهى يجلس مع أصحابه، ثم إذا نام نام كالجيفة.
أين قلب هذا؟
كيف ينصلح حاله؟ وكيف ينصلح حال قلبه؟
قال بعض العلماء: ينبغي للعاقل أن يكون له وقت بينه وبين الله.
يجلس في مكان منغلق بينه وبين الله، يخلو بربه يشكو من ذنوبه.
لذلك كانت الثالثة: وفيها انشغال بالنفس أيضا واصلاحها قال له (وابك على خطيئتك) هذه ملكيتك أنت خطيئتك أنت، ذنوبك أنت.
فيها أيضا اشارة من رسول الله صل الله عليه وسلم بانشغالك بنفسك، كأنه يقول لك أنت لا تسأل عن خطايا الناس، أنت لا تسأل عن ذنب فلان إنما ستسال عن ذنبك أنت.
لذلك ينبغي أن تبكي أنت على خطيئتك، لن يبكي عنك أحد.
ولم يبك لك أحد، إذا مت الآن سيأتي أقرب الناس إليك ليدفنونك ثم يقف قليلاً يدعو لك ثم يوم خلف يوم خلف، أيام ستنسى وتطوى الورقة.
لذلك أقول لك ابك أنت على خطيئتك، استغفر أنت من ذنوبك.
كان بعض العلماء عند موته يبكي، ثم قيل له لم تبكي؟ أتبكي من ذنوبك؟ قال لا، ( ما عندي اصلا، ذنوب هؤلاء ما كان عندهم ذنوب) ولكنني أقول من يصلي عني بعد موتي؟ من يقرأ القرآن عني بعد موتي؟ من يذكر الله عني بعد موتي؟
ثم اشتد نحيبه.
هؤلاء هذا كان همهم انشغلوا بأنفسهم، أنا لا يهمني فلان ولا علان، أنا تهمني نفسي لأنني يوم القيامة سابعث وحدي، وسأسأل وحدي، وسأدخل إلى القبر وحدي.
يا من بدنياه انشغل ... وغره طول الأمل الموت ياتي بغتة ... والقبر صندوق العمل
انشغل بنفسك في الثلاثة، هذه الوصية، اترك الناس، اتركهم بلسانك وعينك وقلبك أيضا.
انزع الناس من قلبك.
كان بعض العلماء قد خرج يومًا من بيته، تخيل بيته الذي يعيش فيه ثم وجد على ناصية الشارع الذي يعيش فيه بيتاً قد بني تخيل أنه ما وضع في رأسه، ولا أشغل باله طيلة هذه المدة الذي بني فيه، وهو يمر من أمامه لأنه منشغل بنفسه، ففي يوم مر فوجده قد ارتفع، فقال لنفسه متى بني هذا؟
ثم ما أكمل الكلمة، انظر كيف كان يحاسبون أنفسهم، حتى ضرب على عينه فقال لها مالك أنت والناس؟ ما لك تتطلعين إلى ما ليس لك؟
الله أكبر.
فكيف لو رأى زمننا؟ وكيف لو رأى حالنا؟
هذا يلوم نفسه لأنه يسال فقط متي بني؟ هذا سؤال عادي مشروع لكنه لام نفسه لأنه انشغل بغيره، انشغل بعيوب الناس.
هذا وصلوا وسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين في كل مكان.