الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، وَبَاعِثِ الْخَلْقِ بَعْدَ الْبِلَى وَالْمَمَاتِ؛ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى وَالَّذِينَ أَسَاءُوا بِالسَّيِّئَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ يُبَاهِي أَهْلَ السَّمَاءِ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَيَهَبُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ وَيَغْفِرُ لَهُمُ التَّبِعَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، شَرَحَ اللهُ لَهُ صَدْرَهُ، وَوَضَعَ عَنْهُ وِزْرَهُ، وَرَفَعَ لَهُ ذِكْرَهُ، وَأَعْلَى شَأْنَهُ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْفَضَائِلِ وَأَرْبَابِ الْمَكْرُمَاتِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً مَا أَضَاءَتِ الشُّمُوسُ وَأَشْرَقَتِ الْكَوَاكِبُ النَّيِّرَاتُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ وَكُفُّوا النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَاغْتَنِمُوا هَذِهِ الأَوْقَاتِ الْمُبَارَكَةَ الصَّالِحَةَ قَبْلَ فَوَاتِهَا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَكُمْ لِتَعْبُدُوهُ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لِتَشْكُرُوهُ.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [الأنفال:29].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ اللهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدِ اخْتَارَ مِنَ الأَمْكِنَةِ بِقَاعاً فَفَضَّلَهَا عَلَى غَيْرِهَا تَفْضِيلاً، وَاصْطَفَى مِنَ الأَزْمِنَةِ أَيَّاماً وَأَوْقَاتاً فَجَعَلَ لَهَا عَلَى سِوَاهَا مَزِيَّةً وَكَلَّلَهَا بِهَا تَكْلِيلاً، وَإِنَّ مِمَّا اصْطَفَاهُ اللهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَيَّامِ: يَوْمَ عَرَفَةَ؛ إِذْ جَعَلَ لَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْفَوَائِدِ، وَمَيَّزَهُ بِالْمَنَافِعِ وَالْعَوَائِدِ؛ فَهُوَ مِنَ الأَعْيَادِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَالْبَهْجَةِ وَالْحُبُورِ، وَيُسَرُّونَ بِهَا فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا عِبَادَةً وَشُكْراً، وَصِيَاماً وَدُعَاءً وَذِكْراً؛ فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ].
إِنَّهُ لَمَشْهَدٌ عَظِيمٌ -يَا عِبَادَ اللهِ- وَمَوْقِفٌ لأَِهْلِ الْمَوْسِمِ كَرِيمٌ، يَجِلُّ عَنِ النَّعْتِ وَالصِّفَةِ، وَيُبَشِّرُ بِالْفَضْلِ الْعَمِيمِ لِمَنْ وَقَفَهُ، يُبَاهِي اللهُ بِأَهْلِهِ أَهْلَ السَّمَاءِ، وَيُحِبُّ الْمُنَاجَاةَ فِيهِ وَيَسْتَجِيبُ الدُّعَاءَ، تُسْكَبُ فِيهِ الْعَبَرَاتُ، وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ، وَتُفَاضُ الرَّحَمَاتُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتُ، وَيُلِظُّ النَّاسُ فِيهِ بِالدُّعَاءِ بِشَتَّى اللُّغَاتِ وَاللَّهَجَاتِ، فَكَمْ مِنْ دَعْوَةٍ مُسْتَجَابَةٍ، وَنِعْمَةٍ مُسْتَطَابَةٍ!
وَكَمْ مِنْ بَلِيَّةٍ مَرْفُوعَةٍ، وَنِعْمَةٍ مَدْفُوعَةٍ!، وَذَنْبٍ مَغْفُورٍ، وَسَعْيٍ مَشْكُورٍ، وَتِجَارَةٍ لَنْ تَبُورَ!، إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمٌ عَظَّمَ اللهُ أَمْرَهُ، وَرَفَعَ عَلَى الأَيَّامِ قَدْرَهُ، وَأَفَاضَ عَلَيْنَا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ مَا يُوجِبُ شُكْرَهُ، حَيْثُ سَعَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ اللهِ مِنْ كُلِّ مَوْطِنٍ وَإِقْلِيمٍ، مُلَبِّينَ دَعْوَةَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:27-29].
أَجَلْ: إِنَّهُ يَوْمٌ أَقْسَمَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) [الفجر:3].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ: (الْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ).
وَهُوَ الْيَوْمُ الْمَشْهُودُ الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) [البروج:3]؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ آيَةَ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة:3].
عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ -مَعْشَرَ الْيَهُودِ- لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا.
قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
عِبَادَ اللهِ: وَفِي عَرَفَةَ أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِتَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَتَعْظِيمِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَأَعْظِمْ بِهِ مِنْ يَوْمٍ!، وَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ مِيثَاقٍ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ- يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً، قَالَ: تعالى (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) [الأعراف:172-173] [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَالْحَاكِمُ].
وَأَيُّ فَضْلٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبَاهِيَ رَبُّ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ؟! فَتَعُمَّ نِعْمَتُهُ، وَتَشْمَلَ مَغْفِرَتُهُ، وَتَعْظُمَ مَكْرُمَتُهُ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ أَهْلَ السَّمَاءِ؛ فَيَقُولُ لَهُمُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثاً غُبْراً» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ].
