الخطبة الأولى:
إنَّ الحمد لله؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئاتِ أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له, ومن يُضلِل فلا هادي له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريك له, وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسوله، وصفيُّه وخليلُه، وأمينُه على وحيه، ومبلِّغ الناس شرعَه، ما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًا إلا حذَّرها منه؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
أيها المؤمنون: اتقوا الله ربكم، وراقبوه في جميع أعمالكم، مراقبة من يعلمُ أن ربَّه يسمعُه ويراه.
وتقوى الله -جلَّ وعلا-: عملٌ بطاعة الله على نورٍ من الله رجاء ثواب الله، وتركٌ لمعصية الله على نورٍ من الله خيفة عذاب الله.
أيها المؤمنون: قال الله تعالى (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)) سورة الحج.
فقد ذكرت الآيات المباركة صفة عظيمة ما أجلَّ شأنها وأعظم عوائدها وبركاتها على المؤمن.
أثنى الله -عز وجل- على المتصفين بها ثناءً عظيما، وذكر لهم موعودًا كريما، وبشارة عظمى بكل خير في الدنيا والآخرة، جديرٌ بكل عبد مؤمن أن يعرفها، وأن يجاهد نفسه على أن يكون من أهلها تحليًا واتصافا؛ إنها -عباد الله- "الإخبات إلى الله -جل في علاه-".
وإذا أردت -أيها المؤمن- أن تعرف قدر هذه الصفة وعليَّ مكانتها، فتأمل قول الله -جل في علاه-: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [الحج: 34].
والقاعدة عند العلماء: "أن المتعلَّق إذا حذف عمَّ وشمل كل خير وفضيلة في الدنيا والآخرة"، فالبشارة هنا لم تقيَّد وإنما ذُكرت هكذا مطلقة لتتناول كل فضيلة وخير وبركة في الدنيا والآخرة.
وأيضا تأمل في عظيم ثوابهم عند الله قول الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [هود: 23].
ذكر الإخبات عقِب الإيمان والعمل مع أنه داخلٌ فيه مرتِّبًا عليه من الثواب ما ذُكر تبيينًا لعظم شأن الإخبات وعظم مكانة المخبتين عند الله.
أيها المؤمن: والإخبات ثمرةٌ من ثمار حُسن الإيمان بالقرآن وحي الله -عز وجل- وذِكره الحكيم الذي به تحيا القلوب وتخبِت، قال الله -عز وجل-: (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الحج: 54] تأمل في هذين المعطوفين: (فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أي الوحي، (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) أي أثرًا من آثار حُسن إيمانهم بوحي الله -عز وجل-.
وبهذا تعلم -أيها المؤمن- أن الإخبات صفةٌ للقلب؛ فالقلب يخبِت إلى الله ويخبِت لله -جل في علاه-؛ كما في الآيتين: (فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ)، (وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ)، فهو إخباتٌ لله وإخباتٌ إلى الله.
والإخبات-يا معاشر العباد- سكونٌ وطمأنينة وخشوعٌ وخضوع وذل لله -تبارك وتعالى-، فإذا أخبت القلب إلى الله -عز وجل- تحلى بجميل الصفات، وحسِن النعوت، وطيب الأخلاق والآداب.
أيها المؤمن: وإذا قُلت ما هي صفات المخبتين الجامعة التي إن وُجدت في العبد مجتمعةً دلت على صدق إخباته إلى الله -جل في علاه-؟
وجواب ذلك تراه في سورة الحج: قول الله -سبحانه وتعالى-: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) كأنه قيل: من هم يا الله؟ وما هي صفاتهم؟ وما نعوتهم؟
قال الله -عز وجل-: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)
فهذه -أيها المؤمن- صفاتٌ أربع ذكرها الله للمخبتين إلى الله -جل في علاه-
أولها: وجل القلب عند ذكر الله -عز وجل-، والوجل كما قال العلماء: "خوفٌ مع محبة وهيبة"، فهذه صفة القلب المخبِت إلى الله -عز وجل- أنه إذا ذُكر الله عنده وجل قلبه، وهذا الوجل لقلبه ناشئ من حُسن معرفته بربه؛ كما قال الله -جل في علاه-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] أي بالله.
