الحَمْدُ لله؛ نِعَمُهُ في عِبَادِهِ لا تُعَدّ، وإِحْسَانُهُ لِخَلْقِهِ لا يُحَدّ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وأَشْكُرُه، وأَتُوبُ إليهِ وأَسْتَغْفِرُه، إليهِ المُسْتَنَدُ وعَلَيْهِ المُعْتَمَد، وأَشْهَدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ سُبْحَانَهُ الأَحَدُ الصَّمَد، وأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا ونَبِيَّنَا مُحمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عَلَيْه، وعَلَى آلهِ وأَصْحَابِهِ والتَّابِعِين، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإِحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّين.. أمَّا بَعْدُ عِبَادَ الله:
فأُوْصِي نَفْسِي وإيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تعالى، اتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ كَفَاه، ومَنِ اتَّقَى النَّاس؛ لَنْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنَ اللهِ شيئًا. مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللهِ لم يُسْخِطْهُ أَحَد، ومَنْ قَنِعَ بِعَطَاءِ مَوْلَاهُ لم يَدْخُلْهُ حَسَد، ومَنْ فُتِحَ لَهُ بَابُ خَيْرٍ فَلْيُسْرِعْ إليه؛ فإنَّهُ لا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ دُونَه، (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
أيُّها المُسْلِمُون: إِصْلَاحُ القَلْبِ؛ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ العِبَادَات، ولَا يَنَالُ المُسْلِمُ الكَمَال، والرِّضَا مِنَ الرَّحمَن؛ إلَّا بِزَوَالِ مَا في قَلْبِهِ مِنَ الحَسَدِ والأَضْغَان، ولا يَسْلَمُ جَسَدٌ مِنْ حَسَد؛ فالكَرِيمُ يُخفيه، والَّلئِيمُ يُبْدِيه.. قالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ الله: "الحَسَدُ مَرْكُوزٌ في طِبَاعِ البَشَر، والسَّعِيدُ مَنْ سَعَا إلى دَفْعِه".
وسَلَامَةُ الصَّدْر؛ مِنْ صِفَاتِ الأَنْبِيَاء؛ قالَ اللهُ مُمْتَدِحًا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، ومِنْ دُعَاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (الَّلهُمَّ اهْدِنِي واسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي) أَيْ: حِقْدَه. رَوَاهُ أبو داود.
وأَثْنَى اللهُ عَلَى الأَنْصَارِ بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا)؛ أَيْ: ولَا يَجِدُ الأَنْصَارُ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أُوْتِيَ إِخْوَانُهُمُ المُهَاجِرُونَ مِنْ فَضْلٍ.
واللهُ سُبْحَانَهُ فَضَّلَ عِبَادَهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ في العَطَاء؛ عَدْلاً مِنْهُ وفَضْلاً؛ لِيَظْهَرَ صَبْرُهُمْ وشُكْرُهُمْ، ويُعْلَمَ رِضَاهُمْ وتَسْلِيمُهُمْ، قَالَ جَلَّ شَأْنُه: (وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ).
الحَسَدُ عِبَادَ الله؛ مِنَ الرَّذَائلِ المُهْلِكَة، اتَّصَفَ بِهِ إبْلِيس؛ رَفَضَ أَنْ يَسْجُدَ لآدَمَ حَسَدًا مِنْه: (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، فكَانَ أَوَّلَ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بهِ في السَّمَاء، وكَانَتْ عَاقِبَتُه: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّين).. وهُوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بهِ في الأَرْض: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ).
الحَسَد؛ مُنَافٍ لِكَمَالِ الإِيْمَان؛ قالَ صلى الله عليه وسلم: (لا يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ عَبْدٍ: الإيمَانُ والحَسَد) رَوَاهُ النَّسَائي.
حَذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ مِنْ هَذَا الدَّاءِ فَقَال: (لَا تَحَاسَدُوا) رَوَاهُ مُسلِم.
والحَسَدُ مَنْبَعُ الشُّرُور، يُوْجِبُ الظُّلْمَ، ويُوْرِثُ القَطِيعَة، ويُحْرِقُ الحَسَنَات. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَحِمَهُ الله: "اِعْتَبَرْتُ الأَخْلَاقَ -أَيْ: تَأَمَّلْتُهَا- فَإِذَا أَشَدُّهَا وَبَالاً: الحَسَد".
حَاسِدُ النِّعْمَة؛ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ الله، ولَمْ يَقْنَعْ بِعَطَائِه، إذَا نَظَرَ إلى مَنْ فَوْقَهُ في عِلْمٍ أو في خَلْق، أو خُلُقٍ أو مَال، أو أَيِّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ التَّفْضِيل؛ اعْتَرَضَ عَلَى اللهِ في مَشِيْئَتِه، واغْتَاظَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وقِسْمَتِه، لا يَرَى قَضَاءَ اللهِ عَدْلًا، ولَا لِنِعَمِهِ مِنَ النَّاسِ أَهْلًا، يَكْرَهُ نِعْمَتَه، ويَجْهَلُ حِكْمَتَه، ويَسْعَى بِالبَغْيِ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْه، ويَمْضِي في المَكْرِ بِمَنْ أَحْسَنَ اللهُ إليه.