إِخْوَةَ الإِيمَانِ: وَفِي هَذَا الْيَوْمِ الأَغَرِّ، وَالْمَوْسِمِ الأَزْهَرِ؛ يَكْثُرُ عُتَقَاءُ اللهِ مِنَ النَّارِ، وَتَتَنَزَّلُ رَحَمَاتُ الرَّحِيمِ الْغَفَّارِ، وَمَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ أَذَلَّ وَلاَ أَدْحَرَ، وَلاَ أَحْقَرَ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الأَنْوَرِ؛ إِلاَّ مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ يَحْثُو عَلَى رَأَسِهِ التُّرَابَ، وَيَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى الْجُمُوعَ الْغَفِيرَةَ، وَالْكَثْرَةَ الْكَثِيرَةَ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا رَحَمَاتُ الْغَفُورِ الشَّكُورِ، وَهُمْ يُكْثِرُونَ مِنْ شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، وَنَفْيِ الشِّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ، إِذْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ تُوجِبُ عِتْقَ الرِّقَابِ، وَالْفَكَاكَ مِنَ الْعَذَابِ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ؛ فَيَقُولُ: (مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ؟)» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : «وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا مِنْ كِلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا، أَوْ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ» [رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا].
وَفِي عَرَفَةَ يَتَفَضَّلُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْمَهِيبِ فَيَهَبُ مُسِيئَهُمْ لِمُحْسِنِهِمْ، وَيُعْطِي مُحْسِنَهُمْ مَا سَأَلَ؛ فَعَنْ بِلاَلِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ غَدَاةَ جَمْعٍ [يَعْنِي: صَبِيحَةَ لَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ]: «يَا بِلاَلُ أَسْكِتِ النَّاسَ أَوْ (أَنْصِتِ النَّاسَ)، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَطَوَّلَ [أَيْ: تَفَضَّلَ] عَلَيْكُمْ فِي جَمْعِكُمْ هَذَا؛ فَوَهَبَ مُسِيئَكُمْ لِمُحْسِنِكُمْ، وَأَعْطَى مُحْسِنَكُمْ مَا سَأَلَ، ادْفَعُوا بِاسْمِ اللَّهِ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].
وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ يَسْتَجِيبُ اللهُ دُعَاءَ الدَّاعِينَ، وَتَوَسُّلَ الْمُتَوَسِّلِينَ، وَيَرْأَفُ لاِنْكِسَارِ الْمُنْكَسِرِينَ، وَيَقْبَلُ تَوْبَةَ التَّائِبِينَ، فَدُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ خَيْرُ الدُّعَاءِ، وَرَجَاؤُهُ أَعْظَمُ الرَّجَاءِ ؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِنَوَالِ فَضْلِ عَرَفَةَ، وَأَنْ نَكُونَ مِمَّنْ قَامَ بِحَقِّهِ وَعَرَفَهُ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، وَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَوَاسِمِ الْخَيْرِ وَالإِحْسَانِ، وَأَسْبَغَ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً عَلَى بَنِي الإِنْسَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهِ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَعَدَ أَهْلَ التَّقْوَى بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً إِلَى الإِنْسِ وَالْجَانِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالْعِرْفَانِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً إِلَى يَوْمِ الْعَرْضِ عَلَى الْمَلِكِ الدَّيَّانِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَتِهِ بِمَا رَزَقَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَداً بَيْنَ يَدَيِ اللهِ مَوْقُوفُونَ، وَعَلَى أَعْمَالِكِمْ مَهْمَا دَقَّتْ أَوْ جَلَّتْ مَجْزِيُّونَ (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَمِنْ فَضَائِلِ يَوْمِ عَرَفَةَ الْمُبَارَكِ: أَنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ؛ فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ الأَكْبَرُ وَفَرْضُهُ الأَعْظَمُ، فَلاَ حَجَّ لِمَنْ لَمْ يَقِفْ فِيهِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «الْحَجُّ عَرَفَةُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلاَّ أَبَا دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ].
وَفِيهِ يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَيَتَلاَقَوْنَ، وَيَتَبَادَلُونَ الآرَاءَ وَالْمَشَاعِرَ وَيَتَحَابُّونَ؛ مُتَجَرِّدِينَ مِنْ عَلاَئِقِ الدُّنْيَا وَأَوْضَارِهَا، تَجْمَعُهُمْ أُخُوَّةُ الإِيمَانِ وَوَحْدَةُ الْعَقِيدَةِ وَثِمَارُهَا، لاَ فَضْلَ لأَِحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِالتَّقْوَى وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلاَ تَمَايُزَ بِجِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ، وَلاَ بِقَبِيلَةٍ عَلَى قَبِيلَةٍ، وَلاَ بِوَطَنٍ عَلَى وَطَنٍ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ أَقْطَارُهُمْ، وَتَنَاءَتْ دِيَارُهُمْ، وَتَنَوَّعَتْ أَمْصَارُهُمْ، فَرَحِمُ الإِسْلاَمِ جَمَعَهُمْ وَإِنْ فَرَّقَتْهُمْ أَرْحَامُ الأُمَّهَاتِ؛ مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات:10] يَقِفُونَ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَيَدْعُونَ رَبّاً وَاحِداً، يُجَسِّدُونَ الشُّعُوبَ الْمُتَبَاعِدَةَ؛ بِأُمَّةٍ مُسْلِمَةٍ وَاحِدَةٍ (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92].
ثُمَّ يُفِيضُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، إِلَى مَشْعَرٍ حَرَامٍ وَاحِدٍ، لاَ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [البقرة:198- 199].
فَهَنِيئاً لِمَنْ أَخْلَصَ وَاتَّبَعَ الرَّسُولَ، وَرُزِقَ التَّوْبَةَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَوُفِّقَ لِلْقَبُولِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيمًا {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيمَ، فِي العَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُومًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُومًا، وَلا تَدَعْ فِينَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُومًا. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ وَجُنْدَكَ الْمُوَحِّدِينَ.
.jpg)