والصفة الثانية: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وما من عبدٍ إلا وهو مبتلى بأنواع من البلايا في هذه الحياة الدنيا: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].
والصفة الثالثة: إقامة الصلاة؛ أي حفاظًا عليها، وإتيانًا بها قائمة بأركانها وشروطها وواجباتها، خضوعًا وخشوعًا وحسن تقرب إلى الله -سبحانه وتعالى-.
والصفة الرابعة: بذل المال وإنفاقه في سبيل الله -عز وجل- في وجوه الخير وأبوابه المتنوعة من واجبٍ ومستحب، طيبةً بذلك النفسُ، راجيةً موعود الله -جل في علاه-، وعظيم ثوابه.
وقال ابن عاشور في تفسيره :" وقد أتبع صفة {المُخْبِتِينْ} بأربع صفات وهي: وجل القلوب عند ذكر الله، والصبر على الأذى في سبيله، وإقامة الصلاة، والإنفاق.
وكل هذه الصفات الأربع مظاهر للتواضع فليس المقصود من جمع تلك الصفات لأن بعض المؤمنين لا يجد ما ينفق منه وإنما المقصود من لم يخل بواحدة منها عند إمكانها.
والمراد من الإنفاق الإنفاق على المحتاجين الضعفاء من المؤمنين لأن ذلك هو دأب المخبتين.
وأما الإنفاق على الضعيف والأصحاب فذلك مما يفعله المتكبرون من العرب كما تقدم عند قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} .
وهو نظير الإنفاق على الندماء في مجالس الشراب.
ونظير إتمام الإيسار في مواقع الميسر، كما قاله النابغة:
أني أتمم أيساري وأمنحهم * * * مثنى الأيادي وأكسو الجفنة الأدما
والمراد بالصبر: الصبر على ما يصيبهم من الأذى في سبيل الإسلام. وأما الصبر في الحروب وعلى فقد الأحبة فمما تتشرك فيه النفوس الجلدة من المتكبرين والمخبتين. وفي كثير من ذلك الصبر فضيلة إسلامية إذا كان تخلقا بأدب الإسلام قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} الآية.التحرير والتنوير 17/188.
وقال القرطبي عن عمرو بن أوس، قال: المخبتون: الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.تفسير القرطبي 18/527.
وقال البقاعي :" أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر. نظم الدرر 1/85.
وقال القشيري :" أي اسْتَسلموا لِحُكمه بلا تعبيسٍ ولا استكراهٍ من داخل القلب . تفسير القشيري 5/194.
وقال صاحب الدر المنثور :" وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان اذا رأى الربيع بن خثيم قال : وبشر المخبتين وقال له : ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين .السيوطي : الدر المنثور 6/49.
أيها المؤمنون: جديرٌ بالمؤمن أن يدعو الله -عز وجل- كثيرًا أن يجعله من عباده المخبتين.
فقد روى أهل السنن من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن نبينا -صلى الله عليه وسلمَ- كان يقول في دعائه: "رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا -وفي رواية إِلَيْكَ مُخْبِتًا-، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي".
وإن أعانك الله وحفظت هذه الدعوة بجُمَلها التي تزيد على عشرين مطلوبٍ تطلبه من الله -عز وجل- في جوامع الخير في الدنيا والآخرة، فاحفظها وحافظ عليها ينفعك الله -سبحانه وتعالى- بها.
اللهم اجعلنا أجمعين لك مخبتين يا رب العالمين.
اللهم وأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
أقولُ هذا القول، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها المؤمنون -عباد الله-: اتقوا الله؛ فإنَّ من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
واعلموا -رحمكم الله- أن الكيِّس من عباد الله من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
واعلموا أنَّ أصدق الحديث كلامُ الله، وخير الهدى هُدى محمدٍ -صلى الله عليه وسلَّم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وعليكم بالجماعة فإنَّ يد الله على الجماعة.
وصَلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيما) [الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].
وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