ألَا قُلْ لِمَنْ كانَ لي حَاسِدًا ** أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى اللهِ في فِعْلِهِ ** لأَنَّكَ لم تَرْضَ لي مَا وَهَبْ
فَجَازَاكَ عَنِّي بَأَنْ زَادَنِي ** وسَدَّ عَلَيْكَ وُجُوهَ الطَّلَبْ
وقَدْ شَنَّعَ اللهُ عَلَى الحَاسِدِينَ وأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَقَال: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).
نفَعَني اللهُ وإياكم بِالقرآنِ العظيمِ، وبهَديِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم، أقولُ قولِي هذا، وأستغفِرُ الله لي ولكم ولسَائرِ المسلمينَ مِنْ كلِّ ذنبٍ، فاستغفِرُوه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية/
الحَمْدُ للهِ حَمْدُا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيه، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ عَلَى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ مُحمّد، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، وبَعْد:
فَإِنَّ مِنْ أعظم أَسْبَابِ الحَسَدِ ودَوَاعِيه؛ بَعْدَ ضَعْفِ الإِيْمَان: ضَعْفَ النَّفْس، والحِرْصَ عَلَى مَنَافِعِ الدُّنْيَا، والخَوْفَ مِنْ فَوَاتِهَا، ويَتَأَكَّدُ ذَلِكَ بَيْنَ المُتَزَاحِمِينَ عَلَى مَنْفَعَةٍ وَاحِدَة، في عَمَلٍ أو تِجَارَةٍ أو غَيْرِهَا، قَالَ تَعَالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)؛ فَإِنَّ اشْتِرَاكَهُمْ في أَمْرٍ وَاحِدٍ يُوْجِدُ الحَسَد.
ولَيْسَ في خِصَالِ الشَّرِّ أَسْوَأ مِنَ الحَسَد؛ يَنْتَقِمُ صَاحِبُهُ مِنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلى المَحْسُود، ومَنْ رَأَى حَالَ الحَاسِدِ فيُما يُبتلى به في هَمِّهِ وغَمِّهِ وكَمَدِه؛ أَشْفَقَ عَلَيْه، والحَاسِدُ اشْتَغَلَ بِمَا لا يَعْنِيهِ فَأَضَاعَ مَا يَعْنِيه.
والمَحْسُودُ مَظْلُومٌ مَأْمُورٌ بأنْ يُرِيَ اللهَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ والعَفْوَ والصَّفْح؛ قَالَ عَزَّ وجَلّ: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ويُوسُفُ عليه السلام قالَ لإِخْوَتِه: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، والحِلْمُ والصَّبْرُ والعَفْوُ، وكَظْمُ النَّفْس؛ مِنْ أَعْظَمِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا، يَبْلُغُ بِهَا المُؤْمِنُ: مَا لا يَبْلُغُهُ بالصِّيَامِ والقِيَام.
ألَا فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، واعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ القُلُوبِ إلى اللهِ أَرَقُّهَا وأَصْفَاهَا، ولَا أَهْنَأُ حَيَاةً مِنْ مُؤْمِنٍ سَلِيمِ الصَّدْر، إِنْ رَأَى نِعْمَةً سَاقَهَا اللهُ إلى أَخِيهِ؛ فَرِحَ بِهَا ورَأَى فَضْلَ اللهِ فِيهَا وفَقْرَ عِبَادِهِ إليهَا، ومَا عَادَى أَحَدٌ مُسْلِمًا فَأَفْلَح، وفي الرِّضَا بِمَا قَسَمَهُ اللهُ سَلَامَةٌ لِلْقَلْبِ، وكُلَّمَا كَانَ العَبْدُ أَشَدَّ رِضَا؛ كانَ القَلْبُ أَسْلَم.. واقْتَدُوا -عِبَادَ الله- بِمَنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
اللهُمَّ يا حَيُّ يا قَيُّوم، اهْدِنَا لأحسَنِ الأخلاق؛ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أنت، واصْرِفْ عنّا سيِّئَها؛ لا يَصْرِفُ عنّا سيِّئَها إلَّا أنت، وتَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا، واغْسِلْ حَوْبَتَنَا، وأَجِبْ دَعْوَتَنَا، وثَبِّتْ حُجَّتَنَا، واهْدِ قُلُوبَنَا، واسْلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا، واحْفَظْنَا جَمِيعًا مِنْ حَسَدِ الحَاسِدِينَ، وكَيْدِ الكَائِدِين، يا رَبَّ العَالَمِين.
ثمَّ صلُّوا وسلِّموا رحمكم الله؛ على خَيرِ البَرِيَّةِ، وأزكى البشرية: محمدِ بنِ عَبدِ الله، اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه، وعلى آلهِ الطيبينَ الطاهرين، وصحابتِه الغُرِّ الميامين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابة نبيك أجمعين، ومَنْ سارَ على نهجهم، واتبع سنَّتهم إلى يوم الدين.
اللهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واحْمِ حوزة الدين..
اللهم فرِّجْ همَّ المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْنَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
سُبحانَ ربّك ربِّ العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمدُ لله رب العالمين.
.jpg)